Home / الرومانسية / أسرار خلف أسوار العائلة / الفصل الثامن: تقاطع الموت والاعترافات الأخيرة

Share

الفصل الثامن: تقاطع الموت والاعترافات الأخيرة

last update publish date: 2026-08-20 19:14:53

كانت قطرات المطر تبدأ بالهطول بغزارة خارج القوارير الزجاجية، بينما كان ميرت يصارع بركان الغضب والذهول في صدره، ومسدسه ما زال مسلطاً نحو سليم الذي لم يفقد هدوءه المميت ولم يرمش له جفن.

لكن صرير الباب الخلفي المؤدي إلى الشرفة وانطفاء المصباح المفاجئ جعلا سليم يقطب جبينه للمرة الأولى، متخلياً عن ابتسامته الساحرة؛ فليست هذه ترتيباته، ولم يكن يتوقع ضيفاً ثالثاً في هذه الليلة السوداء! في ذلك الظلام الدامس، وبينما ومضات البرق تنعكس بشكل مرعب على جدران المكتب، تقدمت خطوات بطيئة وثابتة من اتجاه الشرفة. رائحة عطر نسائي حاد ومألوف بدأت تملأ المكان.. رائحة مزجت بين عبق الورد الجوري وبرودة المطر. توقف الشخص عند حافة عتبة الشرفة المظلمة، ليمتد شعاع برق خاطف يضيء ملامح الوجه بوضوح صادم!

لم تكن سوى إيلول! نعم، هي بنفسها. وقفت وبيدها مسدس صغير موجه بثبات نحو رأس سليم أصلان مباشرة، وعيناها تلمعان بنظرة انتقام متوقدة تحرقت لأجلها طوال عشرين سنة. لم تكن تبدو مفاجأة بوجودهما معاً، بل كأنها جاءت لتلتقط اللحظة الحاسمة التي يتقاطع فيها مصير الرواية بأكملها.

قالت إيلول بصوت هادئ، لكنه كفيل بتمزيق صمت الغرفة المظلمة:

— "يبدو أن الحفلة بدأت متأخرة قليلاً.. أليس كذلك يا سليم؟ أو يجب أن أقول: يا قاتل أبي؟" اتسعت عيناه ميرت من شدة الصدمة؛ فهو لم يعد يدرك أين تبدأ الحقيقة وأين تنتهي الكذبة. هل جاءت إيلول لتقتله هو أيضاً، أم أن خيوط اللعبة دارت لتجمعهما في نقطة واحدة ضد عدوهم المشترك؟

انخفضت أنفاس الثلاثة وسط صوت الرعد المجلجل في الخارج. سليم أصلان، الذي كان يمسك بزمام كل شيء، وجد نفسه الآن محاصراً بفوهة مسدسين؛ أحدهما بيد الشاب الذي ربّاه ليكون أداة انتقامه، والآخر بيد ابنة عدوه الذي تخلص منه قبل عقدين من الزمن. قال سليم بصوت متحشرج يحاول إعادة السيطرة على الموقف، متجاهلاً وجود إيلول أو محاولاً اللعب على وتر المشاعر وتشتيت الانتباه:

— "إيلول.. ابنة عاصم الراحل. كم تبدين تشبهين والدكِ في العناد والتهور. لكنكِ لا تعرفين شيئاً. هذا الواقف أمامكِ، والذي تشهرين مسدسكِ بوجهه، لم يكن سوى بيدق في لعبتي الكبرى. هل تعتقدين حقاً أن ميرت هو ابن عائلة أصلان الحقيقي؟ اسأليه.. دعيه يخبركِ من هو حقاً! إنه ليس سوى ثمرة خطيئة دمرت عاصم بنفسه." التفتت إيلول بنصف عودها نحو ميرت، وعيناها تتسعان بذهول مختلط بالريبة. رأت ملامحه الشاحبة والدموع التي كادت تفر من عينيه غضباً وقهراً، فأدركت أن هناك سراً أرعب بكثير مما تتخيل. صاحت إيلول بصوت حاد يقطع الأنفاس:

— "ع عن ماذا يتحدث هذا العجوز الماكر يا ميرت؟ ما الذي يخفيه عنك أيضاً؟ تحدث ولاقِني بالحقيقة!"

أراد ميرت أن ينطق، أن يصرخ بأعلى صوت، أن يفرغ كل هذا الجحيم بطلقة واحدة تريح صدره من ثقل الأكاذيب، لكن كلمات سليم السابقة حول "السر الأخير لنهاية عاصم" ظلت تتردد في أذنه كالسحر الأسود. هل يضحي بالحقيقة الكاملة لأجل انتقام سريع وأعمى؟ أم يستمع لإيلول ويوجهان أسلحتهما نحو العدو الحقيقي المشترك الذي دمر عائلاتهم؟ قبل أن تفتح إيلول النار، وققبل أن يضغط ميرت على الزناد لإنهاء هذه المهزلة، اندفع برق هائل أضاء الغرفة بأكملها كنهار غاضب، تلاه صوت انفجار مرعب لخطوط الكهرباء الخارجية في قصر أصلان، ليغرق المكان في سواد دامس ومطلق، لا يخرقه سوى أصوات الأنفاس المتسارعة وثقل اللحظة المعلقة على حافة الهاوية.

في ذلك الظلام الدامس، سمع صوت حركة سريعة ومباغتة، وصوت سقوط جسم ثقيل على الأرض الخشبية، تلاه صوت انغلاق باب أو نافذة بالقوة، ثم انطلق صوت رصاصة واحدة عمياء مزق صمت القصر بأكمله!لما سكنت الأجواء لثوانٍ معدودة، وعاد ضوء الشموع الضعيف ليتسرب من الممر المظلم.. من كان الساقط على الأرض؟ ومن أطلق الرصاصة الغامضة؟ وهل هرب سليم أم أصيب أحد منهما في هذا الفوضى العارمة؟

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • أسرار خلف أسوار العائلة   الفصل الخامس والخمسون: رصاصة الحسم.. وسقوط العرش الأخير

    [ 00:08 ]لم يرمش عمر، ولم يتردد لجزء من الثانية. لم تكن عيناه تبحثان عن قلب عاصم لصناعة نهاية بطل تراجيدي، بل انصب تركيزه بالكامل على الهدف المباشر. دَوّى صوت الرصاصة ليشق صمت القاعة الباردة، ومضت فوهة المسدس بلهب أصفر خاطف أضاء الظلام للحظة.اخترقت الرصاصة معصم عاصم أصلان الأيمن بدقة جراحية. تطايرت قطرات الدماء في الهواء، وانفتحت أصابعه رغماً عنه، ليُفلت جهاز التحكم قبل أن يتمكن من الضغط عليه بالكامل. صرخ عاصم بألم حاد وتراجع خطوتين للخلف، تاركاً تولين مكشوفة.[ 00:05 ]"كاران.. الآن!" صرخ عمر وهو يندفع للأمام.لم ينتظر كاران الأمر مرتين. انقض كالثور الهائج من الزاوية المظلمة، ورمى بجسده الضخم فوق الكرسي الخشبي الذي قيدت عليه تولين، دافعاً إياها بقوة نحو الممر الخرساني الجانبي. في ذات اللحظة، ركل عمر جهاز التحكم بعيداً في العتمة، لكن شاشة العداد الرئيسية على الجدار لم تتوقف.[ 00:02 ][ 00:01 ][ 00:00 ]حبس الجميع أنفاسه، وتصلبت العضلات بانتظار الجحيم.وقع الانفجار، لكنه لم يكن الجحيم المنتظر. بدلاً من كرة نار تبتلع المصنع بأكمله، سُمع دوي مكتوم من القبو السفلي، تبعه اهتزاز عنيف في

  • أسرار خلف أسوار العائلة   الفصل الرابع والخمسون مزاد منتصف الليل في بيكوز.. وخدعة النفق 404"

    ساد الذهول أرجاء الشقة السرية في حي الفاتح عقب انقطاع بث عاصم أصلان. كانت الضوضاء الرقمية للشاشة السوداء ترمي ضوءاً رمادياً باهتاً على الوجوه المنصدمة. كانت إيلول تتنفس بسرعة وهي تثبت يديها على الطاولة، بينما وقف كنان مجمداً في مكانه، وعيناه لا تفارقان نقطة انقطاع البث.وحده عمر كان يقف كالصخرة، يداه في جيبي معطفه المبلل، وعيناه المشتعلتان تركزان على التفاصيل الدقيقة خلف صورة عاصم."مستحيل.." همست إيلول بصوت مرتجف. "القصر احترق بالكامل، المكتبة تفحمت أمام أعيننا.. كيف خرج حياً؟"خطا كنان نحو حاسوب بهار، وضغط زر إعادة التشغيل للثواني الأولى من اللقطة. "بهار.. بطّئي اللقطة عند الزاوية اليسرى خلف ظهر عاصم."قاطعت بهار شاشة العرض، وقرّبت الصورة. ظهر باب فولاذي رمادي صغير، مدمج داخل الجدار الحجري المتفحم للمكتبة، ينفتح نحو الأسفل.أشار كنان بإصبعه نحو الباب: "هذا هو السر. عاصم لم ينجُ بمعجزة، بل بتخطيط سري. أثناء بناء القصر، أعدّ نفقاً مصفحاً خرسانياً مقاوماً للحرارة يمتد مباشرة تحت أرضية الغرفة 404، ويهبط إلى مجرى مائي مرتبط بالبوسفور. نزل إلى النفق قبل ثوانٍ فقط من الانفجار، واستخدم طاقم

  • أسرار خلف أسوار العائلة   الفصل الثالث والخمسون مصيدة ممر العطارين.. والوجه الحقيقي للشبح

    كان صمت "ممر العطارين" أثقل من الحجر المبلل بماء المطر. رائحة الإسفلت البارد اختلطت بعبق التوابل القديمة المخزنة في دكاكين الزقاق. عند عتبة الممر الخارجي، وقفت ثلاث سيارات دفع رباعي سوداء معتمة. محركاتها انطفأت بتزامن تام، كأجسام معدنية ميتة لا ينبعث منها سوى رذاذ عوادم باهت يتبدد في العتمة.فوق السطوح المائلة المتلاصقة، كان حسين ومحمد يرابضان خلف المزاريب الحجرية. المطر يضرب ظهريهما، وأيديهما تعصر أجهزة الاتصال اللاسلكية بترددها المغلق.في الأسفل، خلف بوابات المقهى الحديدية وعربات الخردة المتراكمة، تمترس كاران بجسده الضخم، وبجانبه وقف علي بعينين تراقبان كل زاوية، وأنفاس هادئة ومدروسة. في المنتصف، وقف عمر يلماز يشد ياقته البنية، عيناه تنفذان عبر عتمة الزقاق برصانة جليدية.طقطق اللاسلكي في أذن عمر بصوت حسين الخافت:"عمر.. طفوا المحركات. دا ينزلون."ضغط عمر على زر جهازه، ورد بصوت لا يتجاوز الهمس:"عدد وتسليح؟"جاء صوت محمد من الجهة المقابلة للسطح:"ثمانية. معاطف تكتيكية. أسلحة كاتمة، وأجهزة مسح. مو رجال شوارع.. هؤلاء محترفين."انفتحت أبواب السيارات الثلاث بصمت مريب. نزل الرجال الثمانية

  • أسرار خلف أسوار العائلة   الفصل الثاني والخمسون: رفض العرش.. ونداء الفاتح

    كانت قطرات المطر تضرب النوافذ العالية للقاعة التناظرية المعتمة في أوسكودار بقسوة، وكأن السماء تشارك في هذا التوتر الخانق. في وسط القاعة، حيث تنبعث رائحة الغبار القديم والأسلاك المحترقة، وقف عمر بثبات. لم يكن هناك سوى وميض الشاشة العملاقة التي تعرض طيف عاصم أصلان، ذلك الشبح الرقمي الذي يظن أنه لا يزال يتحكم بخيوط اللعبة.تردد صوت عاصم في أرجاء القاعة عبر مكبرات الصوت القديمة، يحمل نبرة استعلاء معتادة، نبرة تنتظر من عمر أن ينحني، أن يفاوض، أو أن يعود خطوة للوراء كما كان يفعل "ميرت" في الماضي.لكن عمر لم يتحرك. يداه كانتا مسترخيتين في جيبه معطفه المبلل، وعيناه مثبتتان على الشاشة ببرود قاتل."انتهى العرض يا عاصم؟" قاطعه عمر بصوت خفيض، حاد، يقطع صمت القاعة كشفرة سكين.توقف وميض الشاشة للحظة. "اربعه وعشرون ساعة، يا عمر. إما العرش الذي أقدمه لك.. أو الرماد الذي سأحيل إليه حيك."ابتسم عمر ابتسامة جافة لم تصل إلى عينيه. خطا خطوة واحدة فقط نحو الشاشة، رافعاً رأسه بتحدٍ خالص: "اسمعني زين. أنا عمر يلماز.. ابن الشارع والفاتح، لست ميرت. إمبراطوريتك القذرة ستدفن معك، ومستحيل أن أبيع ناسي بمفاتيحك ال

  • أسرار خلف أسوار العائلة   الفصل الحادي والخمسون: فخ أوسكودار.. وسقوط البيدق الأخير

    ساد صمت جنائزي داخل الشقة السرية، صمتٌ ثقيل لم يقطعه سوى طنين خافت يصدر من الهاتف المشفر الذي لا يزال في يد عمر. لم تكن الكلمات التي نطق بها عاصم أصلان مجرد تهديد عابر، بل كانت زلزالاً ضرب أساسات الغرفة. "أهلاً بك يا عمر يلماز في منتصف الطريق".. جملة واحدة كانت كفيلة بإلغاء كل الانتصارات الصغيرة التي حققوها، لتضعهم وجهاً لوجه أمام حقيقة أنهم كانوا يقاتلون ظلاً، بينما يقف الشيطان الحقيقي يراقبهم من مقعده الوثير.تراجعت بهار خطوة إلى الوراء، وعيناها تتسعان بذهول غير مسبوق، بينما استند المدعي العام "نهاد بيك" بكلتا يديه على عصاه الخشبية، وكأن ثقل السنين قد تضاعف فجأة على كتفيه. هذه مصيدة، يا عمر،" كسر نهاد بيك الصمت بصوت خشن يحمل إنذاراً مبكراً. "البطاقة السوداء، الإحداثيات في أوسكودار، وتوقيت الاتصال.. عاصم لا يترك شيئاً للصدفة. ذهابك إلى هناك بمفردك يعني الانتحار. إنه يستدرجك لملعبه، حيث لا قانون يحميك ولا شارع يساندك."أنزل عمر الهاتف ببطء، ونظر إلى شاشته المنطفئة. لم تكن ملامحه تحمل ذرة من الخوف، بل غلفتها برودة جليدية، وعيناه تشتعلان بتصميم أعمى. رفع نظره نحو نهاد بيك، وقال بنبرة ث

  • أسرار خلف أسوار العائلة   الفصل الخمسون: محطة المنتصف.. ونداء الغرفة 404

    تردد صدى طقطقة جهاز التسجيل التناظري القديم في زوايا مكتب جهاد المظلم، كأنه مطرقة تدق مسامير نعشه ببطء. كان يجلس خلف مكتبه الزجاجي الواسع، لكنه بدا منكمشاً، محطماً، يتصبب عرقاً بارداً رغم برودة الفجر. أعاد تشغيل الشريط للمرة الخامسة. لم يكن يتخيل يوماً أن الصوت الهادئ، الأجش، والمرعب لعاصم أصلان سيخرج من العتمة ليخنقه. "أضعت الإمبراطورية التي بنيتها بالدم..." ترددت الجملة في رأسه، ليدرك أن الخدعة النفسية التي حاول ممارستها لترهيب الشارع باسم الشبح، لم تكن سوى ارتداد مميت. لقد كان هو حجر الشطرنج الذي يحركه عاصم من الظلام.في الوقت ذاته، وعلى بعد أميال من هذا الانهيار، كانت الشقة السرية في حي الفاتح تنبض بحركة دؤوبة. جلس المدعي العام نهاد بيك متكئاً على عصاه، بينما وقف المحقق محمد، أحد أكثر رجاله ثقة، يفرز ملفات مشفرة تمت مصادرتها. أمام الشاشة المضيئة، كانت بهار تواصل التقاط الإشارات وتحليلها."انتهى الأمر يا نهاد بيك،" قالت بهار وعيناها لا تفارقان توهج الشاشة الأزرق. "جهاد فقد السيطرة بالكامل. الاتصالات التي التقطناها بين قادة المرتزقة تؤكد أن حالة من الذعر تجتاح صفوفهم. الخدعة التي اف

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status