Home / الرومانسية / أسرني شيطاني المفضل / الفصل الخامس والخمسون

Share

الفصل الخامس والخمسون

last update publish date: 2026-09-05 05:53:30

وبينما كانت الدموع تنهمر كشلالات حارقة على وجنتيها الشاحبتين، وشهقات البكاء المكتومة تمزق صدرها، شعرت فجأة بتيار هواء بارد يلفح مؤخرة عنقها. لم يمر سوى جزء من الثانية قبل أن تسمع صوت اصطدام الباب الخشبي الثقيل بإطاره، تبعه صوت نقرة قفل معدنية حاسمة ومرعبة. "كليك". تجمدت الدماء في عروقها، وتوقف قلبها عن الخفقان للحظة طويلة. استدارت ببطء شديد، وعيناها غارقتان في الدموع والرعب، لتجده يقف مستنداً بظهره العريض على الباب المغلق. لم يذهب إلى الاجتماع الطارئ، أو ربما كان الاجتماع مجرد فخ لاختبار ولائها، أو حيلة أمنية كشفت له خروجها من الجناح. كان يقف هناك، يرتدي بدلته السوداء التي تجعله يبدو كإله للموت، وعيناه الزمرديتان تشتعلان بنيران غضب لم ترها فيه من قبل، نيران تكاد تحرق الغرفة بمن فيها.

"لقد حذرتكِ يا قمر.." قالها بصوت أجش، منخفض، يحمل في طياته هديراً مرعباً كهدير عاصفة مدمرة تقترب. "حذرتكِ من الاقتراب من هذا الجناح.. حذرتكِ من العبث في مقابر ماضيّ التي أغلقتها بيدي لحمايتكِ".

نهضت قمر بصعوبة، مستندة إلى حافة المنضدة، ومسحت دموعها بظهر يدها بحركة غاضبة ويائسة. لقد تبخر خوفها فجأة ليحل محله غضب أنثوي عاصف، غضب امرأة شعرت بأن كرامتها وحبها قد داس عليهما هذا الرجل بلا رحمة. "حمايتي؟!" صرخت بصوت مهتز لكنه حاد كالشفرة، والتقطت الصورة من الأرض لترفعها في وجهه. "لحمايتي أم لحماية ذكراها هي؟! من هذه المرأة التي تحتفظ بملابسها وعطرها في غرفة سرية بينما تدعي أنني ملكة قلبك؟! هل أنا مجرد بديل رخيص لامرأتك السابقة؟ هل أحضرتني لأنني أشبهها؟! وما هذا الزي الدموي الذي ترتديه في الصورة؟ من أنت حقاً يا ظلي؟! هل أنت المنقذ أم السفاح الذي خدعني طوال هذه المدة؟!".

تقدم نحوها بخطوات بطيئة ومدروسة، كفهد أسود يحاصر فريسته في زاوية مغلقة. كل خطوة كان يخطوها كانت تزيد من تقلص المساحة بينهما، وتضاعف من كثافة الهواء المحيط بهما الذي بات مشحوناً بتوتر يكهرب الأبدان. لم تكن ملامحه تحمل أي تبرير أو اعتذار، بل كانت تتجلى فيها شراسة التملك الأعمى والغيرة القاتلة التي اشتعلت بمجرد رؤيتها تمسك بتلك الصورة. عندما أصبح على بعد خطوة واحدة منها، مد يده الفولاذية وانتزع الصورة من بين أصابعها بقوة كادت أن تكسرها، وألقاها بعنف لتحطم مرآة المنضدة وتتناثر شظايا الزجاج في كل مكان كدليل مادي على تحطم جدار الثقة بينهما.

محاصرها بين جسده الصلب كجدار من الجرانيت وبين حافة المنضدة، وضع يديه على الرخام البارد من كلا الجانبين لكي يمنعها من الهرب، وانحنى بجذعه حتى لامست أنفاسه الساخنة والمشبعة برائحة التبغ والغضب وجهها المذعور. "إياكِ.." هدر بصوت مرعب يخرج من أعماق صدره كزئير أسد جريح. "إياكِ أن تقارني نفسكِ بأي امرأة أخرى على وجه الأرض! إياكِ أن تشككي في عشقي المهووس بكِ أو تظني للحظة أنكِ بديل لأحد! أنتِ لستِ خياري الثاني، أنتِ حياتي الأولى والأخيرة، أنتِ اللعنة التي أصابت روحي والرحمة التي طهرتني في آن واحد!".

رفعت رأسها بتحدٍ رغم دموعها المتساقطة، وضربت بقبضتيها الضعيفتين على صدره العريض الذي يشبه الدرع الواقي. "إذن من هي؟! انطق باسمها واشرح لي هذا المزار المقدس الذي تقيمه لها في بيتي! لا يمكنك أن تغلق عليّ الأبواب وتتوقع مني أن أستسلم لغموضك بعد الآن!".

أغمض عينيه بقوة، وتشنجت عضلات فكه القاسي حتى برزت كتلها بوضوح، وكأن كلماتها كانت تنبش في جراح ملتهبة لم تندمل يوماً. عندما فتح عينيه مجدداً، كانت النيران قد انطفأت قليلاً لتحل محلها عاصفة من الألم الكاسر واليأس العميق الذي شوه ملامحه الشرسة. "إنها شقيقتي يا قمر.." نطق الكلمات بصعوبة بالغة، وكأن كل حرف كان شوكة تمزق حنجرته. "هذه المرأة التي تغارين منها وتتهمينني بجعلها بديلاً لكِ.. هي 'لينا'، شقيقتي الصغرى، والقطعة الوحيدة من روحي التي كانت نقية في هذا العالم الملوث".

اتسعت عينا قمر بذهول مطلق، وتلاشت ثورتها الغاضبة في ثانية واحدة لتفسح المجال لصدمة شلت أطرافها. شقيقته؟ لم يذكر يوماً أن لديه شقيقة!

استمر في حديثه بصوت مبحوح يقطر مرارة، وعيناه لا تفارقان عينيها، يسكب آلام ماضيه في روحها بلا رحمة. "ذلك الزي العسكري الذي ترينه مشبوهاً.. كان لبداياتي في هذا العالم القذر، عندما كنت مرتزقاً بلا قلب، أبيع الموت لمن يدفع أكثر، لأوفر لها حياة كريمة ولأحميها من شياطين 'المجلس الأعلى'. كنت أعتقد أنني قوي بما يكفي لحمايتها، بنيت لها هذه الغرفة لتكون قصرها الآمن، حصنها المنيع الذي لا تطاله يد. لكن أعدائي كانوا أكثر دهاءً. لم يواجهوني وجهاً لوجه، بل استغلوا غروري واختطفوها من هذا القصر بالذات.. من هذه الغرفة!". قبض على فكها السفلي بأصابعه الكبيرة بقوة لا تؤذيها لكنها تفرض السيطرة المطلقة. "لقد أعادوها لي في صندوق خشبي يا قمر.. مقطعة الأوصال، لأنني رفضت الخضوع لأوامرهم. احتفظت بهذه الغرفة كما هي لتبقى جرحاً مفتوحاً يذكرني كل يوم بأن الرحمة هي خطيئة الزعماء، وأن الأمان مجرد وهم. لهذا السبب أنا مهووس بحمايتكِ! لهذا السبب أقيم الدنيا ولا أقعدها إن غبتِ عن ناظري لثانية واحدة! لأنني إن فقدتكِ، وإن فقدت هذا الطفل الذي يحمل دمي ودمكِ، فسأحرق العالم بأسره ثم أحرق نفسي معه!".

كانت كلماته المشبعة بالألم والذنب تنساب كالحمم البركانية لتذيب كل ذرة شك في قلبها. أدركت في تلك اللحظة حجم الجحيم الذي يعيشه هذا الرجل القاسي يومياً، وكيف أن تملكه المرعب لها لم يكن سوى انعكاس لندوب الماضي التي لم تشفَ. سقطت كل حصونها الدفاعية، ورفعت يديها المرتجفتين لتحيط بوجهه المبلل بدموع لم يرها أحد من قبل، دموع زعيم المافيا الذي انكسر أمام طيف شقيقته وأمام المرأة التي يخشى فقدانها. "ظلي.. أنا.. أنا لم أكن أعلم.. أرجوك سامحني.." همست بصوت مختنق بالبكاء، وهي تدفن وجهها في صدره، تعانقه بقوة وكأنها تحاول تجميع شتات روحه المحطمة. انهار ذلك الجبل الشامخ أمام حنانها المتدفق، وسقط على ركبتيه أمامها، لافاً ذراعيه حول خصرها، ودفن وجهه في بطنها المنتفخ، يبكي بصمت قاهر، كطفل يتيم وجد أخيراً مرفأ الأمان في عواصف الحياة. بكت معه، مسدت على شعره الكثيف، واختلطت دموعهما في مشهد يجسد أسمى آيات الحب والصراع النفسي، مشهد انصهرت فيه الغيرة والألم لتعيد تشكيل روابطهما من جديد، أقوى وأعمق من أي وقت مضى. ظلا على هذه الحالة لدقائق طوال، يعالجان جراح بعضهما البعض في تلك الغرفة التي شهدت أبشع كوابيسه وأعظم انكساراته، متعاهدين بصمت على أن يواجها الماضي والمستقبل ككيان واحد لا ينفصل.

لكن لحظات الصفاء في عالم الظلام غالباً ما تكون قصيرة، ومجرد استراحة محارب قبل المعركة الكبرى. فبينما كان هو يمسح دموعها ويساعدها على النهوض بحنان بالغ، واعداً إياها بأن يغلق هذا الباب للأبد لتبدأ حياتهما من جديد، اهتز هاتف الطوارئ الخاص به مجدداً بقوة. انتشله من جيبه بضيق، وفتح الشاشة ليقرأ الرسالة العاجلة. في جزء من الثانية، انسحب الدم من وجهه القاسي تماماً، وتحولت عيناه من واحات من الحنان إلى بحار من الرعب الخالص والقاتل الموجه، تعبير لم تره قمر على وجهه منذ أن عرفته. لم تكن مجرد رسالة نصية، بل كانت مقطع فيديو مباشر يُبث من كاميرا مراقبة سرية.. كاميرا مزروعة داخل الجناح الطبي المخصص لفحوصات قمر الدورية في القبو!

اقتربت قمر بقلب مقبوض لتسترق النظر إلى الشاشة التي يرتجف الهاتف بها بين يديه. كان المقطع يعرض شاشة جهاز الأشعة التلفزيونية (الموجات فوق الصوتية) الأخير الذي أجرته، والذي أكد لها الطبيب أنه جنين واحد بصحة جيدة. ولكن الشاشة في الفيديو المباشر كانت تعرض تحليلاً جديداً، مفصلاً، ومخترقاً من قبل جهة خارجية، تظهر فيه بوضوح نبضات قلبين منفصلين لا قلباً واحداً! ومكتوب أسفل الشاشة بخط أحمر عريض كالدماء: "تخفي عنها الحقيقة كما أخفيتها أنت يا ظلي.. إنها تحمل توأماً، أحدهما ورث نقاءك، والآخر ورث دماءنا الملعونة.. أرسلنا لك المفتاح لتعرف أننا في عقر دارك.. والآن، السيرك فتح أبوابه، وسنأخذ ما يخصنا من أحشائها قبل طلوع الفجر!". سقط الهاتف من يده المرتخية، وارتد صدى اصطدامه بالأرضية الخشبية كدوي المدافع، بينما التفتت قمر نحوه بعينين متسعتين برعب لا يوصف، لتدرك أن الجحيم لم يأتِ من الماضي فحسب، بل هو ينمو الآن داخلها، وأن المعركة الحقيقية من أجل حياتهما وحياة طفليهما قد بدأت في هذه اللحظة بالذات.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • أسرني شيطاني المفضل   الفصل الثامن والثمانون

    في هذه الأثناء، وفي أعمق نقطة من الحصن البركاني المظلم، اخترق البطل الجدار الفولاذي الأخير للمقر الرئيسي باستخدام عبوات البلازما الحارقة. انفجر الباب المصفح متناثراً إلى شظايا متوهجة، وانثقبت ألسنة الدخان الأبيض المعقم لتفسح المجال أمام جسده الشامخ للعبور إلى داخل قاعة القيادة العليا.كانت القاعة صرحاً هندسياً فخماً ومرعباً في آن واحد؛ جدرانها من الصلب الأسود المصفح، تحيط بها أجهزة كمبيوتر عملاقة تعكس خرائط العالم الجيوسياسية، وفي منتصفها ترتفع منصة استراتيجية دائرية تطل على حوض مائي عميق يضم غواصة استراتيجية مسلحة.لكن المفاجأة الكبرى التي جمدت الدم في عروق البطل الزمرديتين لم تكن وجود الأم أو التوأم التوأم... بل كانت الشخصية القابعة على الكرسي الجلدي الفاخر في صدر المنصة!نهض الرجل من كرسيه ببطء وثبات أسطوري، ليتجلى شخصاً في الخمسينيات من عمره، ذو بنية جسدية رياضية صارمة، وشعر فضي ممشط بعناية، يرتدي بدلة تكتيكية مدنية تحمل شارات وسيادية عالية المستوى. لم يكن هذا الرجل سوى "الجنرال فالكون"... القائد السابق لأعظم جهاز استخبارات دولي، والرجل الذي كان يُعتقد أنه تقاعد ومات

  • أسرني شيطاني المفضل   الفصل السابع والثمانون

    امحت الرؤية من على شاشات السيطرة الكبرى في غرفة عمليات القصر بالقاهرة، واستحالت الصور الحية إلى شبكة متلاطمة من الخطوط الثلجية والموجات السوداء القاتمة، بعد أن بترت أمواج التشويش الكهرومغناطيسي العاتية كل خيوط الاتصال الفضائي والأثيري التي كانت تربط العاصمة بتلك البقعة النائية في عرض البحر الأحمر. انقطع الصوت الأبح القادم من المروحيات الشبحية في منتصف كلمة حاسمة كان ينطق بها البطل، ليعود الصمت الرهيب يغلف الجناح السفلي المعزول تحت الأرض، صمتٌ أشبه ببرودة المقابر الحجرية، لا يقطعه سوى النبضات الالكترونية المنتظمة لأجهزة تنقية الهواء والهمس الخفيض لمولدات الطاقة الاحتياطية.وقفت قمر في منتصف غرفة العمليات كتمثال من العاج المنحوت، تتأمل الشاشات المظلمة بعينين اتسعتا برعب خرافي، بينما انسحبت دماء الحياة من وجنتيها العاجيتين لتدع الشحوب الموتوي يستولي على ملامحها الآسرة. في تلك اللحظة القاتلة من العزلة والانقطاع المطبق، شعرت وكأن خنجراً مسنوناً يُغرس في قلبها ويُدار ببطء وحرقة؛ إذ كانت تعلم أن زوجها، ملك الظلال والرجل الذي اختصر العالم في وجوده، قد اندفع نحو جوف الحصن البركاني في عرض

  • أسرني شيطاني المفضل   الفصل السادس والثمانون

    "إن كانت هذه المعركة هي الأخيرة..." همست قمر بين القبلات المتتالية التي يوزعها على جفنيها وخدها وعنقها، "فأعدني يا 'ظلي' أن تعود إليّ حياً... أعدني أن تطأ أعداءنا بقدميك وتعود لتضع طفلتنا بين ذراعي ونحن في أمان مطلق!"."أعدكِ بروحي، وعرشي، وبحبي الذي لا ينتهي يا قمر،" قال البطل ونبرته تتصلب بقوة فولاذية، طابعاً قبلة أخيرة مشتعلة على جبهتها. "سأعود إليكِ مطهراً الأرض من كل شيطان حاول المساس بكِ، وسنبني فوق ركام أعدائنا الملاذ الأبدي الذي ستحيا فيه طفلتنا بكرامة وسيادة!".انكسرت جدران الشك والصراع النفسي داخل روح قمر أمام هذا القسم الصادق، واستحالت مشاعر الخوف لديها إلى خطة عمل حاسمة وواضحة. انتقلا معاً مجدداً إلى منصة التوجيه الكبرى، لتشريع تفاصيل خطة الهجوم المزدوجة المعقدة التي ستنفذ ضد الحصن البركاني في جزر البحر الأحمر.اعتمدت الخطة الاستراتيجية على تقسيم الأدوار بصورة تكتيكية عالية الدقة بين العقل الرقمي والقدرة القتالية الميدانية؛ إذ تتولى قمر إدارة مركز القيادة والاتصالات السريّة من داخل غرفة عمليات القصر الحصينة بالقاهرة، لتكون العقل المدبر والعين الحارسة التي تخت

  • أسرني شيطاني المفضل   الفصل الخامس والثمانون

    في أجزاء من الثانية شحنت بضغط عصبي هائل وتوتر يقطع الأنفاس، لم يمنح ملك الظلال ذلك الدخيل الخائن فرصة لتفجير عبوة الغاز غير المرئي؛ إذ اندفع كالبرق المظلم نحو الكائن المتسلل، مستلاً من حزامه التكتيكي حربة شلل عصبية مصغرة، وهوى بها في نقطة حيوية عند أسفل عنق المهاجم ليخر صريعاً دون أن يتيح له إطلاق حافز السم. وبلمح البصر، احتضن البطل طفلته الرضيعة بيده اليسرى بحرص أسطوري ورقة تامة، بينما سحب بيده الأخرى قمر المجهدة إلى أحضانه، وأصدر إشارة طوارئ حاسمة أغلقت الجناح الملكي بصفائح الفولاذ المصفح، لينقل الجميع عبر مصعد هيدروليكي مخفي إلى أعماق غرفة العمليات المركزية الحصينة القابعة أسفل أرضية القصر الرئيسي بالقاهرة، المكان الذي أقيم ليكون مركز السيطرة والتوجيه الأكبر لجميع تحركات إمبراطوريته.ساد السكون المعقم أرجاء غرفة العمليات المركزية، حيث كانت الجدران مغطاة بشاشات التتبع الرقمية العملاقة، وتنعكس عليها الأضواء الزرقاء والبيضاء الصادرة من الخرائط الكهرومغناطيسية وثلاثية الأبعاد. استقرت الطفلة الصغيرة في مهدها المعقم المجهز بأحدث أجهزة دعم الحياة داخل الجناح الطبي الملحق بالغرفة، بي

  • أسرني شيطاني المفضل   الفصل الثالث والثمانون

    تجمد النبض في عروق البطل وهو يتأمل الهولوغرام المتوهج في عتمة الليل، بينما كانت يد البطلة قمر ترتاح على الوسادة إلى جواره، تنام في سكينة شاحبة تطفح بالبراءة والألم. خاض سبعة أيام كاملة من السير على جمر الترقب واليقظة المطلقة؛ احتفظ بكل تفاصيل التحذير الجيني الجائر في أعماق عواطفه المكتومة، حريصاً على أن يغلف القصر برداء من الفخامة والدفء ليرد إليها روحهما التي انتُزعت في غرف العمليات، متكتماً على الشكوك القاتلة حتى يتيح لجسدها المجهد أن يتعافى من آثار الجراحة القيصرية. وفي اليوم السابع للولادة، وتجسيداً للموروث العائلي الدافئ وسط أسوار الحصن الفولاذي، استحال الجناح الملكي والقاعات السفلية للقصر الرئيسي بالقاهرة إلى مسرح أسطوري لاحتفال عائلي مصغر ومغلق بمناسبة "السبوع"؛ احتفال لم يحضره سوى الصفوة المطلقة من الحراس المخلصين، والقلة القليلة من الأطباء والخدم الذين رضعوا الوفاء لعشيرته منذ العقود الأولى.كانت القاعة الكبرى تزدين بأطواق من الزهور البيضاء النادرة، ويتصاعد في أرجائها عبير البخور الجاوي والعنبر الممزوج برائحة الياسمين البلدي، بينما عكست الثريات الكريستالية الضخمة خيوطاً

  • أسرني شيطاني المفضل   الفصل الرابع والثمانون

    سحبها بلمح البصر إلى أحضانه بقوة وجنون، ضاماً جسدها المرتجف إلى صدره الفولاذي حتى كاد يدمج عظامها بضلوعه، ودفن وجهه في منحنى عنقها، يستنشق عبير ياسمينها الدافئ ويتنفس حرارة بشرتها بنشوة وشغف يفيضان بالحرقة والحنان المفرط.أخذ يوزع قبلاته المشتعلة على عنقها، وفكها، ووجنتيها المبتلتين بالدموع، ممرراً يديه الضخمتين على طول ظهرها بحنان تملك عاشقا يسعى لاستعادة أنفاسه من بين يدي الموت. "أنا أخشى عليكِ من الهواء الذي تتنفسينه يا قمر!" همس بصوت يتذبذب بالشجن والدفء العميق، وهو يرفع وجهها بيده الكبيرة، واضعاً إبهامه تحت ذقنها ليلتقي بعينيها المشتعلتين بالحب والتحدي. "أنتِ ونور عينيا الصغير كل ما أملك في هذا العالم المظلم. القتلة والأم والمنظمة ليسوا سوى حشرات أطؤها بقدمي، لكنني لو خسرتُ قطرة دم واحدة منكِ، سأفقد عقلي وأحرق العالم بما فيه!".تشابكت عيناهما في لحظة رومانسية داكنة الشغف؛ اقترب شفتيه من شفتيها الرقيقتين المرتجفتين، وضغط عليهما بقبلة حارة، عميقة، ومترعة بالحب والتملك والانصهار الروحي المطلق. كانت قبلة طويلة يتبادلان فيها الأنفاس، الدموع، والشوق الجارف بعد كل أهوال الولاد

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status