Mag-log inتستفيق على كابوسٍ امتد ثلاث سنوات... زواجٌ بلا لمس… بلا اعتراف… بلا وجود. رجلٌ تحمل اسمه… لكنه لم يحملها يومًا في قلبه. زوجةٌ تعيش كأنها شبح—تراه، تنتظره، تحترق لأجله وهو لا يشعر بوجودها أصلًا. وبين عائلةٍ لا ترى فيها سوى “رحمٍ مؤجل” وزوجٍ ينظر إليها كوصمةٍ يخجل منها كانت تسأل السؤال الذي ينهش روحها كل ليلة: كيف تُنجب من رجلٍ لم يمنحها حتى حق أن تكون زوجته؟ لكن الحقيقة لم تكن مؤلمة فقط… بل مُهينة. في لحظةٍ واحدة ينكشف كل شيء— قلب ظافر لم يكن لها يومًا… كان ولا يزال لامرأةٍ أخرى. وأمام الجميع تنكسر كأنها لم تكن يومًا إنسانة بل مجرد وهمٍ انتهى. لكنهم أخطأوا في شيءٍ واحد… ظنّوا أنها ستبقى لكنها حين وصلت إلى أقصى حدود الانكسار… لم تبكِ… لم تنهار… بل اختارت أن تختفي. لا صراخ. لا وداع. لا حتى محاولة أخيرة. تركتهم جميعًا… وخلّفت وراءها فراغًا لم يكن أحد مستعدًا له... خصوصًا هو. ظافر… الذي لم يحبها يومًا— يبدأ في السقوط… ببطءٍ مرعب. غيابها لم يكن راحة كما توقع… بل كان بداية انهياره. صوتها في الصمت. ظلها في كل زاوية. ذكرياتها تطارده حتى في نومه… وكأنها لم ترحل— بل تسللت داخله. لكن الحقيقة التي ستدمره… لم تكن هنا. سيرين لم تهرب فقط من زواجٍ ميت… بل من موتٍ حقيقي يزحف داخلها بصمت. أما هو— فبدأ يفهم متأخرًا أنها لم تكن عبئًا… بل كانت روحه التي لفظها بيده. تمر السنوات وتظهر سيرين—لا كضحية… بل كإعصار. امرأة لا تشبه تلك التي كسروها... لا تنحني… ولا تنتظر… ولا تحب. تنظر إليه بجفاء ثم تبتسم: "من أنت؟! أنا لا أعرفك؟ وإن كنا قد التقينا يوماً فلا أعتقد أنك من نوعي المفضل" وهنا… يحدث أسوأ ما يمكن أن يحدث لرجلٍ مثله— يقع في حبها. بجنون. بعجزٍ قاتل. هو من يركض… وهي من لا تلتفت. حين يتحول الحب إلى لعنة… والندم إلى سجن… والقلب إلى ساحة حربٍ خاسرة من سينجو هذه المرة؟
view moreالفصل1
تناثرت حبات المطر الغزيرة كدموعٍ ترفض أن تهدأ فارتفعت رائحة التراب المبتل ممتزجة بشعورٍ باردٍ يتسلل إلى العظام. عند مدخل المشفى، وقفت سيرين كتمثال نُحت من ألمٍ وصمت. جسدها النحيل يهتز ارتجافًا، ليس فقط من البرد الذي يطارد أطرافها، ولكن من زلزال داخلي يمزق قلبها... تمسك بيديها المرتعشتين ورقة التقرير. أخذت عيناها تحدق في الكلمات المطبوعة بجمودٍ بارد، كلمات تخلو من أي رحمة أشبه بسكين مغروسة في صدر الأمل: **"لم يتم اكتشاف أي حمل."** شعرت للحظة وكأن الأرض تنزلق من تحت قدميها، وكأن الهواء المحيط بها قد قرر أن يحجب عنها أنفاس الحياة. "لقد تزوجتِ منذ ثلاث سنوات، كيف لم تصبحي حاملاً بعد؟" سألتها والدتها سارة بنبرة مشوبة بالخيبة، وهي تشير بإصبعها إلى وجه سيرين. كانت سارة سيدة أرستقراطية، ترتدي ملابس فاخرة وكعبًا عاليًا، تعلو ملامح وجهها ابتسامة جليدية مستفزة تبرز كماً من التعالي والبرود، واستكملت بتهكمٍ: "لماذا أنت عديمة الفائدة إلى هذا الحد؟ إذا لم تحملي قريبًا، فسوف يطردك آل نصران من العائلة... ماذا سيحدث لعائلتنا إذاً؟" رمقتها سيرين بنظرة فارغة، كان لديها الكثير لتقوله، لكن الكلمات ظلت عالقة في حلقها. في النهاية، لم تستطع سيرين سوى أن تهمس: "أنا آسفة". ردت سارة بجفاء: "لا أريدك أن تتأسفي… أريدك أن تلدي طفل ظافر. هل تفهمين ما أقول؟" شعرت سيرين بضيق شديد في حلقها، ولم تعرف كيف ترد على سارة. خلال سنوات زواجها الثلاث، لم يمارس زوجها ظافر نصران أي علاقة جنسية معها مطلقًا. كيف يمكنها أن تنجب طفله؟ حملقت سيرين بسارة، تلمح التناقض الشديد بين ضعفها وبين تعجرف والدتها. وأخيرًا، قالت سارة ببرود قبل أن تغادر: "إذا لم تتمكني حقًا من منحه طفلًا، فابحثي له عن امرأة تستطيع فعل ذلك... على الأقل سيقدر لكِ هذا". حدقت سيرين في أثر سارة المنسحبة بعدم تصديق. هل أخبرتها والدتها للتو أن تبحث عن امرأة أخرى كي ينام معها زوجها؟ كان قلب الأم باردًا مثل المطر المتجمد... عن أي أم نتحدث، إنها الخذلان في أحقر صوره! بينما كانت سيرين في طريقها إلى المنزل، لم تستطع التوقف عن التفكير في كلمات سارة الوداعية. فجأة، غزى أفكارها رنين عالٍ يضج في أذنيها، فأدركت أن حالتها قد ساءت. وفي تلك اللحظة، تلقت رسالة على هاتفها. كانت الرسالة من ظافر، تحمل في طياتها نفس الكلمات الباردة المعتادة: "لن أعود إلى المنزل الليلة". على مدار السنوات الثلاث الماضية من زواجهما، لم يقضِ ظافر ليلة واحدة في المنزل، ولم يلمس سيرين قط... كانت مجرد شبحٍ في حياته. تذكرت سيرين ليلة زفافهما، حين قال لها ببرودٍ قاسٍ: "بما أن عائلتك جريئة بما يكفي لخداعي وإقناعي بالزواج منكِ، فمن الأفضل أن تكوني مستعدة لقضاء بقية حياتك في عزلة". كانت تعيش في قمة الخيبة، زواج مع إيقاف التنفيذ! قبل ثلاث سنوات، قررت عائلتا تهامي ونصران تشكيل تحالف من خلال الزواج... كان الاتفاق مُبرمًا على شروط تفيد كلا العائلتين. ولكن عندما جاء يوم الزفاف، تراجعت عائلة تهامي عن وعدها ونقلت كل أصولها، بما في ذلك الملايين من الدولارات التي دفعها ظافر للزواج من سيرين. تلاشت عينا سيرين عند تذكرها لهذا الأمر المؤلم... وردت على رسالة ظافر النصية بإجابتها المعتادة: "حسنًا". كانت الكلمة تحمل في طياتها كل الاستسلام والخضوع الذي عشّش في قلبها. ودون أن تدرك، انكمشت تقارير الحمل التي كانت تحملها بين يديها، فتمزقت بعض الشيء بفعل قبضتها المشدودة. شعرت سيرين وكأن حياتها تمزقت كما الأوراق التي بين قبضتيها، ومع كل تمزق كان أملها في الحياة يتلاشى أكثر. تحملت سيرين سنوات من الوحدة والبرود، عانت العزلة القاسية والقهر الصامت. لكن رغم كل ذلك، كانت تأمل في معجزة تغير مسار حياتها وتعيد إليها البسمة والدفء. كل شهر، في هذا الوقت، تشعر سيرين بخمول غير عادي، ولم تكلف نفسها عناء تجهيز العشاء، بل كانت تتكئ على الأريكة، تغفو من حين لآخر. ظل الطنين في أذنها مستمرًا، ليذكرها بضعف سمعها الذي كان سببًا آخر لكراهية ظافر لها. في الساعة الخامسة صباحًا، رنت ساعة البندول على الحائط بصوت خافت، فأدركت سيرين متأخرة أنها نامت على الأريكة، لذا نهضت مسرعة وذهبت إلى المطبخ لإعداد إفطار ظافر. كان ظافر رجلاً دقيقًا وصارمًا بشأن الالتزام بالمواعيد، ليس فقط مع نفسه ولكن أيضًا مع من حوله، وكالمعتاد وصل إلى المنزل في تمام الساعة السادسة تمامًا. ظافر، الرجل الطويل الوسيم ذو البدلة الأنيقة، كان يتسم بسلوك هادئ ومتحفظ، ولكنه بلا شك كان رجوليًا.. ومع ذلك، بالنسبة إلى سيرين، كان باردًا وبعيدًا. لم ينظر حتى إليها... مر بجانبها مباشرة، وهو ينظر إلى الطعام على الطاولة وقال بسخرية: "أنتِ تفعلين هذا كل يوم... هل أنت مربية أم ماذا؟" على مدى السنوات الثلاث الماضية، كانت سيرين تعيش في دوامة متكررة... ترتدي نفس الملابس الداكنة، وترد على رسائله بنفس الكلمة المفردة. حياتها لم تكن سوى مجرد انعكاس باهت لرغباته وأوامره بلا أي بصيص من الأمل أو التغيير. لو لم يكن هناك تحالف تجاري وخداع من عائلة تهامي، لما فكر ظافر في الزواج من امرأة مثل سيرين. عند سماع كلمة "مربية"، عاد الطنين في أذني سيرين التي ابتلعت بصعوبة، وشعرت بغصة في حلقها، ثم قالت بشجاعة: "ظافر، هل لديك شخص تحبه؟" تفاجأ ظافر بسؤالها، فأظلمت عيناه: "ماذا تقصدين بذلك؟" رفعت سيرين رأسها وحدقت في عينيه، تحاول ابتلاع الصفراء التي تتصاعد في مؤخرة حلقها. "إذا كنت تحب امرأة أخرى، يمكنك أن تكون معها" قبل أن تتمكن من إنهاء كلامها، قاطعها ظافر بحدة: "أنت مجنونة". بعد مغادرة ظافر، جلست سيرين على الشرفة بمفردها، تنظر إلى المطر البارد... صوت قطرات المطر يتسلل إلى عالمها المختنق بالصمت. خلعت سماعات الأذن، مما جعل العالم يغرق في السكون القاسي. قبل شهر، أخبرها طبيبها: "سيدة سيرين تهامي، هناك تغير مرضي في أعصابك السمعية وبعض الأعصاب القحفية، مما تسبب في تدهور سمعك... وإذا استمر هذا التغير، فقد تفقدين سمعك تمامًا". ولأنها لم تعتد على عالم صامت، توجهت سيرين إلى غرفة المعيشة وشغلت التلفاز... ثم رفعت مستوى الصوت إلى الحد الأقصى، مما سمح لها بسماع بعض الأصوات المشتتة. بالمصادفة، كان التلفزيون يعرض مقابلة مع دينا، المطربة المشهورة بأغانيها العاطفية. جلست سيرين في محاولة للبحث عن بصيص من الراحة في كلمات وألحان أغانيها، متمنية أن تجد في تلك النغمات ما ينقذ قلبها من براثن الوحدة. ارتجفت يدا سيرين وهي تمسك بجهاز التحكم عن بعد، وكأنها تمسك على مشاعرها الجياشة. دينا كانت الحب الأول لظافر، وأول من شغف قلبه... لم ترها سيرين منذ زمن، لكنها لم تتغير. دينا ما زالت تحتفظ بجمالها وثقتها، تقف أمام الكاميرات بكامل أناقتها، مختلفة تمامًا عن تلك الفتاة الخجولة التي توسلت لعائلة تهامي لرعايتها. عندما سألها المحاور عن سبب عودتها إلى الوطن، ردت بشجاعة: "عدت لأستعيد حبي الأول." انزلقت من بين يدي سيرين جهاز التحكم عن بعد، وكأن قلبها هو الآخر هبط إلى قاع معدتها. ازداد هطول المطر في الخارج كثافة، وكأنه يعكس اضطراب مشاعرها. أغلقت سيرين التلفاز في حالة من الارتباك، واتجهت لتنظيف بقايا الفطور. وعندما وصلت إلى المطبخ، اكتشفت أن ظافر قد نسي هاتفه. التقطته بيديها المرتجفتين، وبدأت تطالع الرسائل غير المقروءة على شاشة القفل. "ظافر، لا بد أنك كنت تعاني في السنوات الماضية، أليس كذلك؟" "أعلم أنك لا تحبها. ماذا لو التقينا الليلة؟ لقد اشتقت إليك كثيرًا." ظلّت سيرين تحدق في الرسائل بلا تعبير، حتى أصبحت الشاشة مظلمة مجددًا. طلبت سيارة أجرة إلى مكتب ظافر، وفي الطريق كانت تحدق عبر النافذة. المطر ينهمر بغزارة وكأنه يرفض التوقف، يعكس تمامًا حالتها النفسية المتردية. لم يكن ظافر يحب زيارة سيرين له في المكتب، لذلك اعتادت على أخذ المصعد الخدمي من منطقة التحميل. عندما رآها مساعد ظافر، ويدعى ماهر الذي استقبلها ببرود قائلاً: "السيدة سيرين". لم يُعاملها أحد في محيط ظافر كزوجة له، بل كانت مجرد عبء ثقيل على سمعته. عندما رآها ظافر تحمل له هاتفه، عبس وجهه بتجهم. "ألم أخبرك ألا تحضري أغراضي بنفسك؟" تجمدت سيرين في مكانها، معتذرة بصوت مرتجف: "آسفة، نسيت." منذ متى أصبحت ذاكرتها سيئة إلى هذا الحد؟ ربما أصابها الذعر بعد رؤية رسالة دينا، وأصبحت تخشى أن يختفي ظافر من حياتها فجأة. قبل أن تغادر، نظرت إلى ظافر بتوسل غير معلن... ولم تستطع أن تقاوم، فسألت بصوت متهدج: "ظافر، هل ما زلت تحب دينا؟" اعتقد ظافر أن سيرين تتصرف بغرابة في الآونة الأخيرة، نسيانها المتكرر وأسئلتها الغريبة أثار استغرابه... كيف لشخصية مثلها أن تكون زوجته؟ فأجابها بحدة غير مبالي: "إذا كان لديكِ وقت فراغ، اذهبي وابحثي عن شيء يشغلك." كانت سيرين قد حاولت من قبل العثور على وظيفة، لكنها اصطدمت بجدار الرفض من والدة ظافر، "شادية" ، التي وبختها دون رحمة: "هل تريدين أن يعرف الجميع أن ظافر تزوج امرأة تعاني من مشاكل في السمع؟" تخلت سيرين عن فكرة العمل، وركزت على حياتها الباهتة كـ"السيدة نصران"، تعيش في ظلال الوحدة والصمت. جلست في المنزل وحيدة حتى حلول الليل، والأرق يلتهمها من الداخل. رن الهاتف بجانب سريرها، وكان اتصالاً من رقم غير مألوف. ردت على المكالمة بصوت مهتز، وجاءها صوت مألوف تخشى سماعه: "هل هذه سيرين؟ ظافر مخمور. هل يمكنك أن تأتي لاصطحابه؟" وصلت سيرين إلى النادي، لتسمع ضجيج الهتافات والسخرية العالية من الورثة الأثرياء داخل الغرفة الخاصة. "ظافر، ألم تقل إنك عدت لتستعيد دينا العزيزة بين ذراعيك؟ هذه فرصتك الآن... هيا، أخبرها بما تشعر به!" كانت دينا، المرأة الجميلة ذات الشعبية الطاغية، محاطة بالإعجاب أينما ذهبت. حب ظافر الأول، لذلك كان الأثرياء الشباب من الطبقة العليا يهللون لها ولظافر. دينا لم تتردد، نظرت إلى ظافر بعينين لامعتين وقالت بصراحة: "أنا معجبة بك يا ظافر. أرجوك كن معي مرة أخرى." كان قلب سيرين يتقلص من الألم، ترى حب ظافر يتجدد أمام عينيها، وتشعر بالعجز والضعف يغمرانها وكأن كل قطرة مطر في تلك الليلة تعزف على أوتار قلبها المرهف. هذا ما وصل إلي أُذني سيرين عندما وقفت عند باب الغرفة الخاصة. داخل الغرفة، كان الجميع يضغطون على ظافر ليجيب دينا، وكان طارق، صديقه المقرب، هو الأكثر صراحة بينهم. "ظافر، لقد انتظرت دينا ثلاث سنوات... ها هي عادت الآن... لذا، هيا، أجبها!" تجمدت سيرين في مكانها خارج الباب، قلبها ينبض بعنف. وفي تلك اللحظة، فتح أحد الرجال الباب. "السيدة نصران؟"الفصل 570لكن ظافر هز رأسه ورفض بهدوء.— لا، لست جائعًا… لم تعد لدي رغبة في تناول الطعام.لم يستسلم نوح بل دفع طبق الحلوى نحوه بإصرار واضح.— لا! عليك أن تأكل واحدة أخرى.كان إصراره فاضحًا إلى درجة جعلت سيرين، التي كانت تراقبهما من بعيد، تتدخل أخيرًا.قالت وهي تقترب منه:— نوح، هذا ليس من الأدب… إذا قال السيد ظافر إنه لا يريد، فلا تجبره.تراجع نوح فورًا إذ لم يجرؤ على الاعتراض أمام أمه واكتفى بالنظر إلى والده بخيبة أمل واضحة.غادر ظافر بعد ذلك إلى غرفة المعيشة لكن نوح لم يكن مستعدًا للتخلي عن خطته بهذه السهولة.انتظر حتى ابتعد الجميع ثم التقط إحدى قطع الشوكولاتة.— سأجربها بنفسي...أخذ قضمة صغيرة.وفي اللحظة التالية، اتسعت عيناه وقفز من مكانه.— إنها حارة!اندفع نحو كوب الماء الموضوع على الطاولة وشرب منه بسرعة.لكن المفاجأة كانت تنتظره.فقد كان الماء الذي أعده لظافر ساخنًا من الأساس وهو من نصب الفخ وها هو يقع فيه بنفسه.وما إن ابتلعه حتى ازدادت حرارة الفلفل في فمه وحلقه.— آه!بدأ نوح يلوح بيديه أمام وجهه ثم أخذ يلتقط أنفاسه بصعوبة.نظر إلى قطعة الشوكولاتة في يده، ثم تمتم بغضب:— لقد
الفصل 569كانت سيرين تنظر إلى ظافر بحيرة عاجزة عن فهم سبب سؤاله الغريب، لكنه تابع بصوت هادئ:— أنا لا أستطيع الرؤية.كانت تعرف ذلك جيدًا، لكنها أدركت من نبرته أنه لم يكن يتحدث عن عماه بوصفه حقيقة بل عن نظرات الناس التي كانت تلاحقهما طوال الطريق… فمنذ أن غادرا المطعم، لم تتوقف العيون عن ملاحقتهما فقد ظل البعض يلتفت خلسة وآخرون يتبادلون الهمسات وكأن وجود رجل كفيف وبهذه الوسامة وبرفقة امرأة أمر يستحق الفضول… ورغم أن ظافر لم يكن يرى شيئًا إلا أنه شعر بكل تلك النظرات… سمع الهمسات، والتقط نبرات الشفقة والاستغراب، فبحدسه يعرف متى يطيل أحدهم النظر إليه.صمتت سيرين قليلًا، ثم قالت بهدوء:— لا أعتقد أن فقدان البصر عيب في حد ذاته… العيب الحقيقي هو أن ينظر الإنسان إلى غيره باعتباره أقل منه بسبب شيء لم يختره.استقرت كلماتها في قلب ظافر.وفجأة، تذكر الماضي.تذكر الأيام التي كانا فيها معًا وكيف كان يغضب منها مرارًا بسبب ضعف سمعها… كان يضيق عندما تضطر إلى طلب إعادة كلامه، أو عندما لا تنتبه إلى ما يقوله من المرة الأولى.كم كان أحمق!فقد فهم الآن ألم أن يحكم الآخرون على الإنسان بسبب شيء لا ذنب له فيه،
الفصل 568لم تجد سيرين ما تقوله أمام كلمات ظافر الأخيرة فتوقفت للحظة ثم خفضت عينيها إلى طبقها وكأن الطعام أصبح فجأة أكثر شيء يمكنها الانشغال به… أخذت لقيمات صغيرة متظاهرة بأنها لم تسمع سؤاله أصلاً لكنها كانت تسمعه بوضوح… لم تكن المشكلة في أنها لا تملك جوابًا بل في أنها لم تعرف كيف تقوله.منذ عودتها، أصبحت تتجنب قبول أي مساعدة مهما كانت بسيطة… كانت تخشى أن تمد يدها لتأخذ شيئًا ثم تجد نفسها مدينة لصاحبه بشيء لا تستطيع رده… حتى لطف كوثر وظافر كانت تتعامل معه بحذر شديد كما لو أن وراء كل معروف دينًا ستُجبر يومًا على سداده؛ ولهذا السبب تحديدًا، لم تخبرهما بما عرفته عن جيما وزوي رغم يقينها بأنهما كانتا وراء ما حدث لها ولزكريا.أما ظافر، فجلس إلى جوارها عاجزًا كان يسمع صوت أدوات المائدة، وصوتها وهي تتناول الطعام لكنه لم يسمع شيئًا منها يخصه.كان التجاهل مؤلمًا على نحو لم يتوقعه.حاول أن يتناول طعامه لكنه لم يستطع فكلما مد يده إلى طبقه شعر بثقل في صدره حتى انتهت الوجبة تقريبًا وهو لم يأكل إلا القليل.وعندما نهضت سيرين استعدادًا للمغادرة، مدت يدها نحوه بعفوية.— هيا بنا.لكن ظافر سحب يده وقال ب
الفصل 567أمسك ظافر بيد سيرين قبل أن تبتعد وقال بنبرة هادئة تحمل إصرارًا واضحًا:— لا أستطيع أن أفعل ذلك… أريد أن أحتفل.سحبت سيرين يدها برفق وقالت ببرود حاولت أن تخفي به ارتباكها:— إذن احتفل وحدك.استدارت لتغادر لكنها لم تخطُ سوى خطوات قليلة حتى شعرت بيده تجذبها إليه. وفي لحظة، وجدت نفسها بين ذراعيه.شهقت بخفة ورفعت رأسها نحوه.— ظافر!ابتسم وكأنه لم يسمع احتجاجها ثم أحاطها بذراعيه أكثر، وقال بنبرة دافئة:— لا. هيا بنا نأكل… أنتِ تختارين المكان، وأنا سأدفع.تجمدت للحظة.من أين تعلّم هذا الأسلوب؟حاولت التملص منه لكنه شعر بحركتها فضمها إليه أكثر… لم يقل شيئًا هذه المرة، فقط بقي محتضنًا إياها، واثقًا من أن دفئه سيكون أكثر تأثيرًا من أي إقناع.شعرت سيرين بحرارة أنفاسه قربها وبذلك الإصرار الهادئ الذي لم تستطع تجاهله… لم تتوقع منه هذه الجرأة فظافر الذي اعتاد أن يتحدث معها بحذر أصبح فجأة قادرًا على إحراجها وإرباكها بهذه السهولة.تنهدت أخيرًا وقالت باستسلام:— حسنًا... هيا بنا.ارتسمت ابتسامة انتصار صغيرة على وجهه.وبما أنها لم تكن تخرج كثيرًا منذ عودتها، لم تعرف أين يمكنهما تناول وجبة جيد
الفصل1 تناثرت حبات المطر الغزيرة كدموعٍ ترفض أن تهدأ فارتفعت رائحة التراب المبتل ممتزجة بشعورٍ باردٍ يتسلل إلى العظام. عند مدخل المشفى، وقفت سيرين كتمثال نُحت من ألمٍ وصمت. جسدها النحيل يهتز ارتجافًا، ليس فقط من البرد الذي يطارد أطرافها، ولكن من زلزال داخلي يمزق قلبها... تمسك بيديها المرتعشتين
الفصل الخامس. تابعت سيرين الأخبار وشاهدت المؤتمر الصحفي الذي عقدته مجموعة نصران... كان المؤتمر إعلانًا عن نجاح ظافر في الاستحواذ على مجموعة تهامي... ابتسمت سيرين بحزن فالآن لم تعد شركة جمال التهامي موجودة في هذا العالم... وأخذت تردد بينها وبين حالها بأن الأمور في نهاية المطاف قد أصبحت أكثر متعة با
الفصل الرابع حتى سماعات الأذن خاصة سيرين كانت ملطخة باللون الأحمر، مما أثار في نفسها موجة من القلق والانزعاج. انقبضت حدقتا عينيها، وسرعان ما أمسكت ببعض المناديل الورقية لتجفف أذنيها، ثم خلعت ملاءات السرير وغسلتها بعناية فائقة.كانت خشيتها من أن تقلق فاطمة إذا اكتشفت أن حالتها الصحية تتدهور، فبادر
الفصل الثالث كان صوت سيرين هادئًا، خاليًا من أي مشاعر. انقبضت حدقة عين ظافر، وتوتر صوته: "ماذا قلتِ للتو؟" على مدى السنوات الثلاث الماضية، ورغم كل ما فعله، لم تلمح سيرين يومًا إلى الطلاق. كان ظافر يدرك في أعماقه أن سيرين تحبه بل تعشقه... لكن الآن، كانت عيناها اللتان اعتاد أن يرى بهما لمعة






Mga Ratings
RebyuMore