LOGINلم تنم ليان بسهولة تلك الليلة. كانت جملة والدها تتردد في رأسها منذ أن غادر آدم وأهله. "أنا محتاج وقت." لم تكن جملة رفض، لكنها لم تكن موافقة أيضًا. جلست على سريرها، تمسك هاتفها، ثم وضعته جانبًا قبل أن تفتح المحادثة معه للمرة العاشرة. في اللحظة نفسها أضاء الهاتف. آدم: "صحيتِ؟" ابتسمت. "أنا أصلًا ما نمتش." جاء الرد سريعًا: "وأنا كمان." كتبت: "متوتر؟" "جداً." ضحكت. "مش باين عليك." "كنت قدام والدك، لازم أبان ثابت." "كنت ثابت فعلًا." "من جوا كنت بموت." ضحكت بصوت منخفض. "كويس إني ما شفتش." "كنتِ هتضحكي." "طبعًا." ثم صمتا قليلًا. كتب آدم: "ليان." "نعم؟" "أنا مبسوط." "ليه؟" "عشان أخيرًا بقيت عارف إن اللي بينا ما بقاش مجرد كلام." نظرت إلى الشاشة طويلًا قبل أن تكتب: "وأنا كمان." في صباح اليوم التالي، حاولت ليان أن تتعامل مع يومها بشكل طبيعي. محاضرات، ملاحظات، تدريب، أسئلة من الدكتور، ثم اجتماع قصير مع فريق البحث. لكن مريم لم تكن لتتركها تهرب. ما إن جلستا معًا حتى قالت: "ها؟" نظرت ليان إليها ببراءة. "ها إيه؟" "إنتِ فاكرة إني مش هعرف؟" "تعرفي إيه؟" اقتربت مريم
لم تكن وردية ليان تلك الليلة تشبه أي وردية سابقة.منذ بداية المناوبة والطوارئ لا تهدأ، أسرّة تدخل وأخرى تخرج، أصوات الأجهزة لا تتوقف، والأطباء ينتقلون بين الحالات بسرعة جعلت ليان تشعر أن الوقت نفسه يركض.كانت تقف بجوار د. كريم وهي تراجع ملف إحدى الحالات.قال لها: "قوليلي الاحتمالات اللي قدامك."أجابت بعد لحظة: "في أكتر من احتمال، لكن محتاجين فحص وتحاليل قبل ما نثبت أي تشخيص."ابتسم."إجابة أحسن من إنك ترمي تشخيص وخلاص."ابتسمت ليان."اتعلمت.""لسه."ضحكت.في الجهة الأخرى من القسم، كان آدم يعمل مع د. سامر.لم يتحدثا طوال ساعتين تقريبًا.كان كل واحد منهما غارقًا في عمله.لكن في لحظة هدوء قصيرة، التقت عيونهما.ابتسم آدم.ردت ليان بابتسامة سريعة، ثم عادت إلى ملفها.قال د. كريم دون أن ينظر إليها: "المريض أهم."احمر وجهها."حاضر."في الثالثة صباحًا، بدأ التعب يظهر على الجميع.جلست ليان للحظات في غرفة الاستراحة، وأسندت رأسها إلى الحائط.دخل آدم."تعبانة؟""جداً."جلس بجوارها."خمس دقايق ونرجع."نظرت إليه."هو إحنا هنفضل كده؟""كده إزاي؟""دراسة، تدريب، ورديات، امتحانات، وخطوبة."ابتسم."إنتِ
في مساء اليوم التالي، لم يكن آدم يشعر بالتوتر بسبب مقابلة والد ليان بقدر ما كان يشعر بثقل الخطوة نفسها.كان يقود سيارته باتجاه منزلها، بينما ظل يراجع في ذهنه الكلمات التي سيقولها.لم يكن يريد أن يقدم وعودًا أكبر من قدرته، ولا أن يتحدث عن مستقبل مثالي لا يعرف إن كان يستطيع تحقيقه.كان يريد شيئًا واحدًا فقط.أن يعرف والدها أنه جاد.في الوقت نفسه، كانت ليان تجلس في غرفتها، ترتب شعرها للمرة الثالثة، ثم تنظر إلى نفسها في المرآة بضيق.دخلت مريم في مكالمة فيديو."إنتِ لسه بتجهزي؟""أنا متوترة.""ليه؟ آدم اللي داخل يتكلم، مش إنتِ.""عارفة."ابتسمت مريم."يبقى اهدي."رن جرس الباب.توقفت ليان عن الكلام."وصل.""روحي بقى."أغلقت المكالمة، ثم خرجت من غرفتها.جلس آدم مع والديه في غرفة الجلوس، بينما كان والد ليان يتحدث معه بهدوء."إنتوا لسه بتدرسوا، صح؟""أيوه.""والطب محتاج وقت ومجهود.""عارف.""والجواز مسؤولية."أجاب آدم بثبات: "وعشان كده أنا مش جاي أطلب إننا نتجوز دلوقتي. أنا جاي أطلب إننا نبدأ بشكل رسمي، ونتخطب، وكل واحد يكمل دراسته."نظر إليه والد ليان طويلًا."ولو حصل ضغط في الدراسة؟""هننظم
في اليوم التالي، أعلنت إدارة المستشفى نتيجة المرحلة النهائية للبرنامج.وقفت ليان أمام لوحة الأسماء.بحثت عن اسمها.ثم وجدته."ليان أحمد — المجموعة الأولى."توقفت للحظة.لم تصرخ.لم تتحرك.فقط ابتسمت.ثم أخرجت هاتفها.أرسلت لآدم: "اتقبلت رسمي."جاء الرد بعد ثوانٍ: "كنت مستني الخبر ده.""إنت كنت واثق ليه؟""عشان في المقابلة التانية لما سألوكي إيه اللي عايزة تتعلميه، ما قولتيش إجابة محفوظة.""وقلت إيه؟""قولتي إنك عايزة تعرفي إزاي تخلي المريض يحس إنه مسموع."قرأت رسالته أكثر من مرة.ثم كتبت: "إنت فاكر؟""أنا بفتكر كلامك."توقفت.ثم ابتسمت.لكن فرحتها لم تستمر طويلًا.وصلتها رسالة أخرى من إدارة البرنامج.هذه المرة لم تكن تهنئة."نظرًا لطبيعة البرنامج، سيتم توزيع المتدربين على أقسام مختلفة. يرجى العلم أن القسم المحدد لكل متدرب سيعلن في اليوم الأول."قالت ليان لنفسها: "طبعًا."كانت تعرف أنها لم تنتهِ بعد.وفي صباح اليوم الأول، دخلت إلى المستشفى وهي لا تعرف أي قسم ستذهب إليه.وجدت مجموعة من الطلاب ينتظرون أمام قاعة التدريب.دخل الطبيب المسؤول."صباح الخير."رد الجميع.فتح ملفًا."هنبدأ بالتو
ظلت ليان تنظر إلى رسالة آدم للحظات، ثم كتبت: "إنت بتحب الجراحة ولا بتحب فكرة إنك تبقى جراح؟"لم يصل الرد فورًا.وضعت الهاتف بجانبها، ثم عادت لتنظر من نافذة السيارة. كانت الشوارع مزدحمة، والناس تتحرك في كل اتجاه، وكل شخص يبدو وكأنه يعرف إلى أين يذهب.إلا هي.بعد دقائق، ظهر رد آدم: "إيه الفرق؟"كتبت: "فرق كبير.""قولي.""ممكن تكون بتحب شكل الحياة اللي متخيلها لنفسك، مش الحاجة نفسها."توقف آدم عن الكتابة.ثم جاء رده: "أنا هفكر فيها."ابتسمت."وأنا كمان."في صباح اليوم التالي، دخلت ليان المستشفى وهي تحمل دفتر ملاحظاتها. كان أول يوم حقيقي لها في المشروع الجديد، وكانت مسؤولة عن جمع ملاحظات المرضى وتحليل طريقة التواصل بينهم وبين الفريق الطبي.في البداية، ظنت أن المهمة ستكون سهلة.لكن بعد ساعتين فقط، اكتشفت أنها ليست كذلك.كان هناك مريض غاضب لأن موعده تأخر، ومريضة مسنة لم تفهم تعليمات الدواء، وشاب يصر على أن الطبيب لم يستمع إليه رغم أن الطبيب حاول أكثر من مرة.وقفت ليان في منتصف الممر تراقب الموقف.اقترب منها د. كريم."شايفة إيه؟"قالت: "ضغط.""بس؟"نظرت إليه."زحمة، والمرضى متوترين، والدكاتر
كانت تعاني من الخوف.قالت لها: "أنا كل مرة الدكتور يقول اسم مرض، بحس إن الدنيا وقفت."سكتت ليان.كانت تلك الجملة أهم من عشرات الإجابات التي كانت تتوقعها.كتبت ملاحظة صغيرة."المشكلة مش في المعلومة بس."وفي نهاية اليوم، عرضت ملاحظاتها على د. عمر.قال: "وده اللي كنت مستنيه منك.""إيه؟""إنك ما تيجيش تدوري على إجابة جاهزة."نظر إلى الورقة."إنتِ بدأتي تكتشفي الحاجة اللي بتحبيها."نظرت ليان إلى الملاحظات.ثم قالت: "يمكن.""يمكن؟"ابتسمت."لسه بدري."ضحك."تمام. خدي وقتك."وفي طريق العودة، فتحت هاتفها.وجدت رسالة من آدم:"عندي خبر."كتبت: "خير؟"جاء الرد: "الفريق طلب مني أختار بين الجراحة والبحث."توقفت ليان.ثم كتبت: "وإنت هتختار إيه؟"ظل يكتب وقتًا طويلًا.ثم ظهرت الرسالة:"مش عارف."ابتسمت ليان.ولأول مرة لم تشعر بالخوف من الجملة.بل شعرت أن آدم، مثلها تمامًا، يقف أمام طريقين.والفرق الوحيد هذه المرة أن القرار لن يكون عن الطريق الأسهل.بل عن الطريق الذي سيشبههما فعلًا."مريم."تنهدت."رامي مسافر الأسبوع الجاي."سكتت ليان."عرفتي؟""أيوه.""ومش عايزة؟""أنا عايزة له الخير."ثم ابتسمت بحز