تسجيل الدخول«إذا استيقظتِ ولم تتذكري شيئاً.. فلا تصدقي الرجل الذي سيدخل عليكِ الآن، ولا تصدقي نفسكِ إذا أحببتِهِ!» استيقظت في غرفة مغلقة، بذاكرة بيضاء كصفحة كفن، وجسد يرتجف من الخوف. لم تكن تعرف اسمها، ولا كيف وصلت إلى هذا القصر الذي يهمس جدرانه بالرعب، لكنها وجدت تلك الرسالة المكتوبة بخط يدها هي.. حذرت فيها نفسها من رجل واحد. قبل أن تستوعب الكلمات،ُفتح الباب.. ودخل هو. رجل بملامح حادة كالسيف، وابتسامة نظرة واحدة منها كفيلة بأن تجعل أنفاسك تتجمد. لم ينطق سوى بكلمة واحدة، بصوت هادئ بشكل مرعب: «عدتِ إليّ أخيراً.» هي تتذكره كخطر يجب أن تهرب منه.. وهو يعاملها كأغلى ملكية خسرها واستعادها. وبين رسالة تحذرها من قلبه، وجسد يرتجف كلما اقترب منها بين الخوف والانجذاب المحرّم.. تكتشف أن الخطر الأكبر ليس في عدم قدرتها على التذكر، بل في السر الذي دفنته ذاكرتها لحمايتها منه! هل تسلّم قلبها لشيطان يعيد رسم ماضيها كما يشاء؟ أم أن الحقيقة ستقتلهما معاً؟
عرض المزيدلم تكن العتمة مجرد غيابٍ للضوء، بل كانت مادة ثقيلة تتكاثف فوق صدرها، كأنها سائل أسود ينسكب في حنجرتها ليخنق أنفاسها.
فتحت عينيها ببطء شديد، تحارب غشاوة ثقيلة تجر جفنيها إلى الأسفل. كان رأسها ينبض بإيقاع منتظم من الألم الكليل، كأنما هناك شفرة حادة تطرق عظام جمجمتها من الداخل. استغرقت بضع ثوانٍ حرجية لتدرك أنها لا ترى شيئاً سوى السواد المطلق، وأن السكون المحيط بها ليس سكوناً عادياً، بل هو صمت مطبق يحمل بين طياته تهديداً مكتوماً. شهقت بحدة، وحاولت الاعتدال في جلستها، لتشعر بالسطح الذي تستلقي عليه؛ كان فراشاً وثيراً بدرجة مرعبة، مفرشاً بحرير خالص ينسل من بين أصابعها المرتجفة ببرودة تشبه ملمس الأفاعي. رفعت يدها لتلمس رأسها، فضربت أطراف أصابعها ضمادة عريضة تلتف حول جبهتها. "أين أنا؟" همست الكلمة، لكن الصوت الذي خرج من حنجرتها كان غريباً عنها، بحة خافقة جافة كأنها لم تستخدم حبالها الصوتية منذ سنوات. والأدهى من ذلك... من تكون هي؟ ضربت موجة من الرعب الفاغر جوانب عقلها. حاولت التفتيش في ذاكرتها، أن تسحب خيطاً واحداً ينتهي باسم، أو وجه، أو مكان، أو ذكرة طفولة... لا شيء. هناك فراغ أبيض ناصع يبتلع كل ما كان قبل هذه اللحظة. الذاكرة صفحة ممسوحة بعناية قاسية، لا تحتوي سوى على العدم. بدأت أنفاسها تتصاعد في حدة وهلع، واحتدمت دقات قلبها لتصبح كطبول الحرب داخل قفصها الصدري. مررت يديها بجنون على جسدها لتتفقد نفسها؛ كانت ترتدي فستاناً طويلاً من التول والحرير الناعم بلون أسود داكن، مشدوداً عند الخصر بتطريز دقيق، وأكمامه الدانتيل تغطي ذراعيها حتى المعصمين. الفستان كان فاخراً للغاية، ينبعث منه عبق عطر غريب؛ مزيج من المسك الأسود وزهور الياسمين الليلي، عطر يثير في نفسها شعوراً متناقضاً بين الدفء والألم القاتل. تحركت على الفراش بحذر، ودلت قدميها الحافيتين لتمس الإفريز الخشبي البارد. وطأت أقدامها سجادة عجمية سميكة تبتلع أصوات الخطوات. كانت الغرفة غارقة في ظلام شبه تام، لولا شعاع ضوئي باهت ينفذ من أسفل باب ضخم يتوسط الجدار المقابل. قامت واقفة، وتمايلت في خطوتها الأولى بسبب الدوار الذي عصف برأسها، لكنها سندت يدها على حافة طاولة جانبية مصنعة من الخشب الأبنوسي الثمين. وهناك، في تلك اللحظة بالذات، لامست أطراف أصابعها شيئاً غريباً... ورقة مطوية بعناية وموضوعة تحت تمثال برونزي صغير. سحبت الورقة بسرعة، وكانت يدها ترتجف بدرجة جعلت الورقة تصدر حفيفاً متكرراً في السكون. اقتربت بخطوات متسارعة ونبض ممتلئ بالخوف نحو شعاع الضوء الباهت الصادر من أسفل الباب، وجثت على ركبتيها كي تستغل ذلك الخيط الضوئي الضئيل في قراءة ما هو مكتوب. فتحت الورقة المطوية. كانت الحروف مكتوبة بحبر أسود داكن، بخط رقاعي سريح ومندفع، يحمل مسحة من التوتر والعجلة... والأهم من ذلك، أن طريقة رسم الحروف والانحناءات أيقظت في أعماقها رعدة خاصة؛ إنه خط يدها! هي من كتبت هذه السطور، لا شك في ذلك! قرأت الكلمات المكتوبة في سرها، وكل كلمة كانت تقع على قلبها كقطرة قطران حارقة: > *"إياكِ أن تصدقي عينيكِ أو تقلبات قلبكِ.. لا تنخدعي بلمساته الحنونة ولا بكلمات العشق التي سيهمس بها في أذنكِ. هو ليس منقذكِ، هو السجان الذي يسلبكِ روحكِ. لقد مسح ذاكرتكِ كلياً ليخفي الجريمة الكبرى، ليجعلكِ ملكيته المطلقة التي لا تذكر سوى اسمه! ابحثي عن مفتاح الخزنة في المكتبة.. اهربي قبل أن يغلق القفص للأبد!"* > جمدت الدماء في عروقها. تراجعت إلى الخلف وهي تجلس على أطراف قدميها، تنظر للورقة برعب لا يوصف. "هو مسح ذاكرتي؟ من هو؟ وعن أي جريمة تتحدث هذه الرسالة؟" طوت الورقة بسرعة جنونية، وضغظت عليها داخل قبضة يدها اليمنى بكل ما أوتيت من قوة، وأدخلتها في التجويف المبطن لرباط فستانها عند المعصم، لتضمن ألا تسقط أو يراها أحد. ارتفع منسوب الأدرينالين في جسدها ليبلغ أقصاه. تحول الخوف إلى غريزة بقاء شراسة. قامت من فورها تتلمس جدران الغرفة المغلقة بحثاً عن أي مخرج. كانت الغرفة واسعة كأنها جناح ملكي في قصر أسطوري؛ لوحات زيتية ضخمة بملمس بارز، أثاث فاخر ذو أطراف مذهبة، ومرايا كبرى تطوق المكان، لكن كل النوافذ كانت مغطاة بشيش خشبي ثقيل ومقفولة بسلاسل حديدية ملساء لا تتزحزح. توجت نحو الباب الرئيسي، ومسكت مقبضه النحاسي الثقيل، وحاولت إدارته بقوة. كان مقفلاً بإحكام من الخارج، بل إن هناك صوتاً إلكترونياً خافتاً أصدر طنيناً أحمر عندما حاولت دفع الباب. "لا.. لا! يجب أن أخرج من هنا!" همست وهي تضرب الباب ببطن يدها لتعود الخطوات للخلف وتتفتش بعينيها اللتين اعتادتا الظلام عن أي شيء يصلح كسلاح؛ فازة زجاجية، أو تمثال حاد. وفجأة... توقف العالم عن الدوران. تردد في الممر الخارجي صوت خطوات منتظمة، ثقيلة، ومحسوبة بالمليمتر. صوت أقدام تنعل جزمات جلدية فاخرة تصطدم بالرخام الصلب، متجهة بخطى ثابتة ومستقيمة نحو باب الغرفة. كانت تلك الخطوات تحمل هيبة مرعبة، إيقاعاً لا يعتريه تردد ولا عجلة، إيقاع رجل يعرف أنه يملك كل شبر في هذا المكان، وأن من بالداخل ليس سوى طريدة تنتظر مصيرها. انحبست الأنفاس في صدرها، وتراجعت خطوتين متتاليتين حتى ارتطم ظهرها بحافة الفراش. اتسعت حداقتا عينيها في الظلام، وعصرت يدها على الورقة المخبوءة في معصمها، بينما بدأ المقبض النحاسي للباب يدور ببطء، وتلاشى صوت الطنين الإلكتروني ليحل محله صوت صفير القفل وهو ينفتح... انفتح الباب الضخم ببطء يؤرجح الأعصاب، لينساب من خلاله سيل من الضوء الأبيض البارد الذي شق عتمة الغرفة كأنه حسام مذهّب. وفي منتصف ذلك الإطار الضوئي، وقف هو. كان رجلاً يختصر الهيبة والسلطة في هيئته. طويل القامة بدرجة ملفتة، يرتدي بذلة سوداء ذات تفصيل ملكي حاد يبرز عروض كتفيه وبنيته العضلية الصارمة. ملامح وجهه كانت منحوتة بدقة من قسوة وجلال؛ فك مربك متماسك، وشفتان ممتلئتان تحملان قسوة مكتومة، وأنف حاد كالسيف. أما عينوه... فكانتا جمرتين من الزمرد المظلم، تنظران إليها بحدة تتجاوز الجلد والعظام لتبتر تفكيرها كلياً. شعرها الأسود الفاحم كان مصففاً للخلف بكبرياء بارد، لكن التعبير الذي ارتسم على وجهه عند رؤيتها تقف في منتصف الغرفة كان مزيجاً حارقاً من الشغف المكتوم، التملك المجنون، وارتياح عميق يرتجف خلف الستار الظاهري لقسوته. خطى خطوته الأولى إلى داخل الغرفة، فبدت المساحة الشاسعة وكأنها تضيق بحضوره القيادي القاهر. أغلق الباب خلفه بهدوء قاتل، ليعود الصمت والظلام ليلتفا حولهما، باستثناء الضوء الخافت المتسلل من إبليك جداري أضاء نصف وجهه وترك النصف الآخر في الظلال. تراجعت هي إلى الخلف في رد فعل غريزي، وجف حلقها تماماً وهي تراه يقترب بخطوات واثقة. كان صراعها النفسي في تلك اللحظة عاصفاً وشديد الضراوة؛ فالرسالة التي تخبئها في يدها تصرخ في عقلها بضرورة الركوب والهروب من هذا "الشيطان" الذي سلبها ذاكرتها، لكن على الجانب الآخر... كان جسدها ينبض بردة فعل مربكة وغير منطقية؛ هالة الرجل، عطره المخلوق من التبغ الفاخر والمسك، وصوته الذي ينبض بالقوة، كل ذلك أثار في أعماقها جاذبية غامضة ومشتعلة، كأن روحها تلمست معرفة قديمة به ترفضها رسالتها المحذرة! "من... من أنت؟" خرجت كلماتها متهدجة، ممتلئة بالخوف والتردد، وهي ترفع يديها أمام صدرها في محاولة دفاعية واهية. "ابتعد عني... لا تقترب!" توقف على بعد خطوتين فقط منها. كانت نظراته تتفقدها بمسح بطيء وشامل، يتفقد كل إنش في وجهها وشعرها المنثور على كتفيها، قبل أن تستقر عينياه داخل عينيها الثائرتين. لم يبتعد، بل خطى خطوة إضافية قاسية كسرت كل المسافات الفاصلة بينهما. صدمت حرارة جسده أنفاسها الباردة. رفع يده الطويلة الكبيرة، وبأطراف أصابعه الدافئة التي تحمل بعض الخشونة الذكورية، لمس وجنتها ببطء شديد. تصلبت هي في مكانها. كانت لمسته حارقة كالجمر، لكنها حاملة لرقة متناقضة أربكت كل ذرة في كيانها. انسابت أصابعه على طول خدها، يمسح خط قطرة دموع كانت قد تجمدت على بشرتها النظيفة، لتهتز انفاسها في صدام بين خوف عظيم وانجذاب يهدد بإذابة صلابتها. "ألم تحذركِ أحلامكِ من أن الهروب مني مجرد وهم يا حلوتي؟" كان صوته رخماً، عميقاً، يتردد بأمواج صوتية منخفضة في صدره القوي، يحمل نبرة عشق مظلم وسيطرة مطلقة تجبر الروح على الخضوع. اقترب برأسه أكثر، حتى أصبحت أنفاسه الحارة تداعب أذنها ووجنتها، بينما يده الأخرى تسللت ببطء وقوة لتمسك بخصرها المشدود من فوق فستان التول، يسحبها إليه حتى التصق جسدها النحيل بجسده الصلب كالجدار. شهقت بحدة حين شعرت بالتصاق دقات قلبه المتسارعة بقلبها المذعور. حاولت أن تضع يديها على صدره لتدفعه بعيداً، لكن عضلات صدره الصلبة لم تتزحزح ميليمتراً واحداً. كانت المسافة بين شفتيه وشفتيها لا تتعدى إنشاً واحداً، وكانت نظراته تنطق بشغف جارف، حب مفترس يحاول ابتلاع كل سنوات البعد والغياب. "أطلقي سراح خوفكِ..." همس ضد شفتيها، ويده على خصرها تضغط بتملك أعمق، يرفعها قليلاً لتتلاقى أعينهما في مساحة حارة حابسة للأنفاس. "أنا لستُ غربياً عنكِ.. أنا أمانكِ وجحيمكِ في آن واحد." انثالت المشاعر الحارة بينهما كحريق في غابة جافة. صراعها النفسي كان يمزقها؛ كيف يمكن لجسدها أن يرتجف شوقاً للمسته، بينما عقلها يصرخ بأنه السجان؟ كانت عيناها تتسعان في مواجهة نظراته المتملكة، وحضور شفتيه المحتدم فوق شفتيها كان كفيلاً بإفقادها التوازن والتفكير السليم. انحنى قليلاً ودفن وجهه في تجويف عنقها، ليستنشق عبق عطرها بعمق ولذة رجل كان يظن أنه فقد أثمن ما يملك، ثم طبع قبلة حارقة، بطيئة، وممتدة على جانب عنقها جعلت قشعريرة عنيفة تسري في كامل جسدها، وتجعل ركبتيها تترنحان في خضوع كاد يفقدها القدرة على الوقوف. همس في أذنها بنبرة مشبعة بالعشق المظلم والارتياح الأسطوري، كلماته كانت تخرج كأنها عهد مؤبد: "عدتِ إليّ أخيراً... ولن تخرجي من هذه القبضة حتى لو احترقت السماء." أغمضت عينيها تستسلم مؤقتاً لدوار تلك اللمسات الحميمية التي تذيب الحديد، لكن في لحظة الخضوع تلك... وأثناء سحب يده من حول خصرها ليمسك بيدها الناعمة ويخلل أصابعه بين أصابعها، اصطدمت راحة يده بشيء صلب، جاف، ومحتجز بحذر داخل رباط معصم فستانها! توقفت حرارة أنفاسه فجأة. تغيرت الكيمياء في الهواء كلياً من الشغف المشتعل إلى البرود القاتل في أقل من ثانية. فتح عينيه الزمرديتين، ولم تكن فيهما تلك اللمسة العشوق، بل حل محلها صقر يراقب فريسته. بثبات ودون أن يرفع نظره عن عينيها الذعرتين، سحبت يده الكبيرة قماش الدانتيل عند معصمها، وانتزع الورقة المطوية بحركة واحدة حازمة ومفاجئة! تراجعت هي خطوة للخلف، وسقطت روحها في قاع سحيق من الرعب حين رأته يمسك بالرسالة المحذرة. بسط الورقة بين أصابعه الطويلة، وشعاع الضوء الباهت يضيء خط يدها المكتوب بالأسود. ارتفعت عيناه الزمرديتان لتلتقيا بعينيها المرتجفتين، وارتسمت على شفتيه ابتسامة باردة، غامضة، ومتملكة لدرجة التجمد، ثم قسّم الورقة إلى نصفين ببطء شديد دون أن يرفع عينيه عنها، وقال بنبرة هادئة كالهدوء الذي يسبق الإعصار: "أرى أنكِ كتبتها مجدداً... قبل أن ينسى عقلكِ كل شيء يا حلوتي."لم تكن تلك الرسالة المشفّرة والغامضة التي ومضت على الشاشة الصغيرة في ركن الكوخ الجبلي المعزول لتنتهي عند حدود الإنذار النظري أو التهديد العابر، إذ ما كاد صدى الكلمات المرعبة يتردد في أرجاء المكان حتى اخترق سكون الليل العاصف والصقيع القاتل رنين خادش ومفزع صادر مباشرة من جهاز الاتصال العسكري المشفر والمربوط بالأقمار الصناعية الخاصة بقصر العائلة الكبير في القاهرة، وهو رنين مخصص حصرياً لنداءات الموت والطوارئ القصوى التي لا تحتمل أي تأخير أو تأجيل. لم يكن هذا النداء يشبه أي تنبيه استخباراتي سابق؛ بل كان صرخة استغاثة إلكترونية حمراء اللون، عالية الأولوية، ومصحوبة بتسجيل صوتي مباشر ومتقطع ينقل صرخات الرعب والهلع من غرفة الحراسة المركزية في أعمق أجنحة قصر العائلة بمصر، حيث تفيد التقارير الميدانية العاجلة بأن أسراباً من المرتزقة والفرق الهجومية التابعة للمنظمة العالمية، التي ظنوا أنهم أجهزوا على قاعدتها السيبرانية قبل ساعات، قد ظهرت كالأشباح من العدم مستغلة انشغال ملك الظلال وقمر بالرحلة السويسرية، لتشن هجوماً مباحتاً ووحشياً لا رحمة فيه على الأسوار التاريخية للقصر بهدف واحد لا حياد عنه ولا
لم تكن تلك الرسالة المشفّرة التي ومضت على شاشة الجهاز الصغير سوى الفتيل الذي أعلن عن نهاية الهدوء الوهمي في ذلك الكوخ الجبلي المعزول على قمة جبال الألب، إذ ما كادت أنفاس الطمأنينة تستقر في الصدور حتى مزق سكون الليل القارس صوت حفيف خافت ومقشعر لأقدام ثقيلة تسحق طبقات الثلج الكثيفة في محيط الكوخ الخشبي، مترافقة مع وميض أشعة تحت حمراء تفحص النوافذ بحذر شديد. انتبه ملك الظلال بحواسه الفائقة التي لا تتبلد أبداً، فتحولت ملامحه في جزء من الثانية من العاشق الهائم إلى المحارب الأقسى والأكثر شراسة، حيث أدرك أن فرق الموت التابعة للمنظمة قد تعقبت أثرهما ونجحت في اختراق الطوق الأمني للوصول إلى مخبئهما الأخير. لم يضيّع البطل ثانية واحدة في التردد؛ بل نهض بقامته الممشوقة والمهيبة، واتجه بخطوات سريعة ومدروسة نحو الحقيبة العسكرية الكبرى، ليخرج منها ترسانة متقدمة من الأسلحة الآلية القابلة للتعديل، والذخائر الخارقة للدروع، وعبوات ناسفة دقيقة تعتمد على استشعار الحرارة والضغط. بحنكة عسكرية خاضت أشرس المعارك في مختلف أصقاع الأرض، بدأ البطل يتحرك بصمت مطبق حول أرجاء الكوخ الداخلي، موزّعاً الفخاخ الحرارية
لم تكن تلك اللحظة التي تلت رنين الإنذار المبكر في الكوخ الجبلي المعزول على قمة جبال الألب سوى إيذاناً بمعركة من نوع آخر، معركة رقمية وافتراضية شرسة دارت رحاها على الشاشات المضيئة وسط العتمة والصقيع، إذ ما كادت نيران المدفأة الحجرية تشتعل بدفء حتى تحولت شاشة جهاز التشفير العسكري فجأة إلى اللون الأحمر القاني، متلألئة بسلسلة من الأكواد الخبيثة والرموز المتسارعة التي تحاول بقوة وحشية اختراق جدار الحماية الخاص بالشبكة المحلية، وتتبع أثر الإرسال الأخير الذي وجهته يدا البطل نحو الجهات الأمنية الدولية والنائب العام العالمي. تصاعدت دقات القلب في صدر الكوخ المظلم، وتطاير الشرر الوهمي من عيون الحواسيب المحمولة بينما كانت الخوارزميات الهجومية للمنظمة الدولية تضغط بكل طاقاتها لتدمير النسخ الاحتياطية وسحب الموقع الجغرافي الدقيق للكوخ قبل أن تفلت الفرصة من أيديهم وتضيع أسرارهم في مهب الريح. وقف ملك الظلال وذراعاه ممدودتان بقوة على جانبي الطاولة الخشبية، وعيناه الزمرديتان تشتعلان بنظرات حارقة وفولاذية تتابع باهتمام بالغ هذا الهجوم السيبراني المباغت، مستعداً للتحرك الفوري وإطلاق بروتوكولات التدمير ا
لم تكن تلك المتاهة الثلجية التي أفرزتها أزقة زيورخ العتيقة سوى فصل تمهيدي لعاصفة أشد قسوة، إذ ما كادت سيارة الدفع الرباعي المصفحة تخترق بوابات الحدود المفتوحة حتى انطلقت بسرعة جنونية صعوداً نحو المرتفعات الشاهقة لجبال الألب السويسرية، حيث تتناثر الغابات الصنوبرية المظلمة وتتراكم طبقات الجليد العميقة لتخفي عن عيون البشر أي أثر للحياة. وسط ذلك البياض الناصع والقاتل، وفي نقطة قصية ومعزولة تماماً عن العالم، وقف كوخ خشبي قديم ومهيب يصارع رياح الشتاء العاتية، ليصبح هو الملاذ الوحيد والآمن الذي اختاره ملك الظلال لإخفاء قمر وحماية الأسرار التي تحملها بين يديها. وما إن توقفت السيارة أمام باب الكوخ الخشبي حتى هبط الاثنان بسرعة، محاطين بصقيع يقطع أنفاس الحجر، ليدفع البطل الباب الخشبي الثقيل ويغلقه بإحكام خلفهما، عازلاً طوفان البرد القارس عن دفء مؤقت كاد يتلاشى. كان الداخل عبارة عن مساحة دافئة ومكتسية بخشب البلوط العتيق، تتوسطها مدفأة حجرية ضخمة تتصاعد منها ألسنة اللهب برفق وتلقي بظلالها الراقصة على الجدران الخشبية. لم يضيّع البطل ثانية واحدة؛ فبدل أن يستسلم لإرهاق المطاردة الطويلة، أخرج من حقي











