Chapter: الفصل ١٧٨٪12 شاهدت الحساب الرقمي الأول المتلاعب به يختفي. شعرت بنبضة خفيفة تعود إلى قلب يوسف البعيد، كأن قيداً من السلاسل الخفية المحيطة بعنقه قد تراخى قليلاً.[ %٢٧ ]اختفت ملفات التحويلات المشبوهة المنسوبة زورا لشركته. في المقابل، كانت علياء تشعر بقطعة من روحها تُنتزع من صدرها، فكل ملف يختفي يعيد الحياة ليوسف، لكنه يؤكد في الوقت نفسه بقاءها في جحيم سليم.[ %٥٤ ]منتصف الطريق. الأكواد الرقمية المعقدة تحترق و تتحول إلى ومضات رمادية على الشاشة. كان يوسف يبتعد عن حافة المقصلة و السجن المؤبد بخطوات سريعة، بينما كانت هي توغل في عتمة النفق الذي لا نهاية له. شعرت ببرودة شديدة تسري في أطرافها، و جفاف حاد في حلقها.[ %٧٩ ]التحويلات الدولية المخططة لتدمير عائلة الكيلاني تبخرت تماماً من الخوادم الرئيسية المشفرة. لم يتبق سوى القليل ليكون يوسف حراً بالكامل خارج دائرة الخطر و الاتهام السيادي. كانت الدموع تتجمع في عيني علياء، لكنها رفضت أن تدعها تسقط أمام نظرات سليم المراقبة لملامحها باستمتاع.[ %١٠٠ ]استقرت النسبة، و توقفت الشاشة لثانية واحدة، قبل أن تنبثق
آخر تحديث: 2026-06-27
Chapter: الفصل ١٧٧تراجع سليم خطوة إلى الوراء، عائداً إلى مكتبه بنرجسية عارية ، و أشار لها بيده ببرود مستفز: — «أسمعكِ.. ما هي إملاءات الضحية الأخيرة؟» أشارت بأصبعها نحو شاشة حاسوبه المشفر و قالت بحدة: — «أولاً.. أريد حرق و إبادة كل ملفات التزوير الرقمية الآن و أمام عيني. حذف الأدلة و التحويلات المشبوهة من الخوادم كافة، أريد إعدام هذا الفخ الإلكتروني تماماً ليعود نظيفاً كما كان. ثانياً.. و هو الشرط الذي لن أتراجع عنه شبراً واحداً؛ صفوت الزند و دينا يغادران شركة الكيلاني فوراً. أريد اختفاءهما الكامل و اختفاء كل أتباعهم هناك.. لا أريد لأفاعيك أن تلمس مكاتبه أو تتنفس في محيطه بعد الآن.» تأمل سليم ملامحها ، و دراستها الدقيقة لخطوط دفاع يوسف. أطلق زفيراً ساخراً ثم قال ببرود: — «موافق.. ففي النهاية، ما يهمني صفوت أو دينا إن كنتِ أنتِ الجائزة الكبرى التي أردتها دائماً؟ سينسحبان صامتين غداً مع أول خيط اليوم» سحب سليم وثيقة التنازل و عقد العودة، و وضعهما أمامها فوق الرخام الأسود، و جاورتهما ريشة قلم حبر فاخرة. قال بنبرة آمرة: — «وقّعي أولاً.. لتشاهدي بعدها نهاية ال
آخر تحديث: 2026-06-27
Chapter: الفصل ١٧٦حين تبلغ قسوة الأيام ذروتها، تضطر القلوب النقيّة لارتداء أقنعة القسوة ، لحماية الأرواح التي تعشقها من الموت صامتاً.» عند عتبات برج آل الألفي، كانت العاصمة تبدو من الأسفل كأنها رقعة شطرنج مظلمة، تبتلع خطى العابرين بلا أثر .في تلك الليلة الممتدة من الفجر ، لم يكن البرج الزجاجي مجرد مبنى إداري شاهق، بل كان تجسيداً مادياً لسطوة سليم؛ كتلة هائلة من الخرسانة و الزجاج العاكس الذي لا يحمل أي ملمح من ملامح الرحمة .خطت علياء داخل الردهة الرئيسية، فاستقبلها الصقيع المنبعث من أجهزة التكييف المركزية ليصطدم ببرودة أطرافها الشاحبة. صعدت إلى الطابق الأخير، طابق الإدارة العليا، حيث تنعدم الضوضاء و لا يتبقى سوى طنين الآلات الخفي. كانت خطواتها متصلبة، حانقة، ترتطم بالأرض الرخامية بإيقاع عسكري صارم، و كأنها تدق طبول حربها الأخيرة ضد الرجل الذي صادر مستقبلها. لم تطرق الباب. دفعت باب المكتب الرئيسي بكبرياء و شموخ كامل، رافضة تماماً أن تمنح الحراس أو السكرتارية فرصة إعلان قدومها كضحية مستسلمة. استقبلها الاتساع الفاخر للمكتب؛ جدران داكنة، و إضاءة خافتة مسلطة
آخر تحديث: 2026-06-27
Chapter: الفصل ١٧٥ حين تبلغ قسوة الأيام ذروتها، تضطر القلوب النقيّة لارتداء أقنعة القسوة، لحماية الأرواح التي تعشقها من الموت صامتاً مضت الساعات كالمقصلة.و جاء اليوم التالي ليعلن بقسوة عن الحقيقة. لم يعد يفصلهم عن موعد الزفاف سوى يومين فقط ساد الصمت داخل شقة مالك. لم يعد أحد يكتب على لوحة المفاتيح. انطفأت الشاشات الواحدة تلو الأخرى، و لم يبق سوى ضوء خافت ينعكس فوق الوجوه المرهقة. نظر مالك إلى الشاشة الأخيرة، ثم أغلقها ببطء. ظل صامتًا عدة ثوانٍ، قبل أن يضرب المكتب بقبضته في غضب.— لا... مرر يده في شعره بعنف.— مستحيل... التفت إلى علياء و عيناه ممتلئتان بالعجز. — جرّبنا كل شيء.... كل شيء. لم يتركوا لنا منفذًا واحدًا. وقفت نور بجواره، و خلعت نظارتها و هي تمسح عينيها بسرعة. قالت نور بصوت مكسور:— حتى مفاتيح التشفير... كلها أصلية كل توقيع راجعته عشر مرات. لو وصل هذا الملف للمحكمة... سكتت. ثم همست:— حتى أنا سأصدق أن يوسف مذنب. ساد الصمت. كانت الكلمات أثقل من أن يرد عليها أحد. رفع مالك رأسه فجأة — سنخبر يوسف. نظرت إليه علياء. تابع مالك بسرعة:— يوسف ليس رجلًا عاديًا. عنده محام
آخر تحديث: 2026-06-27
Chapter: الفصل ١٧٤دخلت علياء الممر المؤدي إلى جناح يوسف، فـتسمرت خطواتها إثر صدمة باغتت حواسها المنهكة؛ كان يقف هناك بكامل هيبته الطاغية، يمسك بإطار اللوحة القديمة —التي طالما كانت وقوداً لغضبه وسعيه الأعمى للثأر كان يعيد تدويرها ببطء و ثبات إلى وضعها الصحيح تذكرت يوم ان قال لها يوما انه لن يصحح وضع هذه اللوحة الا بعد ان يحصل علي الانتقام لموت عائلته انقشع ضباب التعب عن عينيها المجهدتين، و سألته بنبرة خافتة بحّها سهر الأيام الأربعة في أروقة التحقيق مر اربعه ايام في البحث مع نور و مالك دون جدوي لم يستطيعوا ايجاد اي ثغره قالت محاوله ان تبدو هادئه — «لماذا قررت الآن تعديل وضع اللوحة؟» التفت يوسف نحوها، و ذابت تلك الصرامة و الجمود الجليدي اللذان طالما غلفا ملامحه، و حلت مكانهما ابتسامة دافئة شقت سكون الفجر ، و هو يقول بصوت مخملي منخفض: — «لأنني لم أعد بحاجة للانتقام يا علياء.. فالانتقام لن يعيد عائلتي التي غادرت.» صمت لثانية، ثم تقدم نحوها خطوة ملأى بالسكينة مسترسلاً بنقاء و عذوبة: — «نحن سنبني عائلتنا معاً من جديد، و سنؤسس عالمنا بالحب.. لا بالانتقام
آخر تحديث: 2026-06-27
Chapter: الفصل ١٧٣دخلت هي وعلياء. وأغلقت نور الباب خلفها. وقفت دينا تنظر إليهما. ثم انفجرت ضاحكة. — ما هذا؟ هل جئتما لزيارتي أم لاختطافي؟ قالت علياء بجدية:— جئنا لنتحدث معك تقدمت علياء خطوة. — لماذا فعلتِ ذلك؟ اختفت الضحكة فجأة من وجه دينا. لماذ فعلتِ هذا؟ ما الذي يدفع صديقة العمر لتتحول إلى أفعى تزرع السم صامتة خلف ظهري؟!» ضحكت دينا ضحكة قصيرة، ساخرة، ومليئة بغل دفين و حقد تشققت معه أقنعة السنين، و قالت بصوت أبحّ و مخنوق باللوعة الشديدة: — «صديقة العمر؟! لا تجعليني أتقيأ يا علياء! هل تعلمين... في اليوم الاسود الذي اتصلت بنا فيه نور و أخبرتنا بظهوركِ مجدداً و أنكِ على قيد الحياة بعد حادث الجرف، كدتُ أجن! أردتُ أن آتي و أخنقك بيدي هاتين! لكني تحملتُ جيداً، و ارتديتُ قناعي ببراعة، و صبرتُ لشهور حتى تحين هذه اللحظة؛ أردتُ بكل جوارحي أن تذوقي من ذات الكأس المر التي جرعتِني إياها بسبب وجودكِ الأناني في هذا العالم!» تأملتها علياء بذهول خالص و دهشة شلت عقلها، و تقدمت خطوة قائلة بنبرة مكسورة: — «ماذا فعلتُ لكِ أنا؟! مَن الذي دمر حياتكِ لتكرهيني بهذا الشكل الشائن؟!
آخر تحديث: 2026-06-25
Chapter: الفصل ٩٢في ذلك المساء، خيّم هدوء ثقيل على قصر آشبورن . كانت الرياح الباردة تضرب النوافذ الطويلة بين الحين و الآخر، بينما انعكس ضوء المصابيح الزيتية على الجدران الخشبية العتيقة فملأ المكان بدفء خافت. جلست ليان إلى الطاولة الصغيرة في غرفة الدراسة الملحقة بالمكتبة، و أمامها دفاتر الكتابة التي كانت ميس وعد تصر على أن تتدرب عليها يومياً. لكن عقلها لم يكن مع الحروف. كانت تسمع شرح وعد، بينما أفكارها تدور حول فريدة و فهد و ما تخفيه تلك الرسائل التي تتنقل بينهما في الظل. حركت قلمها فوق الورق بشرود، ثم وقعت عيناها على مجموعة رسائل موضوعة فوق المنضدة الجانبية. كانت مختومة بعناية بالشمع الأحمر و تحمل أختاماً أنيقة تدل على أصحاب نفوذ و مكانة. توقفت للحظة. و بهدوء شديد، وكأن الأمر لا يعنيها، سألت: — ميس وعد... هل صحيح أن بعض الناس يستطيعون فتح الرسائل المختومة دون أن يلاحظ صاحبها؟ رفعت وعد رأسها عن الكتاب.— لماذا تسألين؟ هزت ليان كتفيها بلا مبالاة. — لا أعلم... تذكرت شيئاً من الحي القديم فقط. ابتسمت وعد بخفة.— فضولكِ لا ينتهي. ثم أضافت وعد و هي تعود بذاكرتها إلى الماضي: —
آخر تحديث: 2026-06-25
Chapter: الفصل ٩١تسللت ليان عبر البوابة الجانبية لقصر آشبورن بخطوات وئيدة، مستغلة عتمة بدايه الليل وصلت إلى غرفتها دون أن يلمحها أحد من الخدم غيرت ثيابها بسرعة، و نفضت غبار عاطفة ليلتها مع فارس من رأسها، لتستبدله بـصلابة امرأة قررت مواجهة أعدائها بذكاء و مكر لا يرحم . صعدت السلالم الكبرى متجهة مباشرة نحو الجناح الشرقي فتحت الباب بهدوء متهيب لتدخل ليان لتواجه فريدة الفاروق وتخبرها بنتيجة الرسال وجدت فريدة جالسة قرب النافذة تحتسي شايها . رفعت فريدة عينيها إليها فور دخولها، و كأنها كانت تنتظر عودتها منذ مدة. تقدمت ليان حتى وقفت أمامها و قالت: — سلّمت الرسالة للسيد فهد كما طلبتِ يا سيدتي. وضعت فريدة فنجانها جانباً و سألت مباشرة: — و هل رآكِ أحد؟ ترددت ليان لحظة، ثم قالت: — نعم... السيد فارس. تجمدت حركة فريدة.— ماذا؟ — صادف وجوده هناك. و رآني أتحدث مع السيد فهد. ضيقت فريدة عينيها. —كيف عرفتي انه راكي هل سألك؟ تنهدت ليان و كأنها تستعيد موقفاً مزعجاً. — نعم مع الاسف كاد يستجوبني بالكامل. ساد الصمت لثوانٍ. ثم سألت فريدة بحدة: — و ماذا أخبرته ؟ اياكي ان يكون لسانك زل امامه
آخر تحديث: 2026-06-25
Chapter: الفصل ٩٠جذبها فارس مره ثانيه لتعود الي احضانه و قال ليس الان مازال هناك وقت يمكننا ان نقضي بعض الوقت معا احمرت وجنتيها و انسحبت برقه من بين ذراعيه و قالت :- لا استطيع حقا ربما يوم اجازتي يمكننا قضاء وقت اطول اما الان يجب ان اذهب قامت ليان بسرعه حتي لا يعاود الكره و ارتدت ثياب الخدم على عجل، بينما يتاملها فارس بهدوء و علي وجهه نظره غامضه كانت تحاول عبثاً أن تُخفي الارتباك الذي ما زال يملأ صدرها بعد ما حدث بينها وبين فارس. كلما تذكرت قربه منها، شعرت بحرارة تتسلل إلى وجنتيها، فهزت رأسها بقوة و كأنها تطرد تلك الذكريات بعيداً قال فارس بهدوء :-انتظري سارتدي ملابسي و نذهب سويا . قالت ليان و ابتسامه صغيره تعلو وجهها :-حسنا لم تكن تريد ان تذهب معه شعرت ان كل نظره منه تستطيع اختراقها و معرفه الحقيقة لكنها وافقت مضطره رغم ذلك تحركت العربة عائدة بهما نحو قصر آشبورن، بينما بدأت خيوط الليل الاولي تشق السماء الباهتة. هذه المرة لم يكن الصمت بينهما خانقاً كما كان في طريق الذهاب لمنزلهم جلس فارس إلى جوار النافذة يراقب الطريق في هدوء، أما ليان فبقيت تراقبه من
آخر تحديث: 2026-06-25
Chapter: الفصل ٨٩انغلق الباب الخشبي الثقيل للمنزل و معه انقطع صخب العالم الخارجي تماماً. لم يمنحها فارس الكيلاني ثانية واحدة للاستيعاب؛ بل تحرك كالإعصار، و امتدت ذراعه القوية ليدفعها برفق حاسم نحو الحائط، ل تصبح محاصرة تماماً بين صلابة الجدار وجسده الشاهق الفارع الذي كان ينبض بالحرارة و الغضب المكتوم . رفع وجهها بيديه الحارقتين، و قبض على فكها النحيل ليجبرها على النظر في عاصفة سواد عينيه الصقريتين، ثم انطلق صوته الأجش ليخترق سكون المكان كالشفرة: — هل تخونيني يا ليان؟ انقبض قلبها برعب مباغت، لكن مكرها الأنثوي الفطري تحرك أسرع من خوفها، و قالت بسرعة و نبرة يملؤها الاندفاع الصادق: — لا.. أقسم لك لم يلمسني غيرك! روحي و جسدي لم يعرفا رجلاً سواك منذ الليلة الأولى تحرك فكه بصرامة، و عاد الجليد ليكسو ملامحه الحادة و قال بغضب: — لا تكذبي! لقد رآكِ أحد و أنتِ تتحدثين مع فهد، و قد أعطيتِه رسالة متبادلة في خفية أمام بوابات النادي أخبريني ما الذي يدور بينكِ و بينه خلف ظهري؟ نظرت في عمق عينيه المشتعلتين بالتملك و الغيرة و اتسعت عيناها و نظرت ببراءة متقنة، ثم ضمت شفتيها بدل
آخر تحديث: 2026-06-23
Chapter: الفصل ٨٨سارت ليان في طريق عودتها بخطى متسارعة، محاولة التملص من أثر اللزوجة التي تركتها كلمات فهد على مسمعها . كانت تلتفت يميناً و شمالاً، ينهشها القلق من أن يلمح غيابها أحد في قصر آشبورن او يراها سالم او جابر و فجأة، شق صمت الطريق الترابي صهيل خيول عنيف و وقع حوافر قاسية اندفعت عربة سوداء فارهة بسرعة جنونية لتتوقف بمحاذاتها تماماً، حارمة إياها من أي فرصة للمناورة أو الهرب. توقفت العربة، و تجمدت الدماء في عروق ليان و هي تنظر بقلق بالغ إلى الباب الذي انفتح بحدة مباغتة. اتسعت عيناها برعب و هي ترى فارس الكيلاني يجلس في الداخل. لم يكن فارس الذي تعرفه؛ كان وجهه كالجليد الصخري الصارم، خالياً من أي تعبير بشري، و عيناه الصقريتان القاتمتان تطلقان شرارات الموت لم ينطق بكلمة واحدة، بل اكتفى بالإشارة إليها بيديه حاسماً، آمراً إياها بالصعود فوراً. صعدت ليان بخطى واهنة، و جلست في المقعد المقابل له و جسدها ينتفض رغماً عنها؛ فقد رأت أن وجهه يحمل تعابير توحي بالقتل و الدمار، و مع ذلك كان يلتزم صمتاً مرعباً يخنق الأنفاس داخل جوف العربة. حاولت استجماع شتات مكرها الأنثو
آخر تحديث: 2026-06-23
Chapter: الفصل ٨٧دخل عوض إلى ردهات النادي الأرستقراطي الفسيح بخطوات راقصة و عينين تلتمعان بشغف النميمة المعتاد. كان النادي يعج بنبلاء المدينة و رجال مالها، لكن عوض لم يكن يهتم بكل تلك الوجوه؛ بل كان يبحث ب تلهف عن رفيقيه . جاب ببصره الزوايا المضاءة بالثريات الكريستالية حتى لمحهما أخيراً يجلسان في أحد الأركان المنعزلة بعيداً عن الصخب .كان فارس الكيلاني يجلس بكامل هيبته الطاغية، يرتدي معطفه الداكن و يضع ساقاً فوق الأخرى بجمود، و بجانبه صديقه المقرب رائد .تقدم عوض نحوهما بسرعة، و قبل أن يلقي تحية الصباح، انحنى على الطاولة ب إثارة مفرطة و قال بصوت خفيض:— لن تصدقوا ما رأيتُ للتو خارج البوابات! أمر لا يمكن أن يمر مرور الكرام !تنهد فارس ب ملل صامت، بينما أطلق رائد تنهيدة طويلة ممتزجة ب قلة حيلة؛ ف تقريباً عوض يأتي يومياً و يدخل عليهما بهذه الديباجة ذاتها، لينشر نميمته اليومية المعتادة داخل النادي حول فضائح النبلاء و الزيجات السرية نظر فارس إلى فنجان قهوته ب برود مذهل، و حرك فكه الصارم قائلاً بنبرة جافة:— هل اهتمامنا يوما بترهات الشوارع يا عوض، وفر حكاياتك ل شخص ي
آخر تحديث: 2026-06-23
Chapter: الفصل ١٦٣اليوم التالي للمعرض، جلست جيداء في ركن هادئ من أحد المقاهي المطلة على النيل. كانت تحاول التركيز في المخططات المفتوحة أمامها، لكن عقلها كان في مكان آخر تماماً. في المعرض عند عالية.. انتفض قلبها عندما سمعت الصوت المألوف: — أرجو ألا أكون تأخرت. رفعت رأسها. فوجدت عالية تقف أمامها بابتسامتها الدافئة نهضت جيداء فوراً.— لا أبداً. احتضنتها عالية بخفة و كأنهما تعرفان بعضهما منذ سنوات. ثم جلستا. وبدأت الأحاديث العادية أولاً. عن الفن والعمارة والسفر والكتب. وكانت المفاجأة أن الحديث انساب بينهما بسهولة مدهشة. كأن الحواجز تختفي وحدها. ضحكت عالية و هي ترتشف قهوتها: — الآن فهمت لماذا يقدرك ياسين كثيراً. رفعت جيداء حاجبها— يقدرني؟ — بالطبع. ابتسمت عالية بمكر. — هل تعلمين أن ياسين لا يصبر على الناس بسهولة؟ ضحكت جيداء رغماً عنها. — هذا صحيح. — أما أنتِ فقد تحملك منذ أشهر. — تحملني؟ — نعم. قالتها عالية بثقة. — وهذا في قاموس ياسين يعني إعجاباً كبيراً. احمر وجه جيداء قليلاً. فابتسمت عالية دون تعليق. ثم فجأة...هدأت ابتسامتها. و صارت تتأمل وجه جيداء بصمت. ذلك الصمت الغريب
آخر تحديث: 2026-06-24
Chapter: الفصل ١٦٢عادت عالية إلى القصر والوجوم يكسو ملامحها ؛ فرغم صخب النجاح الذي حققه معرضها الفني و التهاني التي لاحقتها من النخبة، إلا أن روحها بقيت عالقة في تلك الزاوية الهادئة عند مدخل القاعة. خلعت وشاحها الحريري الفاخر بوهن، و جلست في جناحها الخاص ترقب عتمة الحديقة الشاسعة عبر النوافذ الشاهقة، و هي تشعر بارتباك حاد ينهش هدوءها العاطفي.لم تكن قادرة على طرد صورة المهندسة جيداء من مخيلتها؛ فذلك اللقاء القصير نبش في صدرها مشاعر قديمة ظنت أن الأيام قد دثرتها بالرماد. كانت تفاصيل الفتاة الشابة تتردد في عقلها كصدى مستمر:حركة لف الشعر العفوية: تلك اللمسة الدقيقة التي رفعت بها جيداء خصلات شعرها وراء أذنها و بدأت بلف طرفها حول أصبعها بتوتر، كانت مطابقة تماماً لحركة طفلتها شهد الغائبه ضحكتها الدافئة: تلك الضحكة الخفيفة التي سكنت شفتيها عند حديثهما عن الفن، حملت نغمة مألوفة اخترقت جدران نسيانها. العينان الواسعتان: نظرات جيداء الصارمة، الثابتة و الممتلئة بالكبرياء المتمرد، كانت تحمل ذات ا العمق الذي لم تفارقه مخيلتها طوال تلك السنوات و في ساعة متأخرة من الليل
آخر تحديث: 2026-06-24
Chapter: ١٦١ساد صمت خانق و موحش داخل الصالون الخلفي للسيارة بعد ترجل جيداء. بقيت الأبواب مغلقة، بينما انطلقت المركبة مجدداً تشق عتمة الشوارع الشتوية ببطء. كان ياسين يجلس في مقعده كتمثال من رخام، عيناه معلقتان بزجاج النافذة الجانبية حيث تلاشت آثار طيفها الراحل وسط زحام المشاة. كانت أنفاسه المتلاحقة تدق بعنف في صدره، و فكه المشدود يكاد ينكسر من فرط الغيظ و الندم المكتوم.لقد خسر جسر الثقة الأخير معها. مهلة اليومين التي فرضتها بعنادها المتمرد لم تكن مجرد وقت عابر، بل كانت حبلاً يلتف حول عنقه رغماً عن كل محاولاته المستميتة لإبقائها بعيدة عن ظلام الحكاية. قطع هذا السكون المطبق رنين هاتفه الشخصي. كانت نغمات الهاتف الحادة تصرخ في عتمة السيارة لتعلن عن اتصال لم يكن يحتاج لرؤية الشاشة ليعرف صاحبه زفر بقوه ثم سحب الهاتف بآلية، و تصلبت ملامحه الصارمة بالكامل فور أن لمع الرقم المجهول على الشاشة المضاءة. ضغط على زر الإجابة، و وضع الهاتف على أذنه دون أن يلقي تحية الصباح، بل بادر بنبرة جليدية، قاطعة، و جافة: — ماذا تريد؟جاءه الصوت من الطرف الآخر بارداً، متهك
آخر تحديث: 2026-06-23
Chapter: الفصل ١٦٠انغلق باب السيارة الفاخرة بعنف ليحجب عنهما صخب قاعة العرض و أضواء الصحافة، لكنه حبس في الداخل عاصفة من نوع آخر. انطلقت السيارة تشق الشوارع المزدحمة، بينما ساد صالون السيارة الخلفي دفء خانق و ثقيل. كان ياسين يستند برأسه على المقعد الجلدي، و عيناه مغلقتان و فكه مشدود بقوة تفضح كم الذعر و الغضب المكتوم الذي يعتمل في صدره بعد اللقاء المرعب مع والده سعد. أما جيداء، فكانت تجلس بجسد متصلب، و أنفاسها المتلاحقة تضرب زجاج النافذة البارد. لم يعد كبرياءها المتمرد يحتمل هذه اللعبة الممزقة؛ فرؤية والدتها عالية، و النظرات النارية التي تبادلها ياسين مع والده، كلها تفاصيل أكدت لها أنها تقف في منتصف حقل من الألغام الموقوتة. التفتت نحو ياسين فجأة، و عيناها تشتعلان بغضب حقيقي و جارف، و قالت بصوت منخفض لكنه حاد كالسكين: — افتح عينيك و انظر إليّ يا ياسين.. انتهى وقت الصمت و الألغاز. أريد أن تخبرني بكل شيء الآن. الحكاية كاملة، دون نقصان، و دون شروطك السخيفة. لم يفتح ياسين عينيه فوراً، بل أخذ زفيراً حاراً و مريرًا، و قال بنبرته الرخيمة المجهدة التي حاولت التمسك
آخر تحديث: 2026-06-23
Chapter: الفصل ١٥٩نظر سعد الفاروق إلى جيداء، و ارتسمت على وجهه ابتسامة غامضة و هادئة لم تصل إلى عينيه الحادتين، ثم قال بنبرة رصينة: — ربما الآنسة جيداء ترغب في تناول الغداء معنا في القصر بعد انتهاء المعرض .أشرق وجه عالية بالسعادة فور سماع اقتراح زوجها، و ضغطت على يد جيداء بلطف قائلة بلهجة حنونة: — فكرة رائعة يا سعد! أرجوكِ يا جيداء، اقبلي دعوتنا و لا ترفضي، سأكون سعيدة جداً بجلوسكِ معنا .و قبل أن تفتح جيداء شفتيها لترد، قال ياسين بنبرة جافة، قاطعة، و جليدية كشفت حقيقة رفضه المطلق — لا.. ليس لدينا وقت لأي غداء اليوم، لدينا ارتباطات عمل عاجلة. التفت سعد نحو ابنه، و ضاقت عيناه ببرود مستبد، و قاطعه بحدة لاذعة: — لم يوجه إليك أحد الدعوة يا ياسين، أنا أتحدث مع الآنسة جيداء و أظنها تملك حق القرار بمفردها. لم يتراجع ياسين خطوة واحدة؛ بل تقدم لتلتقي نظراته بنظرات والده النارية مجدداً، ورد بنبرته الرخيمة المليئة بالتحدي و السم المغطى بالبرود: — قراري و قرارها واحد يا سيد سعد، و أنت تعلم تماماً أن ارتباطات مشروعي الجديد لا تنتظر فراغ طاولاتكم. و قبل أن تشتعل الأجواء
آخر تحديث: 2026-06-22
Chapter: الفصل ١٥٨سارت جيداء بجانب ياسين في ردهات المعرض الكبرى، و كان صخب أضواء الفلاش الصادرة من كاميرات الصحافة يملأ الأركان، بينما كانت تتابع اللوحات الفنية بذهول صامت يحاول استيعاب حقيقة أن ملامح هذه الفنون تنتمي لوالدتها عالية. كان ياسين يسير بجانبها ببروده المعتاد و قامته الممشوقة، و عيناه ترصدان الحاضرين بدقة و حذر شديدين.و فجأة، قطعت خطاهما قامة رجل خمسيني قوي البنية، يرتدي بدلة فاخرة، و تشع من ملامحه القاسية هيبة طاغية مشوبة بمكر خفي. وقف الرجل أمام ياسين مباشرة، و عيناه تضيقان بخبث و هو يقول بنبرة حادة و باردة:— إذن، الابن العاق ما زال حياً؟تلقائياً، و دون تفكير، تحركت يد ياسين لتلتف حول كتف جيداء بلطف حانٍ و جارف، كأنه يفرض حولها حائط حماية صلب من مجرد نظرات هذا الرجل. التفت ياسين إليه، و ارتسمت على شفتيه ابتسامته الساخرة و المتهكمة المعهودة، و رد بنبرته الرخيمة المتكاسلة:— الحياه كانت قاسية و مجحفة معي جداً يا سيد سعد.. لدرجة أنها قررت أن تمنحني أباً مثلك، لكن مع ذلك، كما ترى.. أنا متمسك بهذه الحياة رغماً عن سوء حظي في جينات العائلة.تصلب جسد جيداء، و ولدت في صدرها حيرة
آخر تحديث: 2026-06-22