Masukدفنها بيديه... وألقى عليها التراب بنفسه... وعاش ثلاث سنوات يحترق ندمًا على موتها. لكن في لحظة واحدة، انقلب كل شيء عندما شاهدها حيةً أمام عينيه ... تختفي فتاة بريئة داخل دوامة من الثأر، بعدما اختفى شقيقها التوأم وخطيبها، واتُّهما بقتل شقيق أخطر رجل في البلاد. بين عائلتين تفصل بينهما الدماء والأعراف... ورجل لا يعرف سوى الانتقام... وفتاة لا تتمسك إلا بحلمها وحماية من تبقى من عائلتها... تبدأ رحلة مليئة بالأسرار التي لم تُكشف بعد. فمن القاتل الحقيقي؟ ولماذا اختفى الجميع؟ ومن تلك المرأة التي عادت من الموت؟ وهل يستطيع الحب أن يولد بين قلبين فرّقت بينهما الدماء... أم أن الثأر سيكون أقوى من أي مشاعر؟ رواية مليئة بالغموض، والتشويق، والصراعات العائلية، والأسرار التي ستقلب كل الموازين، حيث لا شيء كما يبدو... وكل حقيقة تخفي وراءها حقيقة أخطر.
Lihat lebih banyakجلس ذلك الرجل المتجبر خلف مكتبه الفخم، متكئًا إلى ظهر مقعده الجلدي، بينما ارتسمت على وجهه ملامح دهشة لم ينجح، رغم قسوته، في إخفائها.
لم يكن يصدق ما التقطته أذناه قبل لحظات.
راح يحدث نفسه في صمت، وعيناه لا تفارقان الرجل الجالس أمامه.
أهذا الرجل مختل العقل؟
أم أنه جاء ينسج تلك القصة السخيفة طمعًا في حفنة من المال؟
أم أن وراء حضوره غاية أخرى لا علاقة لها بالنقود؟
وهل ظن، ولو للحظة، أنه يجلس أمام رجل يمكن خداعه بتلك السهولة؟
ألم يعرف سليمان الهاشمى من قبل أن يجرؤ على الوقوف أمامه؟
ألم يخبره أحد بما يستطيع فعله بمن يكذب عليه؟
ارتسمت على شفتيه ابتسامة باهتة، لكنها كانت ابتسامة لا تبشر بخير، ثم مال بجسده إلى الخلف وهو يزفر ببطء.
"يبدو أن كيس الملاكمة الخاص بي جاء إليّ بنفسه اليوم... لم أعد بحاجة إلى الذهاب إلى النادي."
قالها في نفسه، قبل أن يرفع بصره إلى الرجل، متصنعًا هدوءًا لا يشبه ما يدور داخله.
ثم سأله بنبرة ثابتة، تخفي خلفها عاصفة من الغضب:
— حقًا...؟ وماذا رأيت أيضًا؟
لم يتردد الرجل لحظة، بل أجابه بثقة أربكت سليمان أكثر مما أربكته الكلمات نفسها.
— ليس لدي المزيد لأقوله... لكن لدي ما أُريك إياه، يا سيد سليمان.
أدخل يده إلى جيب سترته، وأخرج هاتفه المحمول بهدوء، ثم فتحه وأخذ يتنقل بين الملفات لبضع ثوانٍ.
ساد الصمت في الغرفة.
صمت ثقيل... خانق.
حتى الهواء بدا وكأنه توقف عن الحركة.
وأخيرًا فتح مقطعًا مصورًا، ثم مد الهاتف أمام سليمان.
في البداية لم ينظر إليه.
ظل يحدق في وجه الرجل المقابل، وكأنه يبحث في عينيه عن أي ارتباك... عن أي إشارة تدل على أنه يكذب.
لكن الثقة التي كانت ترتسم على ملامحه زلزلت شيئًا في أعماقه.
ابتلع ريقه بصعوبة.
ثم أدار رأسه ببطء نحو شاشة الهاتف.
ثانية...
ثانيتان...
ثلاث ثوانٍ...
وفجأة...
ارتجفت أصابع يده قبل أن تمتد نحو الهاتف.
أمسكه ببطء، وكأن وزنه أصبح أطنانًا، ثم ثبت نظره على الشاشة.
واتسعت عيناه إلى أقصى حد.
توقف الزمن.
نسي كيف يتنفس.
وتحولت دقات قلبه إلى طرقات عنيفة تكاد تمزق صدره.
لا...
هذا مستحيل...
كيف...؟
كيف يمكن أن يحدث هذا؟
هل يعود الموتى إلى الحياة؟
لقد دفنها بيديه.
كان هو من أنزلها إلى قبرها.
كان هو من ألقى حفنات التراب الأخيرة فوق جسدها.
وقف يبكي عند قبرها حتى جفت دموعه.
عاش ثلاث سنوات كاملة يحمل ذنبها فوق كتفيه، يجلد نفسه كل ليلة، ويكاد يفقد عقله من شدة الندم.
حتى إنه اقترب أكثر من مرة من تدمير حياته، بعدما صار تأنيب ضميره يلتهمه ببطء.
كان من الممكن أن يقنع نفسه بأنها مجرد امرأة تشبهها.
لكن...
ذلك الرجل الذي يقف إلى جوارها...
ذلك الوجه الذي يعرفه أكثر من معرفته لنفسه...
أدهم......خالة ادهم
كان يتحدث إليها بهدوء، وكأنه يطمئنها، وكأنها لم تمت يومًا.
تجمدت ملامح سليمان.
ثم بدأت الحقيقة تتسلل إلى عقله ببطء قاتل.
لقد خدعوه...
جميعهم.
كان هو الأحمق الوحيد في تلك المسرحية.
رأوا انهياره.
شهدوا حزنه.
استمعوا إلى صرخاته.
ورأوا كيف كان ينهار يومًا بعد يوم.
وأدهم...
ذلك الرجل الذي كان يقف إلى جواره، يربت على كتفه، ويواسيه كل ليلة...
كان يعرف الحقيقة منذ البداية.
همس سليمان بصوت خرج مبحوحًا من بين شفتيه:
— إذًا... كنتَ تخدعني أنت أيضًا... يا خالى ادهم
تحولت ملامحه تدريجيًا.
اختفت الصدمة.
وحل محلها شيء أكثر رعبًا.
الغضب.
الغضب الذي يولد بعد الخيانة.
برزت عروق جبينه بوضوح، واحمرت عيناه حتى بدتا كجمرتين مشتعـلتين، بينما بدأت قطرات العرق تتجمع فوق جبينه رغم برودة الغرفة.
قبض على الهاتف بقوة حتى كاد يحطمه بين أصابعه.
ثم همس بصوت مرعب، لم يكن موجَّهًا لأحد سوى نفسه:
— اهربي...
كان صوته منخفضًا...
لكن كل حرف فيه كان يحمل وعدًا بالموت.
— اهربي... فهذا أفضل لكِ.
لأنكِ إن وقعتِ بين يدي...
فلن يرحمك أحد.
وفي لحظة انفجر غضبه.
قذف الهاتف بقوة حتى ارتطم بالحائط وتناثر صوته في أنحاء المكتب.
ثم اندفع نحو الباب بخطوات سريعة، قبل أن يتوقف فجأة ويلتفت إلى الرجل الذي أحضر المقطع.
سأله بحدة كادت تزلزل المكان:
— هل أقلعت الطائرة؟
ارتبك الرجل من هيئته، ثم أجاب سريعًا:
— لا أعلم، يا سيد سليمان. كل ما عرفته أنهم أوقفوها في المطار بسبب مشكلة في أوراق السفر. وكانت تنتظر حتى ينهي السيد أدهم الأمر... وبعد ذلك انقطعت أخباري، ولا أعرف إن كانت المشكلة قد حُلَّت... أم أنها ما زالت هناك.
ابتسم سليمان على تعليقه، لكنه لم يجبه، واكتفى بالنهوض متجهًا نحو المطبخ. وما إن دخله حتى لم يجد ملك هناك. تأكد عندها أن إحساسه لم يكن خاطئًا، فسأل ماري عنها. أجابته ماري: — جاءت إلى هنا بخطوات سريعة، ثم نزلت إلى غرفتها. تغيرت ملامح سليمان على الفور، وارتسم الغضب على وجهه. لم يفهم سبب هروبها إلى غرفتها بهذه السرعة، لكنه أصبح أكثر يقينًا من أن هناك أمرًا تخفيه. اتجه إلى السلالم بخطوات سريعة، حتى وصل إلى باب غرفتها، ثم طرق عليه بقوة وهو يقول: — افتحي يا ملك! --- كانت ملك لا تزال واقفة في منتصف الغرفة، متجمدة من الخوف. أخذت تحدث نفسها باضطراب: «هل عرف أنني أخذت هاتف سارة؟! لا بد أنه عرف... وإلا فلماذا جاء إلى غرفتي خلفي؟!» شعرت بأن ساقيها لم تعودا قادرتين على حملها، ومع ذلك أجبرت نفسها على التحرك نحو الباب. سارت بخطوات مرتبكة، وكأن قدميها تحولت إلى هلام، ثم فتحت الباب بسرعة وابتعدت عنه، بينما أخفت الهاتف خلف ظهرها بكلتا يديها. دخل سليمان إلى الغرفة وأغلق الباب خلفه، ثم نظر إليها مباشرة وسألها: — ما الأمر؟ لماذا نزلتِ إلى غرفتكِ؟ ارتبكت ملك، وحاولت أن تبدو هادئة وهي تجيبه:
انتهى الجميع من تناول الطعام، ثم انتقلوا إلى الصالة، حيث جلسوا على المقاعد الوثيرة أمام المدفأة المشتعلة، بينما تولت ماري إعداد القهوة وتقديمها إليهم. ما إن استقروا في أماكنهم حتى بدأ جون وسليمان يتحدثان عن المشروع الجديد الذي يستعدان للعمل عليه. انشغلا في مناقشة تفاصيله وتبادل الآراء حول الخطوات القادمة، بينما انشغلت سارة وملك بالحديث معًا. كانت سارة، كعادتها، صاحبة الدور الأكبر في إدارة الحديث؛ فهي التي تطرح الأسئلة وتفتح الموضوعات المختلفة، بينما لم تكن ملك تفعل أكثر من الإجابة عن أسئلتها، دون أن تبادر هي بطرح أي سؤال أو فتح أي موضوع جديد. كانت سارة تحاول التقرب منها والتعرف إليها أكثر، في حين ظلت ملك محافظة على هدوئها وقلة كلامها. وبعد مرور بعض الوقت، استأذنت سارة من الجميع قائلة: — أعتذر منكم، سأذهب إلى الحمام وأعود بعد قليل. ابتسم لها جون وأومأ برأسه، بينما اكتفت ملك بالنظر إليها حتى غادرت الصالة. عادت ملك إلى صمتها . وقد بدأ الملل يتسلل إليها. لاحظ سليمان ذلك، فنظر إليها نظرة جانبية سريعة، ثم عاد إلى جون ليستكمل حديثهما. تنهدت ملك بملل، وأغمضت عينيها للحظة، ثم أ
أمسك سليمان بيدها، ثم نظر إلى عينيها بابتسامة دافئة ، ورفع يدها إلى شفتيه وقبّلها بهدوء، قبل أن يلتفت إلى ضيوفه ويقول: — جون، سارة، أقدم لكما ملك... خطيبتي. شهقت سارة من شدة المفاجأة، واتسعت ابتسامتها على الفور، وقد بدت عليها سعادة حقيقية بهذا الخبر. — يا إلهي! هل أنت جاد يا سليمان؟! أخيرًا خطبت؟! أما جون، فقد أشرق وجهه بالفرحة، ونظر إلى صديقه بدهشة ممزوجة بالسعادة. كان جون وسارة صديقين مقربين لسليمان منذ سنوات طويلة، حتى قبل زواجهما، وقد عرفاه جيدًا طوال تلك الفترة. كانا يعلمان أنه يعزف عن الزواج، ولا يسمح لأي امرأة بأن تحتل مكانًا في حياته، خاصة أنه كبير العائلة، وتقع على عاتقه مسؤوليات ضخمة تجعله منشغلًا دائمًا بأعماله وشؤون عائلته. وكان جون كثيرًا ما ينصحه بألا يقضي حياته وحيدًا، وأن يمنح نفسه فرصة للتقرب من الجنس الآخر، وتكوين صداقات، وربما الارتباط والزواج يومًا ما. لذلك، عندما سمع أخيرًا أن سليمان قد خطب، شعر بسعادة كبيرة من أجله، وكأن صديقه قد اتخذ أخيرًا خطوة طالما تمنى أن يراه يتخذها. التفت سليمان إلى ملك، وقال بابتسامة وهو يشير إلى صديقه: — ملك حبيبتي، أود أن أقدم ل
ظلت ملك جالسة في مكانها، تحدق في سليمان بعينين متسعتين من شدة الصدمة. لم تكن قادرة على تصديق ما سمعته للتو. أحقًّا ينوي تقديمها إلى ضيوفه على أنها خطيبته؟! شعرت وكأن كلماته هوت عليها كالصاعقة، فتجمدت في مقعدها، ولم تستطع النطق بحرف واحد. ظلت صامتة، عاجزة عن استيعاب جرأته في إطلاق مثل هذا الادعاء، وكأنها لا تزال تنتظر أن يخبرها بأنه يمزح أو أن ما قاله لم يكن سوى خدعة. مرت لحظات قبل أن تبدأ في استعادة وعيها تدريجيًّا، ثم رفعت عينيها إليه وقالت بصوت اختلط فيه الذهول بالغضب: — ماذا تقول أنت؟! ابتسم سليمان وهو يتأمل حالتها والصدمة الواضحة على ملامحها، ثم أجابها بهدوء مستفز: — كما سمعتِ تمامًا. سأقدمكِ إليهما على أنكِ خطيبتي. اشتعل الغضب داخل ملك، فنهضت من مقعدها دفعة واحدة، وقالت بحزم: — مستحيل! أنا لا أوافق على هذا إطلاقًا! لم يبدُ على سليمان أي اهتمام باعتراضها. وضع ساقًا فوق الأخرى، وأكمل احتساء قهوته قبل أن يقول ببرود: — ليس الأمر متروكًا لمزاجكِ. أنا من يقرر، وأنا من يحدد ما الذي سيحدث وما الذي لن يحدث. كادت ملك تصرخ في وجهه، وكانت على وشك أن تطلق العنان لاعتراضها وتخبره بكل
Ulasan-ulasan