تسجيل الدخولسيد الظل الأول
الفصل الثالث: الرجل ذو المعطف الرمادي كانت الساعة التاسعة وسبع عشرة دقيقة مساءً حين فتح ليو الباب ببطء، وأصدرت المفصّلات الصدئة أنينًا خفيفًا كسر صمت الممرّ الضيق. كان الرجل الواقف في الخارج طويل القامة، يرتدي معطفًا رماديًّا داكنًا يكاد يمتزج بظلمة الممرّ، وقبعةً واسعة الحواف تحجب معظم ملامح وجهه، فلا يظهر منه إلا ذقنٌ حليق بعناية وفمٌ لا يبتسم ولا يعبس، مجرد خطٍّ مستقيم يوحي بأن صاحبه اعتاد ألّا يُظهر شيئًا. ولم يكن المطر يتساقط عليه، مع أن السماء في الخارج لم تكفّ عن البكاء منذ أسبوع. وكان هذا التفصيل الصغير أول ما لاحظه ليو، دون أن يعرف لماذا يهمّه. «السيد ليو،» قال الرجل، ولم يكن سؤالًا. كان صوته هادئًا، بلا لهجةٍ واضحة تنتمي إلى أيٍّ من أحياء أوستفال التي يعرفها ليو، كأنه تعمّد ألّا يحمل صوته أي أثرٍ يدلّ على أصله. «من أنت؟» لم يتحرك ليو من مكانه، ويده ما تزال على حافة الباب، مستعدّةً لإغلاقه إن اقتضى الأمر. «اسمي لا يهمّ الآن.» أخرج الرجل من داخل معطفه مظروفًا صغيرًا من الورق السميك، مختومًا بشمعٍ أسود يحمل رمزًا لم يتعرّف عليه ليو: دائرةٌ صغيرة تتوسطها عينٌ مغمضة. «المهمّ أنك خسرتَ شيئًا الأسبوع الماضي، وأن هناك من يرى أن خسارتك... يمكن أن تصير بدايةً لشيءٍ أكبر بكثير مما تتخيّل.» لم يمدّ ليو يده ليأخذ المظروف. نظر إليه، ثم إلى الرجل، محاولًا أن يقرأ في تينك العينين الخافتتين تحت ظلّ القبعة أي إشارةٍ إلى نواياه. «إن كنتَ تعمل لصالح إدموند فايس أو بيت أوركال...» «لو كنتُ أعمل لصالحهم،» قاطعه الرجل بهدوءٍ لم يهتزّ، «لما كنتُ أقف هنا أحدّثك. كنتُ سأتركك تتعفّن في هذا الحيّ حتى تنسى اسمك بنفسك.» كانت العبارة الأخيرة كافية لتجمّد ليو لحظة. «تتعفّن حتى تنسى اسمك». كانت قريبةً إلى حدٍّ مخيف من الجملة التي همس بها لنفسه قبل أيام، حين وقف عند تلك النافذة يسأل كيف يصير رجلًا لا يمكن خيانته. «من أرسلك؟» سأل أخيرًا، وصوته أخفض هذه المرة. ابتسم الرجل ابتسامةً خفيفة، بالكاد تحرّك لها فمه. «أحدٌ ما لا يزال يراقب من بعيد. سيأتي وقتٌ تعرف فيه المزيد، إن كنتَ ما زلت مهتمًّا بما سيأتي بعد هذا المظروف. أما الآن...» مدّ المظروف نحوه وانتظر. فكّر ليو طويلًا في السقوط الذي عاشه، وفي الوجه الذي رآه في مرآة الأيام السبعة الماضية: وجه رجلٍ لم يعد يعرف من هو من دون المشروع الذي بناه ثم فقده. ثم مدّ يده ببطء وأخذ المظروف. كان الورق أثقل مما توقّع، كأن ما بداخله أكثر من مجرد رسالة. «افتحه حين تكون وحدك،» قال الرجل وتراجع خطوةً إلى الوراء، وظلمة الممرّ تبتلع تفاصيل معطفه شيئًا فشيئًا. «وفكّر جيدًا في السؤال الذي طرحتَه على نفسك قبل قليل، عند تلك النافذة.» لم يُمهله ليو فرصةً ليسأل كيف عرف ذلك. فحين رمش كان الممرّ خاليًا، ولم يبقَ من الزائر سوى صدى خطواته يتلاشى على درج المبنى القديم. وقف ليو طويلًا عند عتبة بابه، والمظروف بين يديه أثقل من وزنه الفعلي، وشعورٌ غريب يتسلل إلى صدره، مزيجٌ من الخوف والفضول لم يشعر بمثله منذ سنوات طويلة. أغلق الباب خلفه وأشعل الشمعة الأخيرة المتبقية على طاولته، ثم جلس والمظروف أمامه، والشمع الأسود ذو العين المغمضة ينظر إليه كأنه يعرف أكثر مما ينبغي. [نهاية الفصل الثالث]عند الساعة السادسة وعشر دقائق مساءً من اليوم التالي، وجد ليو فيكتور قد أعدّ شيئًا مختلفًا كليًّا عن المعتاد: ثلاث صورٍ مرسومة بدقةٍ لوجوهٍ مختلفة، موضوعة جنبًا إلى جنب على الطاولة الخشبية.«قبل أن أعلّمك كيف تميّز من يحمل قوة،» بدأ فيكتور، «عليك أن تفهم أولًا لماذا هذا صعبٌ جدًّا على أغلب الناس. القوة يا سيد ليو لا تُكتب على الوجه كندبةٍ أو وشم. لكنها تترك أثرًا أدقّ بكثير لمن يعرف أين ينظر.»أشار إلى الصورة الأولى: وجه رجلٍ عادي الملامح بعينين هادئتين. «انظر إلى هذا الوجه جيدًا. ماذا ترى؟»«رجلٌ عادي. لا شيء مميّز.»«بالضبط ما يُفترض أن تراه. والآن...» أخرج فيكتور صورةً ثانية تبدو مطابقةً تمامًا للأولى من حيث الملامح العامة، لكن بتفصيلٍ دقيق مختلف في العينين: بريقٌ خفيف جدًّا يكاد لا يُلاحَظ. «هذا الوجه نفسه، لرجلٍ آخر، بعد أن ابتلع حجره الأول. انظر إلى العينين بعناية أكبر هذه المرة.»حدّق ليو طويلًا يقارن بين الصورتين حتى لاحظ أخيرًا الفارق: بريقٌ طفيف جدًّا، أقرب إلى انعكاس ضوءٍ غير موجود أصلًا في الغرفة التي رُسمت فيها الصورة.«هذا ما يسمّونه "العين الثانية"،» أوضح فيكتور. «ليست ع
الفصل الرابع عشر: رجل يبحث عن عملفي الأيام السبعة التالية التزم ليو بما طلبه فيكتور بدقةٍ صارمة. خرج كل صباحٍ من شارع الرماديّين عند الثامنة تمامًا، وتجوّل بين مكاتب التوظيف الصغيرة في الحيّ التجاري، يسأل عن أي عملٍ كتابي أو محاسبي متاح، تمامًا كما يُفترض أن يفعل رجل أعمالٍ سابق خسر كل شيء.كان الأمر، على نحوٍ غريب، أصعب مما توقّع. ليس لأن التظاهر بالبحث عن عملٍ كان صعبًا بذاته، بل لأن كل رفضٍ يسمعه، وسمع كثيرًا منها، سبعة رفوضٍ في اليوم الأول وحده، كان يذكّره بواقعه الحقيقي: لولا قرض فيكتور لكان هذا البحث جادًّا فعلًا، لا مجرد غطاء.عند الساعة الثانية ظهرًا من اليوم الرابع، في مكتب توظيفٍ صغير بشارع التجّار، سأله رجلٌ عجوز خلف طاولة مكتبه: «خبرةٌ سابقة؟»«إدارة شركةٍ تجارية صغيرة في مجال الفولاذ. ثلاث سنوات.»رفع الرجل حاجبيه. «ولماذا تبحث عن عملِ كاتبٍ بسيط إذن؟»توقّف ليو لحظةً يزن إجابته بعناية. «الشركة لم تعد قائمة. ظروفٌ... خارجةٌ عن إرادتي.»تفحّصه الرجل العجوز طويلًا بنظرة من اعتاد سماع قصصٍ مشابهة كثيرًا في هذه المدينة. «خيانة شريك؟»لم يجب ليو مباشرة، لكن صمته كان كافيًا كإ
الفصل الثالث عشر: الظل الذي يراقب وصل ليو إلى شارع النسّاجين قبل موعده بساعةٍ كاملة، عند الساعة الخامسة وخمس عشرة دقيقةً مساءً، مخالفًا لكل ما تعلّمه عن الالتزام الدقيق بالمواعيد. لم ينتظر الغسق هذه المرة. صعد الدرج بخطًى سريعة وطرق الباب بإيقاعٍ غير منتظم، مختلفٍ عن طرقته المعتادة الهادئة. فتح فيكتور الباب بنفسه، وارتسمت على وجهه علامة تساؤلٍ خفيفة حين رأى ليو يصل في وقتٍ غير معتاد. «حدث شيء.» لم يكن سؤالًا. دخل ليو وبدأ يروي، بسرعةٍ أكبر من المعتاد، تفاصيل الرجل ذي المعطف البني الذي راقب المبنى هذا الصباح، وثباته غير الطبيعي، وشعوره بأنه قد يكون هو نفسه هدف المراقبة لا توماس هيل وحده. استمع فيكتور بصمتٍ تام حتى النهاية دون أن يقاطعه ولو مرة، ثم مشى نحو النافذة ينظر إلى الشارع في الأسفل كأنه يتوقّع أن يجد الرجل نفسه واقفًا هناك. «صِف لي ملامح وجهه مرةً أخرى، بدقةٍ أكبر هذه المرة.» «لم أستطع رؤية وجهه جيدًا. القبعة كانت منخفضةً جدًّا. لكن يديه كانتا نظيفتين جدًّا، أنيقتين، لا تشبهان يدَي رجلٍ اعتاد العمل اليدوي. وحذاؤه كان جديدًا لامعًا، لا يناسب إطلاقًا الحيّ الذي كان يقف فيه.»
عند الساعة السادسة وثماني عشرة دقيقةً مساءً، جلس ليو أمام فيكتور في غرفة شارع النسّاجين، يسرد له تفاصيل اليوم الثالث من مراقبته لتوماس هيل. «اليوم كان مختلفًا،» قال ليو. «لم يذهب إلى مقهاه المعتاد. بدلًا من ذلك غادر مكتبه عند الواحدة وخمس عشرة دقيقةً ظهرًا، ومشى باتجاه الحيّ التجاري السفلي، إلى منزلٍ صغير لا يحمل أي لافتة. بقي بالداخل ثلاثًا وعشرين دقيقةً بالضبط، ثم خرج وهو يبدو... مرتاحًا. مختلفًا عن توتّره المعتاد.» رفع فيكتور حاجبًا واحدًا، وهي علامة الاهتمام الوحيدة التي سمح لنفسه بإظهارها. «صِف لي الباب الذي دخل منه.» «بابٌ خشبي بسيط، بلا أي علامة، باستثناء رمزٍ صغير محفورٍ على عتبته العليا: دائرةٌ بداخلها خطٌّ مائل، كأنه حرفٌ مقطوع.» توقّف فيكتور عن الحركة تمامًا للحظة، كأن الوصف لامس شيئًا لم يتوقّعه. «هل أنت متأكد من شكل الرمز؟» «متأكدٌ تمامًا. لماذا، هل يعني لك شيئًا؟» صمت فيكتور طويلًا، ويداه متشابكتان أمامه، قبل أن يجيب أخيرًا بحذرٍ واضح في اختيار كلماته. «هناك أشياء في هذه المدينة يا سيد ليو لا يعرفها حتى أغلب من يحسبون أنفسهم على اطلاعٍ بكل شيء. أبوابٌ كهذه ليست أب
عند الساعة السابعة وإحدى عشرة دقيقة صباحًا، وقف ليو في زاوية شارعٍ مقابل لمبنى حجري رمادي يحمل لافتةً نحاسية صغيرة: «مكتب تسجيل العقود التجارية، إقليم أوراس».كان قد استيقظ عند الخامسة والنصف بعد ليلة نومٍ قصيرة أنفق معظمها يراجع في ذهنه كل كلمةٍ قالها فيكتور عن توماس هيل. اشترى في طريقه كوبًا من الشاي الساخن من بائعٍ متجوّل بثمانية قروش فقط، وتسعة قروشٍ أخرى لقطعة خبزٍ يابسة، أي سبعة عشر قرشًا بالمجموع أنفقها على إفطارٍ لن يُشبعه طويلًا. لكنه كان يعرف الآن أن كل قرشٍ يُنفَق بلا حساب هو يومٌ أقل في رصيده المتبقي.لم يطل الانتظار. عند الساعة السابعة وسبعٍ وعشرين دقيقةً بالضبط خرج رجلٌ نحيل من الباب الجانبي للمبنى، يرتدي معطفًا رماديًّا باهتًا ونظارةً صغيرة تنزلق باستمرار على أنفه. كان يحمل حقيبةً جلدية مهترئة الأطراف، ويمشي بخطًى سريعة متوترة، كمن اعتاد أن يراقب الساعة أكثر مما يراقب الطريق أمامه.توماس هيل. لم يكن ليو قد رآه من قبل، لكن الوصف الذي كتبه فيكتور في دفتره كان دقيقًا بما يكفي لعدم ترك مجالٍ للشك.تبعه ليو من مسافةٍ آمنة، حريصًا على ألّا يقترب أكثر من اللازم، تمامًا كما تدر
مضى أسبوعان على ليلة الكيس الفضي، وتحوّلت لقاءات ليو مع فيكتور إلى روتينٍ غريب منتظم: ثلاث مراتٍ في الأسبوع، دائمًا عند الغسق، ودائمًا في الغرفة نفسها أعلى المبنى السابع بشارع النسّاجين.لم يكن التدريب كما تخيّله ليو في أول ليلة. لا قتال، ولا حِيَل سحرية، بل شيءٌ أقرب إلى تعليم محاسبٍ جديد كيف يقرأ دفاترَ معقّدة، إلا أن «الدفاتر» هنا كانت وجوه الناس وحركاتهم والتفاصيل الصغيرة التي يغفل عنها أغلبهم.عند الساعة السادسة والثلث مساءً في تلك الليلة، وجد ليو فيكتور جالسًا أمام دفترٍ جلدي سميك، يقلّب صفحاته ببطءٍ تحت ضوء الشمعة.«جلستَ ليلة أمس في "المرساة الصدئة" مرةً أخرى،» قال فيكتور دون أن يرفع عينيه عن الدفتر. «لاحظتُ أنك بدأت تميّز الوجوه المتكررة. جيد. الآن أريدك أن تبدأ بشيءٍ أكثر تحديدًا.»أدار الدفتر نحو ليو. كانت صفحاته مليئةً بأسماءٍ صغيرة مرتّبة بخطٍّ دقيق، وبجانب كل اسمٍ ملاحظاتٌ مقتضبة: «كاتب حسابات في دار بلدية أوراس الشمالية، يقترض من مرابين سرّيين، يزور حانة المرساة كل خميس.»«من هؤلاء؟» سأل ليو.«موظفون صغار،» أجاب فيكتور. «كتبة وحرّاس وسعاة بريد ومساعدو محاسبين. الناس الذ