LOGINأنا أقف تماماً في الزاوية التي حددوها لي بكل قسوة.." لطالما اعتقدت دائماً وآمنت في أعماقي أن الفوضى هي أصل كل الأشياء، ومن ركامها وحده يُعاد ترتيب العالم المائل . نعم.. أنا فريدة الشناوى.. ومن دون أي شعور بالذنب، من تسببت بهذا الخراب الشامل في حفل خطوبة أختي غير الشقيقه ! أرجوكم لا تحكموا عليّ سريعاً بالقسوة أو الشر. ربما يجب أن أحكي لكم الحكاية من البداية.. .اممم. ولكن، أي بداية يمكن أن أبدأ بها في متاهة كهذه؟ فالوفاء والخيانة، الحب الطاهر والغدر الخسيس، كلها تدور في فلك واحد غامض . البداية ما هي إلا نقطة من نقاط الدائرة اللانهائية، وجميع نقاط الدائرة تصلح لأن تكون بداية للوجع. حسنا.. حسناً، سأبدأ معكم من ذلك اليوم الذي تلاشت فيه غشاوة المغفلة الساذجه عن عينيّ، ورأيت الأمور على حقيقتها العارية. ذلك اليوم الذي قررت فيه صراح ألا أكتفي بدفع الثمن، وألا ألعب دور "سندريلا " الضحية في هذه الحكاية البائسة. لن أنتظر مجدداً في الزاوية الباكية المظلمة حتى يأتي أميري على حصانه الأبيض ليحقق العدالة لي، أو ينصفني من ظلم ذوي القربى الذين باعوني بلا ثمن.ها أنا ذا اليوم.. أقف بكبرياء في ذات الزاوية التي أرادوا نفيي إليها وسجني في عتمتها، لكنني لا أبكي ولا أستجدي عطفاً.. بل أحقق عدالتي بيدي!
View Moreالقاعة التي كانت منذ دقائق تفوح بعطر
الورد الفاخر، تحولت الآن إلى ساحة حرب مصغرة تعمها الفوضى المطلقة. أصوات الصراخ الحادة تمزق بقايا الموسيقى الكلاسيكية التي توقفت فجأة مخلفة طنيناً موحشاً ، الكؤوس الكريستالية المهشمة تتناثر شظاياها اللامعة كقطع ألماس رخيصة على الأرضية الرخامية الباردة، ونظرات الحاضرين المتصلبة تتأرجح بين صدمة عارمة شلت الألسن، وشماتة حاقدة يداريها البعض خلف الأيدي المرفوعة على الأفواه بداعي القلق المصطنع. وسط هذه المعمعة والصدمة الجماعية، كانت هناك شجارات جانبية صاخبة قد نشبت بالفعل بين أقارب العائلتين ، وجلبة عارمة لا تهدأ تكبر ككرة ثلج. وحدي كنت أقف هناك. في تلك الزاوية البعيدة، المنعزلة، المظلمة نوعاً ما، بعيداً عن الأضواء الكاشفة التي كانت مسلطة عليّ لأيام . بثبات شديد لا يتزعزع، وبرود جليدي لا يليق أبداً بحجم الكارثة المحيطة بي ، وسلام داخلي عميق لم أختبر طعمه منذ سنوات طويله ، كنت أراقب المشهد المتهاوي أمام ناظريّ. ارتسمت على شفتيّ ابتسامة هادئة، دافئة، وربما ممتلئة بسعادة حقيقية ونصر عزيز لم يستوعبه أحد ممن رمقوني بنظرات الشفقة والازدراء في عيونهم قبل قليل قلت في نفسي، وأنا أراقب جيلان وهي تنهار ببكائها الهستيري وتمزق فستان خطوبتها المخملي ، وأمجد الذي تآكلت هيبته الزائفة بالكامل أمام الجميع وتحول كبرياؤه إلى غبار: "أنا أقف تماماً في الزاوية التي حددوها لي بكل قسوة.." لطالما اعتقدت دائماً وآمنت في أعماقي أن الفوضى هي أصل كل الأشياء، ومن ركامها وحده يُعاد ترتيب العالم المائل . نعم.. أنا فريدة الشناوى.. ومن دون أي شعور بالذنب، من تسببت بهذا الخراب الشامل في حفل خطوبة أختي غير الشقيقه ! أرجوكم لا تحكموا عليّ سريعاً بالقسوة أو الشر. ربما يجب أن أحكي لكم الحكاية من البداية.. .اممم. ولكن، أي بداية يمكن أن أبدأ بها في متاهة كهذه؟ فالوفاء والخيانة، الحب الطاهر والغدر الخسيس، كلها تدور في فلك واحد غامض . البداية ما هي إلا نقطة من نقاط الدائرة اللانهائية، وجميع نقاط الدائرة تصلح لأن تكون بداية للوجع. حسنا.. حسناً، سأبدأ معكم من ذلك اليوم الذي تلاشت فيه غشاوة المغفلة الساذجه عن عينيّ، ورأيت الأمور على حقيقتها العارية. ذلك اليوم الذي قررت فيه صراحة ألا أكتفي بدفع الثمن، وألا ألعب دور "سندريلا " الضحية في هذه الحكاية البائسة. لن أنتظر مجدداً في الزاوية الباكية المظلمة حتى يأتي أميري على حصانه الأبيض ليحقق العدالة لي، أو ينصفني من ظلم ذوي القربى الذين باعوني بلا ثمن.ها أنا ذا اليوم.. أقف بكبرياء في ذات الزاوية التي أرادوا نفيي إليها وسجني في عتمتها، لكنني لا أبكي ولا أستجدي عطفاً.. بل أحقق عدالتي بيدي! نظرتُ بثقة إلى الوشاح الأسود الصغير في يدي، ، ثم رفعت بصري إلى شاشة العرض الكبرى في منتصف القاعة و التي كانت منذ قليل تعرض صوراً "رومانسية" ل جيلان و أمجد مليئة بالوعود الكاذبة، قبل أن تتحول إلى مسرح الفضيحة الأكبر والأكثر تدميراً في تاريخ العائلتين. التقت عينا أمجد بعينيّ يتوسل وسط تلك الفوضى العارمة، كان يدور حول نفسه ويبحث يائساً عن طوق نجاة أو مخرج يحفظ ماء وجهه ، لكنه لم يجد في نظراتي الثابتة سوى الرماد البارد الذي خلفه حريقي الإنتقامي. التفتُّ بهدوء وثقة،و اتسعت ابتسامتي ثم عدّلتُ من وضع فستاني الأسود الراقي ، ومشيتُ بخطوات واثقة، متزنة، غادرت بها القاعة ، تاركة خلفي النيران المستعرة تأكل كل شيء بنهم.. خرجت وانا مستعد تماماً وبكل جوارحي للخطوة التالية. الي كل من اثرت انتباهه ربما ترحل معي الي ذلك اليومبعد تلك السهرة العاصفة بالمشاعر المكسورة والأوهام ، لم تذق فريدة طعم النوم طوال ليلتها الماضية. سهرت حتى مطلع الفجر منغمسة بالكامل في رسوماتها وتفاصيل فستان المسابقة الكبرى لدار زينيث، صابّة كل غضبها وقهرها الداخلي في خطوط التصاميم حتى انتهت منها بالكامل. كانت يدها تتحرك فوق الأوراق بلا توقف، وكلما شعرت بأن الألم يثقل صدرها، أضافت لمسة جديدة إلى التصميم، وكأنها تحاول تحويل كل ما تعجز عن قوله إلى تفاصيل قماشية دقيقة. ومع مرور الساعات، تحولت مشاعرها المضطربة إلى تركيز حاد. لم تعد تفكر في حافظ أو جيلان ، ولا في الكلماتكاظم التي جرحتها ، بل وضعت أمامها هدفاً واحداً: أن تثبت لنفسها قبل أي شخص آخر أنها قادرة على النهوض مهما كانت الضربة قاسية. وقبل خروجها من الفيلا في الصباح، قامت بإرسال الملفات والرسومات النهائية إلى أدهم منصور عبر البريد الإلكتروني. بمجرد دخولها إلى مكتبها ا في مبنى شركة الشناوي ، رن هاتفها المحمول، ليتصل بها أدهم فوراً وهو يتنفس بحماس شديد قائلاً: "فريدة! تلك التصاميم التي أرسلتِها لي في الصباح عظيمة ومبهرة حقاً! لقد قمتُ برفعها وإرسا
في صباح اليوم التالي ، خرجت فريدة من غرفتها بملامح جامدة كالملائكة الحزينة. لم تنظر نحو جناح كاظم، بل هبطت السلم وتوجهت مباشرة إلى السيارة حيث كان البروفيسور شادي علام بانتظارها خارج الفيلا. ركبت السيارة في صمت مطبق، وحاول شادي الحديث معها بلهجة عملية ، لكنها كانت تكتفي بالإيماء برأسها، وعيناها تراقبان الطريق ببرود يعكس انكسار ثقتها بالأمس. كانت كلمات كاظم لا تزال عالقة في ذهنها رغم محاولتها دفعها بعيداً. كلما تذكرت طريقته وهو يتحدث عن زواجهما باعتباره مصلحة وصفقة، شعرت بشيء مؤلم ينغرس في صدرها. لم تكن غاضبة منه وحده، بل من نفسها أيضاً لأنها سمحت للحظة واحدة بأن تصدق أن العلاقة بينهما ربما بدأت تتحول إلى شيء مختلف. لذلك اختارت الصمت؛ كان أسهل من أن تضطر إلى الاعتراف بما يدور داخلها. وصلت السيارة الفاخرة إلى مقر شركة الشناوي ، ونزلت فريدة تتبعها خطوات شادي الثابتة نحو مكتب الإدارة الرئيسي. وفور دخولها، وجدوا السيد عارف، المسؤول المالي يجلس خلف جهاز الكمبيوتر والوجوم الشديد يكسو وجهه ، وحوله عاصفة من الأوراق المبعثرة والتقارير الحسابية ال
استأذنت فريدة من الحاضرين بلطف للدخول إلى الحمام لكي تستجمع شتات نفسها وتلتقط أنفاسها بعيداً عن حصار كاظم الدافئ. دلفت إلى الداخل، وأغلقت الباب خلفها بعناية ، ثم نظرت مباشرة إلى انعكاس صورتها في المرآة الكبيرة؛ تأملت احمرار وجنتيها الطاغي بفعل مشاعرها الجارفة ونبضات قلبها التي لم تهدأ منذ أن جلس بجانبها، وقالت لنفسها بنبرة هامسة وخافتة: "اهدئي يا فريدة قليلاً.. تماسكِي ، فوجهكِ وعيناكِ يكادان يكشفان كل تفاصيل تأثركِ الشديد بكل لمسة حانية وهمسة دافئة منه أمام أصدقائه المقربين، لا تبدي كالمراهقة المستسلمة!"صمتت لثوانٍ، وتأملت فستانها المخملي النيلي، ثم عادت الابتسامة لتشرق على وجهها وعقلها ينسج أحلاماً وردية متزايدة، وتابعت تحدّث نفسها: "ولِمَ لا؟ لِمَ الخوف والتردد مجدداً ؟ ربما حان الوقت لأبادر أنا بالاعتراف بإعجابي الشديد به . سأفعل ذلك فوراً دون تردد عندما نعود الليلة إلى الفيلا ونكون بمفردنا ، فهو أيضاً يبادلني نفس الاهتمام والرعاية، ولم يترك يدي للحظة واحدة طوال الجولة." خرجت فريدة من الحمام بخطوات خفيفة ، وقبل أن تدفع باب الغرفة ال
حاولت فريدة أن تفهم قواعد اللعبة من خلال مراقبة الآخرين ، لكنها كلما اعتقدت أنها فهمت شيئاً ، وجدت نفسها أمام بطاقة جديدة تجعلها تعيد التفكير من البداية. كانت تحاول التركيز بكل ما لديها ، إلا أن كثرة الأوراق وتشابك القواعد جعلتها تشعر بأنها الوحيدة التي لا تعرف ما يحدث حولها. على الجانب الآخر من الطاولة، زفر كريم بضيق مصطنع ونفاد صبر فكاهي، ورمى برأسه إلى الخلف متمتماً : "يا فريدة.. أرجوكِ ! نحن نلعب منذ ساعة كاملة ولم ننهِ الجولة الأولى بعد ! هل تدرسين كروتكِ هذه بعمق أم تخططين لمستقبل البشرية ؟ ارمي أي ورقة ودعينا ننتهي !" احمرّت وجنتا فريدة خجلاً شديداً ، وازدادت كروتها ارتباكاً وتداخلاً في يدها الصغيرة. وقبل أن تخرج منها أي كلمة اعتذار للحاضرين ، شعرت بظل دافئ وضخم يقترب منها ؛ تحرك كاظم بمقعده ليصبح ملاصقاً لها تماماً حتى تلامست كتفاهما. شعر كاظم بقلة حيلتها وارتباكها ، فابتسم ابتسامة هادئة وحنونة سرعان ما بددت كل توترها وخوفها. انحنى كاظم نحوها برقة ، واقترب وجهه من كتفها وعنقها وهو ينظر بتركيز إلى الأوراق التي تمسك بها. كانت أنفاسه القريب






reviewsMore