Chapter: الفصل 18غلى المرجلُ في صدر صهيب، وتوقدت عيناه ببريقٍ مخيف أربك الحاضرين. لم ينطق ببنت شفة رداً على إهانتها العلنية، بل كانت أفعاله أسبق من أي بيان. وبحركةٍ مباغتة اتسمت بالعنفوان والتملّك الطاغي، أحكم قبضته على خصرها حتى التصقت بجسده التصاقاً لم يترك للنسمةِ ممرّاً، ثم انحنى على عنقها أمام الملأ، ودَفن وجهه في منحرها مستنشقاً شذاها بعمقٍ لاهث، قبل أن يهمس بنبرةٍ فحيحية بلغت مسامع "ياسين" و"بدر":— "تحدثي عن الرفض كما شئتِ أمام الغرباء يا سيليا.. لكن جسدكِ هذا، الذي لا يزال يرتجفُ تحت سطوة أنفاسي، يعلمُ يقيناً من هو سيده الوحيد."انتفضت سيليا وحاولت التملص بشتى السبل، لكنه كان كالسيل العارم الذي لا يُصد. رفع رأسه ورمق ياسين بنظرةٍ احتقارية، ثم وجّه بصره نحو بدر الشافعي الذي كان يتقدم بخطىً حثيثة لنجدتها، وقال بصوتٍ رخيمٍ يقطر ثقة:— "أعتذرُ لرفاقِ الصبا، لكن ليلة زوجتي معي لم تكتمل فصولها بعد.. وثمة شؤونٌ "خاصة" جداً لا تقبل التأجيل."وبلا أدنى اعتبار لذهول الأصدقاء أو غيظ "لينا" التي كادت تتميز من الكمد، سحبها من وسط الحشد بقوةٍ لا تُقاوم. كان يقودها نحو الخارج كعاصفةٍ تجرّ خلفها حطاماً، بينم
Huling Na-update: 2026-03-17
Chapter: الفصل ال17خيّم صمتٌ سرمديٌّ على ردهات القصر، وكأنّ الكلمات التي قذفتها سيليا كانت صواعق مباغتة جمدت الدماء في العروق. ظلّ صهيب شاخصاً ببصره نحوها، وعيناه تضيقان كأفقٍ يشتعلُ بنارٍ مكتومة، بينما كان يمزق أوراق الدعوى ببطءٍ متعمد، نثراً لكرامتها أمام كبريائه.حين اقترب منها وجذبها إليه بتلك القوة المشوبة بلمحةِ ندمٍ زائفة، هامساً بعرضه الذي ظنّه ترياقاً لرحيلها، رفعت سيليا مقلتيها نحوه، ولم تكن فيهما ذرةٌ من لِين، بل نظرةٌ نافذة مزقت أقنعته، وقالت بنبرةٍ رخيمة مستقرة:— "أنت لا تحترقُ وجداً بي يا صهيب.. بل أنت تصطلي بنارِ كبريائك الجريح، وتتلوى تحت وطأة الرفضِ الذي لم تعهده قط. ما يؤلمك الآن ليس فقدي، بل غياب شعورك بالهيمنة على امرأةٍ كانت يوماً ظلاً يقتفي أثرك. أنت لا تضحي بالمناقصةِ أو بـ "لينا" لأجلي، بل تفعل ذلك لتستردّ سيادتك التي تهاوت. الكبرياء الذي يسكنك لا يعرفُ كُنه الحب، بل يعرفُ شهوة التملك.. وأنا لم أعد ممتلكاً يُساق في ركابك."تصلبت أوداجه، واشتدت قبضته على ذراعها حتى كادت نواجذه تصطك، لكنه التزم الصمت المرير، فتابعت وهي تنزع يدها منه برفقٍ حازم:— "احتفظ بوعودك لمن ترتضيها، أما أنا
Huling Na-update: 2026-03-17
Chapter: الفصل 16ساد صمتٌ واجمٌ أطبق على أنفاس القصر، وكأن جدرانه العتيقة قد صُدمت بجرأة الكلمة التي ألقتها سيليا. ظل صهيب شاخصاً ببصره نحوها، وعيناه تضيقان كغابةٍ تشتعل في صمت، بينما كانت دقات قلبه تتسارع خلف قناع الجمود الذي يرتديه.خطا صهيب نحوها خطوةً واحدة، كانت ثقيلةً كوقع القدر، وانخفض صوته لدرجةٍ جعلت شعيرات جسدها تقشعر:— "الطلاق؟ أبلغَ بكِ الوهمُ هذا الحد يا سيليا؟ أتظنين أن الخروج من مملكني بيسيرٍ كخروجكِ من قاعة المناقصات؟"رفعت سيليا ذقنها بشموخٍ، ولم تتردد نبرتها وهي تجيبه:— "لم يعد وهماً يا صهيب، بل صار ضرورةً للبقاء. لقد استنفدتَ كل رصيدكِ من الصبر في قلبي، ولم يعد هناك ما يستحق القتال لأجله. غداً، ستبدأ الأوراق في الحديث عوضاً عن المشاعر التي وأدتَها ببرودك."ضحك صهيب ضحكةً مكتومة، تحمل مرارة الخيبة وقسوة الكبرياء، ثم اقترب منها حتى لم يعد يفصلهما سوى أنفاسهما المضطربة، وهمس بفحيحٍ يقطر وعيداً:— "أوراقكِ تلك ستمزقها الرياح قبل أن تصل إلى عتبة المحكمة. هل غاب عن ذهنكِ من هو صهيب الجارحي؟ أنا لا أُترك، ولا أُهجر، ولا يُملى عليّ قرارٌ لم أخطّه بيميني. إن كنتِ تظنين أن الشافعي سيحمي ظهر
Huling Na-update: 2026-03-17
Chapter: الفصل 15أطبقت سيليا جفونها لثانية واحدة، استجمعت فيها شتات قوتها ورممت ثباتها الانفعالي، ثم فتحت عينيها ببرود صقيعي، مقررةً تجاهل وجود صهيب تماماً وكأنه لم يكن حياً يُرزق في ذلك المدى. استمرت في مشاركة موظفيها أحاديثهم وضحكاتهم بنبرة واثقة، في حين كانت ترصد بطرف خفيّ ما تقترفه "لينا" من حماقات.تعمدت لينا الالتصاق بصهيب حتى انعدمت المسافة بينهما، ثم أخرجت هاتفها ودسّت رأسها على كتفه بدلالٍ مستفز لتلتقط صورة معه. لم يبدِ صهيب أي ممانعة، بل ظل ساكناً كتمثال رخامي، يشاركها اللحظة بجمودٍ تام وتملكٍ أثار لوعتها المكبوتة. ابتلعت سيليا غصتها، ولم تسمح لخلجة واحدة أن تظهر على وجهها، بل التفتت نحو بدر الذي مال نحو أذنها ليهمس لها بكلمة أثارت ضحكاتها، فابتسمت بخجلٍ مباغت زاد من اشتعال الأجواء خلف الطاولة المقابلة.بعد فترة، استأذنت سيليا للذهاب إلى "ردهة الزينة" لتعديل مظهرها. وما إن دلفت وأغلقت الباب حتى شعرت بحركة مباغتة خلفها؛ كان صهيب قد انسلّ وراءها، وبحركة خاطفة أدار القفل، وحشرها بين جسده الصلب ورخام الردهة البارد.سألها بجمودٍ يحمل نذير الخطر:— "ماذا كان يهمس في أذنكِ ذلك الشافعي؟ وما سر هذه ا
Huling Na-update: 2026-03-17
Chapter: الفصل 14أشرقت شمس اليوم التالي محملة بتوتر يسري في عروق المدينة. وقفت سيليا أمام مرآتها، مرتدية بدلة رسمية باللون الأبيض الناصع؛ ذلك اللون الذي يعكس النقاء والصلابة في آن واحد. لم تعد "زوجة الجارحي" المنزوية خلف المكاتب، بل "سيليا العمري" التي استردت هويتها المسلوبة.وصلت إلى مقر شركة بدر الشافعي، حيث كان الاستقبال مهيباً يليق بمقامها. كان بدر بانتظارها عند المدخل، والبشر يرتسم على محياه:— "اليوم هو يومكِ يا سيليا.. قاعة المناقصات بانتظار العقل المدبر الذي سيقلب موازين السوق."— "لن ننتظر طويلاً يا بدر، الملفات جاهزة، وخطتي القانونية لا تشوبها شائبة، ولن أترك ثغرة واحدة لخصمي ليتسلل منها."في قاعة المناقصات: صِراعُ الجبابرةدلفت سيليا وبدر إلى القاعة، ليفاجآ بمشهد صُمم بعناية فائقة لاستفزازها. من الباب المقابل، دخل صهيب بكامل هيبته الطاغية، ولم يكن وحده؛ كانت لينا تتأبط ذراعه بمنتهى الكبرياء والخيلاء، توزع نظرات الخبث يميناً ويساراً، وكأنها ترسل رسالة صامتة لسيليا: "لقد أخذتُ مكانكِ بجانبه، وأنتِ الآن مجرد خصم منبوذ".صهيب ببدلته السوداء المعتادة بدا ككتلة من الجليد الصخري، لكن عينيه كانتا ت
Huling Na-update: 2026-03-17
Chapter: الفصل 13دخلت سيليا إلى بهو القصر بخطوات متزنة، وصوت كعب حذائها يرتطم بالرخام في إيقاع هادئ ومنتظم، بينما ترجل صهيب من سيارته وأغلق الباب خلفه بقوة لم تخلُ من العصبية المكتومة. سار خلفها حتى دلفا إلى الداخل، حيث كانت أضواء القصر الخافتة تضفي صمتاً مهيباً على المكان.توقفت سيليا عند أول درجات السلم، والتفتت إليه بهدوء غريب، وكأن تلك العاصفة التي كانت تدور في السيارة قد تلاشت بمجرد عبورها عتبة الدار.— "ليلة سعيدة يا صهيب. شكراً على توصيلك."ضاقت عينا صهيب وهو يراقب برودها المستفز، فخطا نحوها عدة خطوات حتى صار يقف أمامها مباشرة، ونظر إليها مطولاً قبل أن يتحدث بصوت منخفض سكنت فيه كل انفعالاته الحادة.— "بهذه البساطة يا سيليا؟ تنهين الحديث بكلمة "ليلة سعيدة" وكأننا لم نكن منذ دقائق نتحدث عن حرب ستغير موازين عائلة الجارحي؟"سندت سيليا يدها على حافة الدرج الخشبي، ونظرت إليه بعينين يملؤهما الثبات.— "وماذا تريد مني أن أقول؟ لقد وضعتَ أنت القواعد يا صهيب.. قلت إننا خصوم في العمل، وأنا قبلت التحدي. أما هنا، في هذا البيت، فنحن مجرد شخصين يجمعهما سقف واحد واحترام لذكرى عائلة.. أليس هذا ما كنت تريده دائما
Huling Na-update: 2026-03-13