LOGINمع شروق الشمس في اليوم التالي، كان كايرن واقفًا في ساحة التدريب وهو يمسك السيف الخشبي بكلتا يديه. لم يكن قد نسي كلمات داريوس في الليلة السابقة، بل ظل يفكر فيها حتى قبل أن يغمض عينيه. ألف ضربة... لم يكن الرقم مخيفًا في حد ذاته، لكن الطريقة التي قال بها داريوس تلك الكلمات جعلته يشعر بأن الأمر لن يكون سهلًا على الإطلاق.
ظهر داريوس بعد لحظات، ونظر إلى كايرن ثم إلى السيف الذي في يده. قال بهدوء: «هل أنت مستعد؟» أجاب كايرن بثقة: «نعم». ابتسم داريوس ابتسامة خفيفة وقال: «سنرى». أشار إلى مكان معين أمامه، ثم قال: «قف هنا. افتح قدميك قليلًا، اخفض كتفك، وأمسك السيف بهذه الطريقة». حاول كايرن تقليد حركته، لكن داريوس صحح وضع يده أكثر من مرة. لم يكن يسمح له بتنفيذ الضربة حتى تصبح وقفته صحيحة، وبعد عدة محاولات شعر كايرن بالملل وقال: «ألا يمكنني أن أبدأ فقط؟» أجابه داريوس: «إذا لم تتعلم الوقوف، فلن تتعلم القتال». تنهد كايرن، ثم عاد إلى وضعه. قال داريوس: «الآن اضرب». رفع كايرن السيف فوق رأسه وأنزله بكل قوته. «واحدة». رفع السيف من جديد. «اثنتان». كرر الحركة. «ثلاث». في البداية، لم يكن الأمر صعبًا، وبدأ كايرن يشعر أن داريوس بالغ في وصف التدريب. لكنه بعد المئة الأولى بدأ يشعر بثقل السيف في يديه، وبعد المئتين بدأت ذراعاه تؤلمانه، وعندما وصل إلى الثلاثمئة أصبح كل رفع للسيف يحتاج إلى جهد أكبر من السابق. وقف داريوس بجانبه يراقبه دون أن يقدم له أي مساعدة. قال كايرن وهو يلهث: «كم بقي؟» أجابه داريوس: «سبعمئة». حدق كايرن فيه غير مصدق. — سبعمئة؟! — أنت من سأل. أمسك كايرن السيف بقوة، ثم واصل التدريب. مر الوقت ببطء، وبدأت الشمس ترتفع في السماء. أصبح العرق يغطي وجه كايرن وملابسه، وبدأت أصابعه تؤلمه من شدة قبضته على المقبض. عند الضربة الخمسمئة، كادت ذراعاه تفقدان قوتهما، لكنه تذكر كلام داريوس في اليوم السابق: «إذا توقفت قبل أن تكملها، ستبدأ من جديد». لم يكن مستعدًا للبدء من الصفر. واصل. ستمئة. سبعمئة. ثمانمئة. عندما وصل إلى الضربة الثمانمئة، بدأ السيف يسقط من يده في كل مرة تقريبًا. كانت قدماه ترتجفان، وأنفاسه أصبحت متقطعة، ومع ذلك لم يطلب التوقف. راقبه داريوس بصمت، ثم قال: «لا تستخدم ذراعك وحدها». توقف كايرن ونظر إليه. — ماذا؟ قال داريوس: «أنت تحاول رفع السيف بقوة ذراعك، ولهذا تتعب بسرعة. استخدم كتفك وخصرك وحركة جسدك كلها. السيف لا يتحرك بقوة ذراع واحدة». حاول كايرن تنفيذ ما قاله. رفع السيف. ثم أنزله. كانت الضربة مختلفة. لم تكن أقوى، لكنها كانت أكثر سلاسة. قال داريوس: «مرة أخرى». كررها كايرن. ثم مرة أخرى. بدأ يفهم ما يقصده داريوس. لم يعد يشعر أن السيف عبء يحمله، بل بدأ يشعر أنه يتحرك مع جسده. أصبحت الحركة أقل استهلاكًا للطاقة، ومع كل ضربة كان جسده يتعلم شيئًا جديدًا. عندما وصل إلى الضربة التسعمئة، لم يعد كايرن يسمع سوى صوت أنفاسه وصوت السيف وهو يشق الهواء. «تسعمئة وتسع وتسعون». رفع السيف. كان جسده يطلب منه التوقف، لكن عينيه بقيتا ثابتتين أمامه. ثم أنزل السيف. «ألف». بقي كايرن واقفًا للحظات، غير مصدق أنه أنهى العدد. ثم سقط جالسًا على الأرض وهو يلهث بشدة. قال وهو يبتسم: «انتهيت». اقترب داريوس منه وقال: «نعم». رفع كايرن رأسه بسعادة، لكنه فوجئ عندما رأى داريوس يمد إليه السيف الخشبي من جديد. — ماذا تفعل؟ قال داريوس: «غدًا ستفعلها مرة أخرى». اختفت الابتسامة من وجه كايرن. — ماذا؟! استدار داريوس وغادر الساحة، تاركًا كايرن يحدق فيه بصدمة. في الأيام التالية أصبح التدريب أكثر صعوبة. لم يعد داريوس يطلب منه ألف ضربة فقط، بل بدأ يجعله يتحرك أثناء تنفيذها، ثم يدافع عن هجمات بسيطة، ثم يغير اتجاه ضرباته في منتصف الحركة. كان كايرن يسقط كثيرًا، ويخطئ أكثر، لكنه كان يتعلم مع كل يوم يمر. ومع مرور الوقت، بدأت التغييرات تظهر عليه. أصبح جسده أقوى، وأصبحت حركاته أكثر ثباتًا، والأهم من ذلك أنه بدأ يفهم أن السيف ليس مجرد أداة للهجوم، بل سلاح يحتاج إلى الصبر والانضباط والسيطرة. وفي أحد الأيام، بينما كان كايرن يتدرب وحده، هبت رياح قوية عبر الساحة، وأسقطت ورقة من إحدى الأشجار القريبة. تحركت الورقة في الهواء أمامه، فرفع كايرن سيفه دون تفكير. تحركت يده. شَق! انقسمت الورقة إلى نصفين وسقطت على الأرض. تجمد كايرن في مكانه وهو ينظر إليها بدهشة. لم يكن قد خطط للضربة، ولم يفكر في كيفية تنفيذها. جسده تحرك وحده. كان داريوس يقف خلفه ويراقب المشهد. قال كايرن: «هل رأيت ذلك؟» أجاب داريوس: «رأيته». ابتسم كايرن بفخر، لكنه لم ينتبه إلى أن نظرة داريوس تغيرت للحظة. قال داريوس: «لا تتسرع في الفرح». استدار كايرن نحوه. — لماذا؟ اقترب داريوس منه وقال: «لأنك بدأت تتعلم أساسيات السيف فقط. القوة التي تبحث عنها ليست في ذراعك، ولا في سرعة ضربتك». نظر كايرن إلى السيف. — إذن أين هي؟ أجاب داريوس: «ستعرف عندما يحين الوقت». لم يفهم كايرن ما قصده، لكنه لم يسأل. وفي تلك الليلة، عندما عاد إلى منزله، وضع السيف الخشبي بجانبه قبل أن ينام. نظر إليه طويلًا، وتذكر اليوم الذي أمسكه فيه لأول مرة. حينها كان يرى أمامه مجرد بداية لحلم، أما الآن فقد بدأ يفهم أن الطريق نحو ذلك الحلم سيكون أطول وأصعب مما تخيل. لكن كايرن لم يكن يعلم أن تدريبه لم يكن يجذب انتباه داريوس وحده. ففي مكان بعيد عن القرية، بين الأشجار الكثيفة، كان شخص مجهول يراقب ساحة التدريب من بعيد. كان يرتدي عباءة سوداء تخفي ملامحه، وعندما رأى كايرن وهو يقطع الورقة بسيفه، رفع رأسه ببطء. ظهرت ابتسامة غامضة على وجهه. وقال بصوت خافت: «إذن... بدأ يستجيب». ثم استدار واختفى بين الأشجار. أما كايرن، فلم يكن يعرف شيئًا عن ذلك الرجل، ولم يكن يعلم أن الأيام القادمة لن تكون مجرد أيام تدريب عادية، وأن الطريق الذي بدأ بسيف خشبي بسيط سيقوده إلى أسرار أكبر بكثير مما يستطيع تخيله. لقد كانت ألف ضربة مجرد البداية.لم يتحرك كايرن. ظل واقفًا أمام الباب الحجري، وعيناه معلقتان بالظلام خلفه، بينما كانت كلمات الرجل ذي السيف الأسود تتردد في رأسه: «المدينة استيقظت.» لم يفهم كايرن ما الذي يعنيه، لكنه شعر بشيء غريب في أعماقه، شيء يخبره بأن ما يحدث الآن لم يكن مجرد صدفة.اهتزت الأرض تحت أقدامهم اهتزازًا خفيفًا، وتساقطت ذرات الغبار من السقف، بينما ارتجفت ألسنة النار المعلقة على الجدران. رفع راين رأسه وقال بحذر: «هل شعرتم بذلك؟» لم يجبه أحد. وبعد لحظات جاء الصوت مرة أخرى، أقوى هذه المرة.دوم...اهتزت القاعة بأكملها، وشد إيريان قبضته حول سيفه، بينما تراجعت سيلان خطوة إلى الخلف. أما داريوس فظل يحدق في الأرض بصمت، وكأنه يعرف بالضبط ما الذي يحدث. لاحظ كايرن ذلك فتوجه إليه وقال: «أنت تعرف ما يحدث.»رفع داريوس عينيه إليه، لكنه لم يجب.اقترب كايرن خطوة أخرى وقال: «داريوس، أريد أن أعرف الحقيقة.»تنهد العجوز، وكأنه كان يحاول أن يجد الكلمات المناسبة، لكن الرجل ذي السيف الأسود سبقه بالكلام: «الحقيقة لن تساعدك الآن.»التفت الجميع إليه. كان لا يزال واقفًا أمام السيوف الثمانية، إلا أن شيئًا واحدًا تغير؛ يده أصبحت فوق مقب
«عاد الطفل.» ترددت الكلمات داخل القاعة الحجرية، ثم عادت إليها السكون من جديد. أما تحت مدينة السيوف، فلم يكن السكون موجودًا. كان كايرن لا يزال واقفًا أمام الرجل ذي السيف الأسود، ويده مرفوعة أمامه، بينما كانت الدائرة الرابعة التي ظهرت على جلده تزداد وضوحًا. نظر الرجل إلى العلامة طويلًا. ثم خفض سيفه. قال كايرن: «ماذا يعني هذا؟» لم يجب الرجل. «قلت إن هذا تذكّر، وليس استيقاظًا. ماذا يعني ذلك؟» رفع الرجل عينيه إليه. «يعني أن العلامة لم تبدأ العمل اليوم.» تجمد كايرن. «ماذا؟» «كانت تعمل منذ سنوات.» «هذا مستحيل.» «أنت لا تتذكر.» اقترب الرجل من أحد السيوف الحجرية الثمانية. وضع يده على سطحه. «لكن جسدك يتذكر.» نظر كايرن إلى السيف. «وهذه السيوف؟» رفع الرجل يده عن الحجر. «لا تسألني عن أشياء لا ينبغي لك أن تعرفها بعد.» غضب كايرن. «الجميع يقول لي الشيء نفسه! داريوس يقول إن الوقت لم يحن، وألدين يخفي نصف ما يعرفه، والرجل صاحب السيف الأبيض يتحدث وكأنني جزء من شيء بدأ قبل ولادتي، وأنت تقول إنني كنت أعرفك وأنا طفل!» اقترب منه. «كفى.» كان صوته يرتجف.
لم يتحرك أحد.كان الظل يقف خلف الباب، ثابتًا تمامًا، بينما انعكس ضوء خافت على طرف السيف الأسود الذي يحمله. لم يكن النصل يشبه أي سيف رآه كايرن من قبل؛ لم يكن يلمع تحت الضوء، بل بدا وكأنه يمتصه.حدق كايرن في الباب، ثم التفت إلى داريوس.«قلت إنه الشخص الذي حملني إلى إيلورا.»لم يجب داريوس.كان يحدق في السيف الأسود.أما الرجل صاحب السيف الأبيض، فتقدم خطوة إلى الأمام وقال بصوت منخفض:«لم أتخيل أنني سأراه مرة أخرى.»سأل كايرن:«ماذا تعرف عنه؟»قال الرجل:«أعرف ما يكفي لأعرف أننا لا نستطيع السماح له بالدخول.»رفع داريوس سيفه.«ألدين، خذ كايرن إلى المخرج الخلفي.»رفض كايرن فورًا.«لن أهرب.»«هذه ليست معركة تستطيع خوضها.»«وأنت؟»«أنا أعرف ما أواجهه.»اقترب كايرن منه.«لكنني لا أعرف شيئًا! كلما سألتك عن ماضيي تخبرني أن الوقت لم يحن. والآن الرجل الذي يعرف من أين أتيت يقف خلف الباب، وتريد مني أن أهرب؟»نظر داريوس إليه طويلًا.ثم قال:«لأنني أخشى أن تكون الحقيقة أسوأ مما تتوقع.»قبل أن يرد كايرن، جاء صوت من الخارج:«داريوس.»كان الصوت هادئًا.هادئًا بصورة مخيفة.«لقد أمضيت سنوات طويلة تحاول إخفاء
كان الممر ضيقًا ومظلمًا، يمتد خلف جدران المتجر كأنه جزء من مدينة أخرى لا يعرف عنها أحد. لم يكن هناك سوى ضوء خافت يتسلل من مصابيح صغيرة مثبتة على الجدران، وكلما تقدم كايرن خلف داريوس وألدين، كان يشعر بأنهم يبتعدون أكثر عن أصوات المدينة.ظل السؤال يطارده:من هو الرجل الذي يحمل السيف الأبيض؟كان داريوس يسير في المقدمة، وسيفه الحقيقي في يده، بينما كان ألدين يغلق الأبواب الحديدية الصغيرة خلفهم واحدًا تلو الآخر. لم يشرح أي منهما شيئًا، وكأنهما اتفقا ضمنيًا على أن الحديث يمكن أن ينتظر حتى يصبحوا في مكان آمن.لكن كايرن لم يعد قادرًا على الانتظار.قال:«داريوس.»«أعرف ما تريد أن تسأل عنه.»«إذن أخبرني.»«لاحقًا.»«قلت لي هذا من قبل.»توقف داريوس للحظة، ثم التفت إليه.«لأن الوقت لم يكن مناسبًا.»«والآن؟»نظر داريوس إلى الممر أمامه.«الآن أصبح الوقت مناسبًا أكثر مما أتمنى.»واصلوا السير.بعد عدة دقائق، وصلوا إلى باب حجري كبير. وضع ألدين يده على علامة منحوتة في منتصفه، فتحركت الأحجار ببطء، وانفتح الباب على قاعة واسعة تحت الأرض.كانت القاعة مليئة بالخرائط القديمة والتماثيل المكسورة والأسلحة المغطا
كان الصباح قد بدأ يزدحم في شوارع مدينة السيوف عندما خرج كايرن وداريوس من النزل. لم يتحدث أي منهما عن البيت ذي الدوائر العشر، لكن كايرن كان يشعر أن شيئًا تغير منذ أن وطئت قدماه المدينة. لم تعد الأصوات المحيطة به تبدو عادية؛ كل سيف يراه في الشوارع يذكره بالنقش الموجود فوق الباب، وكل شخص يرتدي عباءة داكنة يجعله يتساءل إن كان أحد رجال الرجل الغامض.أما داريوس، فكان أكثر حذرًا من المعتاد.لم يكن يسير في الطرق الرئيسية، بل يختار الأزقة الأقل ازدحامًا، ويلتفت بين حين وآخر خلفه دون أن يلاحظ كايرن شخصًا يتبعه.بعد مسافة طويلة، وصلا إلى متجر قديم يقع بين محل للحدادة ومخزن للأسلحة. لم يكن فوق بابه أي اسم، ولم تعرض واجهته سيوفًا أو دروعًا مثل بقية متاجر المدينة.طرق داريوس الباب ثلاث مرات.انتظر.ثم طرق مرتين.فتح الباب رجل في أواخر الخمسينيات، له لحية قصيرة وشعر رمادي، وعندما رأى داريوس لم يبدُ عليه الترحيب.قال:«ظننت أنك لن تعود أبدًا.»أجابه داريوس:«كنت أتمنى ذلك.»انتقلت عينا الرجل إلى كايرن.توقف للحظة.«إذن هذا هو.»سأل كايرن:«ما الذي تعرفه عني؟»قال داريوس:«هذا ألدين، أحد الأشخاص القلا
بقي كايرن واقفًا أمام المبنى، غير قادر على إبعاد عينيه عن الشعار المنقوش فوق الباب. عشر دوائر تحيط بسيف طويل، وفي مركزه رمز صغير يشبه العلامة التي ظهرت على كفه. لم يكن هناك أي شك في أن الأمر مرتبط به، لكن أكثر ما أثار قلقه لم يكن الرمز نفسه، بل نظرة داريوس.كان معلمه يقف أمام الباب دون أن يلمسه، وكأن مجرد الاقتراب منه أعاد إلى ذاكرته شيئًا حاول دفنه لسنوات.قال كايرن:«ما هذا المكان؟»أجاب داريوس دون أن ينظر إليه:«مكان لا ينبغي لنا أن نكون فيه.»«هذا ليس جوابًا.»«أعرف.»«إذن أخبرني الحقيقة.»استدار داريوس نحوه.«الحقيقة أنني كنت أعرف أن هذا المكان موجود، لكنني لم أتوقع أن أراه مرة أخرى.»اقترب كايرن من الباب ومد يده نحوه، لكن داريوس أمسك بمعصمه بسرعة.«لا تلمسه.»«لماذا؟»«لأن العلامة على يدك استجابت له.»نظر كايرن إلى كفه. كانت الحرارة قد بدأت تخف، لكن الرمز بقي واضحًا.«ربما هذا يعني أنني يجب أن أدخل.»شد داريوس قبضته قليلًا ثم ترك يده.«وهذا بالضبط ما أخشاه.»قبل أن يسأل كايرن المزيد، سمعا صوتًا خلفهما.«لم أتوقع أن يعود داريوس إلى هنا.»استدار الاثنان.كان رجل مسن يقف في الطرف ا