Home / الخيال الغربي / The First Shadow Master / الفصل الرابع: العين المغمضة

Share

الفصل الرابع: العين المغمضة

last update publish date: 2026-10-20 21:26:52

كانت الساعة التاسعة وخمسًا وثلاثين دقيقة مساءً حين جلس ليو طويلًا أمام المظروف قبل أن يحرّك إصبعًا واحدًا نحوه.

لم يكن ذلك تردّدًا من النوع الذي عرفه قبل أسبوع، التردّد المولود من الخوف من الخسارة. كان شيئًا مختلفًا تمامًا: نوعًا من الحذر البارد، شبيهًا بما يشعر به صيّادٌ يرى فخًّا منصوبًا بعنايةٍ شديدة تجعله يشكّ في أن الطُّعم نفسه قد يكون أخطر مما يبدو. نظر إلى الشمعة المشتعلة على الطاولة، ثم إلى الختم الأسود، ثم إلى يديه الممدودتين بلا حراكٍ في الهواء البارد.

فكّر: من يعرف اسمه؟ من يعرف أنه وقف عند تلك النافذة قبل قليل، يسأل نفسه سؤالًا لم ينطق به بصوتٍ عالٍ قط؟

لم يكن هناك جوابٌ منطقي. وهذا بالضبط ما أقلقه أكثر من أي تهديدٍ مباشر كان يمكن أن يحمله المظروف.

أخذ نفسًا طويلًا وكسر الشمع بإصبعه.

لم تكن في داخل المظروف رسالةٌ طويلة كما توقّع، بل ورقةٌ واحدة فقط، سميكة وناعمة الملمس على نحوٍ غير مألوف، كأنها صُنعت من مادةٍ غير الورق العادي الذي اعتاده في دفاتر حساباته. وفي وسطها، بخطّ يدٍ أنيق متقَن، كانت هناك كلماتٌ قليلة فقط:

«الاسم الذي تبحث عنه لن يُمنح لك. إنه يُصنع. وصناعته تبدأ من معرفة من يقف خلف سقوطك، لا إدموند فايس وحده، بل من حرّكه.

إن أردتَ أن تعرف، فكن عند ميناء الشحن الشمالي، عند ناقوس الساعة الثالثة بعد منتصف الليل، ليلة الجمعة. تعالَ وحدك، ولا تخبر أحدًا.

وتذكّر: من كتب هذه الرسالة لا يطلب ثقتك، وإنما يطلب فضولك فقط.»

لم يكن هناك توقيع. لا اسم، ولا رمزٌ آخر غير العين المغمضة المطبوعة في الشمع الذي كسره للتو.

أعاد ليو قراءة الرسالة ببطء، كلمةً كلمة، كأنه يحاول أن يستخرج من بين السطور شيئًا أكثر مما هو مكتوب فعلًا. «لا إدموند فايس وحده، بل من حرّكه». استقرّت الجملة في ذهنه كحجرٍ ثقيل. لم يخطر بباله حتى تلك اللحظة أن إدموند، بكل ما أظهره من ثقةٍ في تلك الليلة، ربما لم يكن سوى أداةٍ في يد شخصٍ آخر.

نظر إلى الشمعة وهي تذوب ببطء، ولمعان اللهب يتراقص على الجدار الرطب خلفه. كان الصمت في الغرفة ثقيلًا إلى حدّ أنه يسمع دقّات قلبه، وتكتكة الساعة المعلّقة التي ورثها عن والده تواصل إيقاعها غير المبالي.

ميناء الشحن الشمالي. كان يعرفه جيدًا. زاره عشرات المرات خلال السنوات الثلاث، يفاوض على شحنات الفولاذ ويراقب السفن وهي ترسو وترحل. لكنه لم يتخيّل يومًا أنه سيعود إليه بحثًا عن إجابات على هذا النحو، وسط الظلام، من دون أن يعرف من ينتظره هناك أو لماذا.

فكّر في رفض الدعوة. فكّر في تمزيق الورقة وإحراقها مع ما تبقّى من حياته القديمة، والبحث عن طريقةٍ أخرى أبسط وأقل غموضًا لاستعادة ما خسره.

لكن سؤالًا واحدًا ظلّ يتردّد في ذهنه، أعمق من كل حذر: من حرّكه؟

إن كانت هناك يدٌ خفية وراء خيانة إدموند، فهذا يعني أن سقوطه لم يكن مجرد خيانة شخصٍ واحد، بل خطوةً أولى في لعبةٍ أكبر بكثير مما تخيّل، لعبةٍ ربما ما زالت تلعب به حتى هذه اللحظة، من دون أن يعرف قواعدها ولا لاعبيها.

وضع الورقة على الطاولة، بجانب الصندوق المعدني الذي يحمل آخر أثرٍ من حياته القديمة، ونظر إلى النافذة حيث استمرّ المطر يتساقط بلا توقف على أوستفال النائمة.

ليلة الجمعة لم تكن بعيدة. ثلاثة أيامٍ فقط.

ثلاثة أيامٍ ليقرّر إن كان سيمشي نحو ما تبقّى من حياته بحذر رجلٍ سبق أن احترق، أم نحو المجهول بشجاعة رجلٍ لم يعد لديه ما يخسره.

[نهاية الفصل الرابع]

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • The First Shadow Master   الفصل الخامس عشر: عيون لا تكذب

    عند الساعة السادسة وعشر دقائق مساءً من اليوم التالي، وجد ليو فيكتور قد أعدّ شيئًا مختلفًا كليًّا عن المعتاد: ثلاث صورٍ مرسومة بدقةٍ لوجوهٍ مختلفة، موضوعة جنبًا إلى جنب على الطاولة الخشبية.«قبل أن أعلّمك كيف تميّز من يحمل قوة،» بدأ فيكتور، «عليك أن تفهم أولًا لماذا هذا صعبٌ جدًّا على أغلب الناس. القوة يا سيد ليو لا تُكتب على الوجه كندبةٍ أو وشم. لكنها تترك أثرًا أدقّ بكثير لمن يعرف أين ينظر.»أشار إلى الصورة الأولى: وجه رجلٍ عادي الملامح بعينين هادئتين. «انظر إلى هذا الوجه جيدًا. ماذا ترى؟»«رجلٌ عادي. لا شيء مميّز.»«بالضبط ما يُفترض أن تراه. والآن...» أخرج فيكتور صورةً ثانية تبدو مطابقةً تمامًا للأولى من حيث الملامح العامة، لكن بتفصيلٍ دقيق مختلف في العينين: بريقٌ خفيف جدًّا يكاد لا يُلاحَظ. «هذا الوجه نفسه، لرجلٍ آخر، بعد أن ابتلع حجره الأول. انظر إلى العينين بعناية أكبر هذه المرة.»حدّق ليو طويلًا يقارن بين الصورتين حتى لاحظ أخيرًا الفارق: بريقٌ طفيف جدًّا، أقرب إلى انعكاس ضوءٍ غير موجود أصلًا في الغرفة التي رُسمت فيها الصورة.«هذا ما يسمّونه "العين الثانية"،» أوضح فيكتور. «ليست ع

  • The First Shadow Master   الفصل الرابع عشر: رجل يبحث عن عمل

    الفصل الرابع عشر: رجل يبحث عن عملفي الأيام السبعة التالية التزم ليو بما طلبه فيكتور بدقةٍ صارمة. خرج كل صباحٍ من شارع الرماديّين عند الثامنة تمامًا، وتجوّل بين مكاتب التوظيف الصغيرة في الحيّ التجاري، يسأل عن أي عملٍ كتابي أو محاسبي متاح، تمامًا كما يُفترض أن يفعل رجل أعمالٍ سابق خسر كل شيء.كان الأمر، على نحوٍ غريب، أصعب مما توقّع. ليس لأن التظاهر بالبحث عن عملٍ كان صعبًا بذاته، بل لأن كل رفضٍ يسمعه، وسمع كثيرًا منها، سبعة رفوضٍ في اليوم الأول وحده، كان يذكّره بواقعه الحقيقي: لولا قرض فيكتور لكان هذا البحث جادًّا فعلًا، لا مجرد غطاء.عند الساعة الثانية ظهرًا من اليوم الرابع، في مكتب توظيفٍ صغير بشارع التجّار، سأله رجلٌ عجوز خلف طاولة مكتبه: «خبرةٌ سابقة؟»«إدارة شركةٍ تجارية صغيرة في مجال الفولاذ. ثلاث سنوات.»رفع الرجل حاجبيه. «ولماذا تبحث عن عملِ كاتبٍ بسيط إذن؟»توقّف ليو لحظةً يزن إجابته بعناية. «الشركة لم تعد قائمة. ظروفٌ... خارجةٌ عن إرادتي.»تفحّصه الرجل العجوز طويلًا بنظرة من اعتاد سماع قصصٍ مشابهة كثيرًا في هذه المدينة. «خيانة شريك؟»لم يجب ليو مباشرة، لكن صمته كان كافيًا كإ

  • The First Shadow Master   الفصل الثالث عشر: الظل الذي يراقب

    الفصل الثالث عشر: الظل الذي يراقب وصل ليو إلى شارع النسّاجين قبل موعده بساعةٍ كاملة، عند الساعة الخامسة وخمس عشرة دقيقةً مساءً، مخالفًا لكل ما تعلّمه عن الالتزام الدقيق بالمواعيد. لم ينتظر الغسق هذه المرة. صعد الدرج بخطًى سريعة وطرق الباب بإيقاعٍ غير منتظم، مختلفٍ عن طرقته المعتادة الهادئة. فتح فيكتور الباب بنفسه، وارتسمت على وجهه علامة تساؤلٍ خفيفة حين رأى ليو يصل في وقتٍ غير معتاد. «حدث شيء.» لم يكن سؤالًا. دخل ليو وبدأ يروي، بسرعةٍ أكبر من المعتاد، تفاصيل الرجل ذي المعطف البني الذي راقب المبنى هذا الصباح، وثباته غير الطبيعي، وشعوره بأنه قد يكون هو نفسه هدف المراقبة لا توماس هيل وحده. استمع فيكتور بصمتٍ تام حتى النهاية دون أن يقاطعه ولو مرة، ثم مشى نحو النافذة ينظر إلى الشارع في الأسفل كأنه يتوقّع أن يجد الرجل نفسه واقفًا هناك. «صِف لي ملامح وجهه مرةً أخرى، بدقةٍ أكبر هذه المرة.» «لم أستطع رؤية وجهه جيدًا. القبعة كانت منخفضةً جدًّا. لكن يديه كانتا نظيفتين جدًّا، أنيقتين، لا تشبهان يدَي رجلٍ اعتاد العمل اليدوي. وحذاؤه كان جديدًا لامعًا، لا يناسب إطلاقًا الحيّ الذي كان يقف فيه.»

  • The First Shadow Master   الفصل الثاني عشر: ما لا يُقال بصوتٍ عالٍ

    عند الساعة السادسة وثماني عشرة دقيقةً مساءً، جلس ليو أمام فيكتور في غرفة شارع النسّاجين، يسرد له تفاصيل اليوم الثالث من مراقبته لتوماس هيل. «اليوم كان مختلفًا،» قال ليو. «لم يذهب إلى مقهاه المعتاد. بدلًا من ذلك غادر مكتبه عند الواحدة وخمس عشرة دقيقةً ظهرًا، ومشى باتجاه الحيّ التجاري السفلي، إلى منزلٍ صغير لا يحمل أي لافتة. بقي بالداخل ثلاثًا وعشرين دقيقةً بالضبط، ثم خرج وهو يبدو... مرتاحًا. مختلفًا عن توتّره المعتاد.» رفع فيكتور حاجبًا واحدًا، وهي علامة الاهتمام الوحيدة التي سمح لنفسه بإظهارها. «صِف لي الباب الذي دخل منه.» «بابٌ خشبي بسيط، بلا أي علامة، باستثناء رمزٍ صغير محفورٍ على عتبته العليا: دائرةٌ بداخلها خطٌّ مائل، كأنه حرفٌ مقطوع.» توقّف فيكتور عن الحركة تمامًا للحظة، كأن الوصف لامس شيئًا لم يتوقّعه. «هل أنت متأكد من شكل الرمز؟» «متأكدٌ تمامًا. لماذا، هل يعني لك شيئًا؟» صمت فيكتور طويلًا، ويداه متشابكتان أمامه، قبل أن يجيب أخيرًا بحذرٍ واضح في اختيار كلماته. «هناك أشياء في هذه المدينة يا سيد ليو لا يعرفها حتى أغلب من يحسبون أنفسهم على اطلاعٍ بكل شيء. أبوابٌ كهذه ليست أب

  • The First Shadow Master   الفصل الحادي عشر: ظل توماس هيل

    عند الساعة السابعة وإحدى عشرة دقيقة صباحًا، وقف ليو في زاوية شارعٍ مقابل لمبنى حجري رمادي يحمل لافتةً نحاسية صغيرة: «مكتب تسجيل العقود التجارية، إقليم أوراس».كان قد استيقظ عند الخامسة والنصف بعد ليلة نومٍ قصيرة أنفق معظمها يراجع في ذهنه كل كلمةٍ قالها فيكتور عن توماس هيل. اشترى في طريقه كوبًا من الشاي الساخن من بائعٍ متجوّل بثمانية قروش فقط، وتسعة قروشٍ أخرى لقطعة خبزٍ يابسة، أي سبعة عشر قرشًا بالمجموع أنفقها على إفطارٍ لن يُشبعه طويلًا. لكنه كان يعرف الآن أن كل قرشٍ يُنفَق بلا حساب هو يومٌ أقل في رصيده المتبقي.لم يطل الانتظار. عند الساعة السابعة وسبعٍ وعشرين دقيقةً بالضبط خرج رجلٌ نحيل من الباب الجانبي للمبنى، يرتدي معطفًا رماديًّا باهتًا ونظارةً صغيرة تنزلق باستمرار على أنفه. كان يحمل حقيبةً جلدية مهترئة الأطراف، ويمشي بخطًى سريعة متوترة، كمن اعتاد أن يراقب الساعة أكثر مما يراقب الطريق أمامه.توماس هيل. لم يكن ليو قد رآه من قبل، لكن الوصف الذي كتبه فيكتور في دفتره كان دقيقًا بما يكفي لعدم ترك مجالٍ للشك.تبعه ليو من مسافةٍ آمنة، حريصًا على ألّا يقترب أكثر من اللازم، تمامًا كما تدر

  • The First Shadow Master   الفصل العاشر: دفتر الأسماء الصغيرة

    مضى أسبوعان على ليلة الكيس الفضي، وتحوّلت لقاءات ليو مع فيكتور إلى روتينٍ غريب منتظم: ثلاث مراتٍ في الأسبوع، دائمًا عند الغسق، ودائمًا في الغرفة نفسها أعلى المبنى السابع بشارع النسّاجين.لم يكن التدريب كما تخيّله ليو في أول ليلة. لا قتال، ولا حِيَل سحرية، بل شيءٌ أقرب إلى تعليم محاسبٍ جديد كيف يقرأ دفاترَ معقّدة، إلا أن «الدفاتر» هنا كانت وجوه الناس وحركاتهم والتفاصيل الصغيرة التي يغفل عنها أغلبهم.عند الساعة السادسة والثلث مساءً في تلك الليلة، وجد ليو فيكتور جالسًا أمام دفترٍ جلدي سميك، يقلّب صفحاته ببطءٍ تحت ضوء الشمعة.«جلستَ ليلة أمس في "المرساة الصدئة" مرةً أخرى،» قال فيكتور دون أن يرفع عينيه عن الدفتر. «لاحظتُ أنك بدأت تميّز الوجوه المتكررة. جيد. الآن أريدك أن تبدأ بشيءٍ أكثر تحديدًا.»أدار الدفتر نحو ليو. كانت صفحاته مليئةً بأسماءٍ صغيرة مرتّبة بخطٍّ دقيق، وبجانب كل اسمٍ ملاحظاتٌ مقتضبة: «كاتب حسابات في دار بلدية أوراس الشمالية، يقترض من مرابين سرّيين، يزور حانة المرساة كل خميس.»«من هؤلاء؟» سأل ليو.«موظفون صغار،» أجاب فيكتور. «كتبة وحرّاس وسعاة بريد ومساعدو محاسبين. الناس الذ

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status