تسجيل الدخولتستفيق على كابوسٍ امتد ثلاث سنوات... زواجٌ بلا لمس… بلا اعتراف… بلا وجود. رجلٌ تحمل اسمه… لكنه لم يحملها يومًا في قلبه. زوجةٌ تعيش كأنها شبح—تراه، تنتظره، تحترق لأجله وهو لا يشعر بوجودها أصلًا. وبين عائلةٍ لا ترى فيها سوى “رحمٍ مؤجل” وزوجٍ ينظر إليها كوصمةٍ يخجل منها كانت تسأل السؤال الذي ينهش روحها كل ليلة: كيف تُنجب من رجلٍ لم يمنحها حتى حق أن تكون زوجته؟ لكن الحقيقة لم تكن مؤلمة فقط… بل مُهينة. في لحظةٍ واحدة ينكشف كل شيء— قلب ظافر لم يكن لها يومًا… كان ولا يزال لامرأةٍ أخرى. وأمام الجميع تنكسر كأنها لم تكن يومًا إنسانة بل مجرد وهمٍ انتهى. لكنهم أخطأوا في شيءٍ واحد… ظنّوا أنها ستبقى لكنها حين وصلت إلى أقصى حدود الانكسار… لم تبكِ… لم تنهار… بل اختارت أن تختفي. لا صراخ. لا وداع. لا حتى محاولة أخيرة. تركتهم جميعًا… وخلّفت وراءها فراغًا لم يكن أحد مستعدًا له... خصوصًا هو. ظافر… الذي لم يحبها يومًا— يبدأ في السقوط… ببطءٍ مرعب. غيابها لم يكن راحة كما توقع… بل كان بداية انهياره. صوتها في الصمت. ظلها في كل زاوية. ذكرياتها تطارده حتى في نومه… وكأنها لم ترحل— بل تسللت داخله. لكن الحقيقة التي ستدمره… لم تكن هنا. سيرين لم تهرب فقط من زواجٍ ميت… بل من موتٍ حقيقي يزحف داخلها بصمت. أما هو— فبدأ يفهم متأخرًا أنها لم تكن عبئًا… بل كانت روحه التي لفظها بيده. تمر السنوات وتظهر سيرين—لا كضحية… بل كإعصار. امرأة لا تشبه تلك التي كسروها... لا تنحني… ولا تنتظر… ولا تحب. تنظر إليه بجفاء ثم تبتسم: "من أنت؟! أنا لا أعرفك؟ وإن كنا قد التقينا يوماً فلا أعتقد أنك من نوعي المفضل" وهنا… يحدث أسوأ ما يمكن أن يحدث لرجلٍ مثله— يقع في حبها. بجنون. بعجزٍ قاتل. هو من يركض… وهي من لا تلتفت. حين يتحول الحب إلى لعنة… والندم إلى سجن… والقلب إلى ساحة حربٍ خاسرة من سينجو هذه المرة؟
عرض المزيدالفصل 571قال ظافر بنبرة امتزج فيها الاستنكار بشيء من التعاطف المتكلّف:"هل تمشي أثناء نومك؟"قطّب نوح حاجبيه، وبدا عليه الاستغراب الحقيقي."وكيف يُعقل هذا؟ لم أمشِ أثناء نومي قط!"لم يعلّق ظافر، ولم يدخل معه في نقاش طويل. اكتفى بأن قال بهدوء حاسم:"احزم أمتعتك وتعال معي إلى الشركة."وما إن سمع نوح كلمة "الشركة" حتى تبدّل مزاجه تمامًا، وانفرجت أساريره بحماس واضح."حسنًا!"كانت سيرين تعرف أنه سيرافق ظافر، فلم تعترض. اكتفت بأن أوصته قبل أن يغادر:"ابقَ إلى جواره، ولا تركض هنا وهناك، مفهوم؟"أومأ نوح بطاعة مصطنعة، ثم خرج مع ظافر.طوال الطريق، ظل نوح يحدّق من نافذة السيارة في الشوارع والمناظر الممتدة أمامه. كان يبدو سعيدًا على نحو لافت، وكأن الرحلة تحمل له مغامرة جديدة.وبعد نحو ساعة، توقفت السيارة أمام مبنى شاهق وفخم، تتلألأ واجهته الزجاجية تحت أشعة الشمس.رفع نوح رأسه، واتسعت عيناه بدهشة.كان المكان مألوفًا بشكل غريب."آي إم إنتربرايز..."تمتم بها في نفسه.ألم تكن هذه هي الشركة التي ذكرها زكريا من قبل؟الشركة التي حققت أرباحًا هائلة خلال الفترة الأخيرة، واستحوذت على أعمال عدد كبير من ال
الفصل 570لكن ظافر هز رأسه ورفض بهدوء.— لا، لست جائعًا… لم تعد لدي رغبة في تناول الطعام.لم يستسلم نوح بل دفع طبق الحلوى نحوه بإصرار واضح.— لا! عليك أن تأكل واحدة أخرى.كان إصراره فاضحًا إلى درجة جعلت سيرين، التي كانت تراقبهما من بعيد، تتدخل أخيرًا.قالت وهي تقترب منه:— نوح، هذا ليس من الأدب… إذا قال السيد ظافر إنه لا يريد، فلا تجبره.تراجع نوح فورًا إذ لم يجرؤ على الاعتراض أمام أمه واكتفى بالنظر إلى والده بخيبة أمل واضحة.غادر ظافر بعد ذلك إلى غرفة المعيشة لكن نوح لم يكن مستعدًا للتخلي عن خطته بهذه السهولة.انتظر حتى ابتعد الجميع ثم التقط إحدى قطع الشوكولاتة.— سأجربها بنفسي...أخذ قضمة صغيرة.وفي اللحظة التالية، اتسعت عيناه وقفز من مكانه.— إنها حارة!اندفع نحو كوب الماء الموضوع على الطاولة وشرب منه بسرعة.لكن المفاجأة كانت تنتظره.فقد كان الماء الذي أعده لظافر ساخنًا من الأساس وهو من نصب الفخ وها هو يقع فيه بنفسه.وما إن ابتلعه حتى ازدادت حرارة الفلفل في فمه وحلقه.— آه!بدأ نوح يلوح بيديه أمام وجهه ثم أخذ يلتقط أنفاسه بصعوبة.نظر إلى قطعة الشوكولاتة في يده، ثم تمتم بغضب:— لقد
الفصل 569كانت سيرين تنظر إلى ظافر بحيرة عاجزة عن فهم سبب سؤاله الغريب، لكنه تابع بصوت هادئ:— أنا لا أستطيع الرؤية.كانت تعرف ذلك جيدًا، لكنها أدركت من نبرته أنه لم يكن يتحدث عن عماه بوصفه حقيقة بل عن نظرات الناس التي كانت تلاحقهما طوال الطريق… فمنذ أن غادرا المطعم، لم تتوقف العيون عن ملاحقتهما فقد ظل البعض يلتفت خلسة وآخرون يتبادلون الهمسات وكأن وجود رجل كفيف وبهذه الوسامة وبرفقة امرأة أمر يستحق الفضول… ورغم أن ظافر لم يكن يرى شيئًا إلا أنه شعر بكل تلك النظرات… سمع الهمسات، والتقط نبرات الشفقة والاستغراب، فبحدسه يعرف متى يطيل أحدهم النظر إليه.صمتت سيرين قليلًا، ثم قالت بهدوء:— لا أعتقد أن فقدان البصر عيب في حد ذاته… العيب الحقيقي هو أن ينظر الإنسان إلى غيره باعتباره أقل منه بسبب شيء لم يختره.استقرت كلماتها في قلب ظافر.وفجأة، تذكر الماضي.تذكر الأيام التي كانا فيها معًا وكيف كان يغضب منها مرارًا بسبب ضعف سمعها… كان يضيق عندما تضطر إلى طلب إعادة كلامه، أو عندما لا تنتبه إلى ما يقوله من المرة الأولى.كم كان أحمق!فقد فهم الآن ألم أن يحكم الآخرون على الإنسان بسبب شيء لا ذنب له فيه،
الفصل 568لم تجد سيرين ما تقوله أمام كلمات ظافر الأخيرة فتوقفت للحظة ثم خفضت عينيها إلى طبقها وكأن الطعام أصبح فجأة أكثر شيء يمكنها الانشغال به… أخذت لقيمات صغيرة متظاهرة بأنها لم تسمع سؤاله أصلاً لكنها كانت تسمعه بوضوح… لم تكن المشكلة في أنها لا تملك جوابًا بل في أنها لم تعرف كيف تقوله.منذ عودتها، أصبحت تتجنب قبول أي مساعدة مهما كانت بسيطة… كانت تخشى أن تمد يدها لتأخذ شيئًا ثم تجد نفسها مدينة لصاحبه بشيء لا تستطيع رده… حتى لطف كوثر وظافر كانت تتعامل معه بحذر شديد كما لو أن وراء كل معروف دينًا ستُجبر يومًا على سداده؛ ولهذا السبب تحديدًا، لم تخبرهما بما عرفته عن جيما وزوي رغم يقينها بأنهما كانتا وراء ما حدث لها ولزكريا.أما ظافر، فجلس إلى جوارها عاجزًا كان يسمع صوت أدوات المائدة، وصوتها وهي تتناول الطعام لكنه لم يسمع شيئًا منها يخصه.كان التجاهل مؤلمًا على نحو لم يتوقعه.حاول أن يتناول طعامه لكنه لم يستطع فكلما مد يده إلى طبقه شعر بثقل في صدره حتى انتهت الوجبة تقريبًا وهو لم يأكل إلا القليل.وعندما نهضت سيرين استعدادًا للمغادرة، مدت يدها نحوه بعفوية.— هيا بنا.لكن ظافر سحب يده وقال ب
الفصل الخامس. تابعت سيرين الأخبار وشاهدت المؤتمر الصحفي الذي عقدته مجموعة نصران... كان المؤتمر إعلانًا عن نجاح ظافر في الاستحواذ على مجموعة تهامي... ابتسمت سيرين بحزن فالآن لم تعد شركة جمال التهامي موجودة في هذا العالم... وأخذت تردد بينها وبين حالها بأن الأمور في نهاية المطاف قد أصبحت أكثر متعة با
الفصل الرابع حتى سماعات الأذن خاصة سيرين كانت ملطخة باللون الأحمر، مما أثار في نفسها موجة من القلق والانزعاج. انقبضت حدقتا عينيها، وسرعان ما أمسكت ببعض المناديل الورقية لتجفف أذنيها، ثم خلعت ملاءات السرير وغسلتها بعناية فائقة.كانت خشيتها من أن تقلق فاطمة إذا اكتشفت أن حالتها الصحية تتدهور، فبادر
الفصل الثالث كان صوت سيرين هادئًا، خاليًا من أي مشاعر. انقبضت حدقة عين ظافر، وتوتر صوته: "ماذا قلتِ للتو؟" على مدى السنوات الثلاث الماضية، ورغم كل ما فعله، لم تلمح سيرين يومًا إلى الطلاق. كان ظافر يدرك في أعماقه أن سيرين تحبه بل تعشقه... لكن الآن، كانت عيناها اللتان اعتاد أن يرى بهما لمعة
الفصل الثاني نظر الجميع في الغرفة الخاصة نحو الباب، وغمر المكان صمت ثقيل... الأعين جميعها تتأمل ما سيحدث بعد تلك اللحظة المشحونة بالتوتر. كانت سيرين أول من رأت ظافر الذي يقف في وسط الغرفة، وعيناه متوهجتان بنقاء وصفاء وشعاع من الأمل يلمع فيهما، الأمر الذي بدا غريبًا مقارنة بما كان يُعتقد، وما كا






التقييمات
المراجعاتأكثر