Mag-log inاستيقظ كايرن قبل شروق الشمس بقليل، وكعادته خرج من المنزل متجهًا إلى ساحة التدريب بينما كان الضباب لا يزال يغطي الجبال والهواء البارد يتسلل بين الأشجار. خلال الأيام الماضية، أصبح التدريب جزءًا من حياته، لكنه لم يكن التدريب الذي تخيله عندما طلب من داريوس أن يعلمه استخدام السيف. فبدلًا من أن يضع داريوس سيفًا في يده، جعله يركض لمسافات طويلة، ويتسلق الصخور، ويحمل جذوع الأشجار الثقيلة، ويدرب جسده حتى يصبح الوقوف بعد انتهاء التمرين أمرًا شاقًا.
وفي كل مرة كان كايرن يسأله متى سيبدأ تعلم السيف، كان داريوس يجيبه بالعبارة نفسها: «عندما تصبح مستعدًا». لم يكن كايرن يفهم معنى ذلك، فقد كان يعتقد أن امتلاك السيف هو الخطوة الأولى، بينما كان داريوس يعرف أن السيف لا ينبغي أن يكون إلا امتدادًا لجسد مستعد وعقل قادر على السيطرة عليه. عندما وصل كايرن إلى ساحة التدريب، وجد داريوس واقفًا في مكانه المعتاد، يراقب الضباب بصمت. وما إن اقترب حتى قال دون أن يلتفت: «تأخرت». نظر كايرن إلى السماء باستغراب وقال: «الشمس لم تشرق بعد، فكيف تأخرت؟» أجابه داريوس بهدوء: «وهذا ليس عذرًا»، ثم اتجه نحو طرف الساحة دون أن يضيف شيئًا. تبع كايرن خطواته بعينيه، ثم لاحظ أن داريوس توقف وانحنى والتقط شيئًا من الأرض. للحظة، لم يفهم ما الذي يفعله، لكن عندما استقام ظهر في يده سيف خشبي. توقف كايرن في مكانه، واتسعت عيناه وهو يحدق في السيف وكأنه يخشى أن يختفي إذا تحرك. قال بصوت منخفض: «هل هذا...؟» أجابه داريوس ببساطة: «خذه». اقترب كايرن ببطء، ثم جلس على ركبته ومد يده نحو المقبض. وما إن لامست أصابعه الخشب حتى شعر بشيء مختلف؛ لم يكن السيف أكثر من قطعة خشب بسيطة، لكنه بالنسبة إليه كان شيئًا أكبر بكثير. كان أول سيف يمسكه في حياته، وأول خطوة حقيقية نحو الحلم الذي حمله في قلبه لسنوات طويلة. أمسكه بكلتا يديه ورفعه أمام عينيه، وظل ينظر إليه للحظات قبل أن تظهر على وجهه ابتسامة لم يستطع إخفاءها. راقبه داريوس ثم قال: «لا تبتسم كثيرًا». رفع كايرن عينيه إليه وسأله باستغراب: «لماذا؟» رفع داريوس عصاه واتخذ وضعية القتال، ثم قال بنبرة هادئة: «لأنك ستندم على طلب التدريب». لم يجد كايرن وقتًا ليسأل عما يقصده، ففي اللحظة التالية اندفع داريوس نحوه بسرعة لم يتوقعها. رفع كايرن السيف بشكل غريزي، فاصطدمت العصا به بقوة جعلت ذراعيه ترتجفان وتراجع خطوتين إلى الخلف. وقبل أن يستوعب ما حدث، جاءت الضربة الثانية ثم الثالثة، وأصبح عليه أن يتحرك بسرعة حتى لا تصيبه العصا. حاول كايرن الدفاع عن نفسه، لكنه لم يكن يعرف الطريقة الصحيحة لإمساك السيف، ولم تكن لديه أي خبرة في القتال. صد ضربة من اليمين بصعوبة، ثم انحنى ليتفادى أخرى جاءت من الأعلى، لكنه لم يتمكن من توقع الضربة التالية التي أصابت كتفه وأسقطته على الأرض. أمسك كايرن كتفه وتأوه قائلًا: «لماذا تضربني هكذا؟» أجابه داريوس: «لأنك طلبت مني أن أعلمك استخدام السيف». قال كايرن بغضب: «لكنني مبتدئ!» فرد داريوس دون تردد: «ولهذا السبب ستتعلم». نهض كايرن ببطء، ثم قبض على السيف بقوة وقال: «لن أسقط مرة أخرى». نظر إليه داريوس للحظات، وكأن شيئًا في إصراره أثار اهتمامه، ثم قال: «أرني». اندفع كايرن نحوه، ولم تكن حركته تحمل أي تقنية حقيقية، لكنه هاجم بكل ما لديه من قوة. صد داريوس الضربة بسهولة، ثم صد الثانية والثالثة، وفي كل مرة كان كايرن يشعر أن الفارق بينهما أكبر مما تخيل. ومع ذلك لم يتراجع، بل استمر في الهجوم حتى بدأت ذراعاه تؤلمانه وأصبح تنفسه أثقل. حاول كايرن تنفيذ ضربة أخرى، لكنه أخطأ في وضع قدمه، فاستغل داريوس الخطأ وضرب ساقه، ليسقط على الأرض للمرة الثانية. بقي كايرن للحظات ينظر إلى السماء وهو يلهث، ثم سمع داريوس يسأله: «لماذا نهضت؟» رفع كايرن رأسه وقال: «لأنني أريد أن أصبح سيافًا». اقترب داريوس منه وقال: «وهل تظن أن الرغبة وحدها تكفي؟» لم يجد كايرن جوابًا. تابع داريوس: «السيف لا يجعل الرجل قويًا يا كايرن، بل الرجل هو من يجعل السيف قويًا. إذا لم تستطع السيطرة على جسدك وعقلك، فلن يفيدك أقوى سيف في العالم». بقيت كلمات داريوس في ذهن كايرن، ثم مد له يده وقال: «انهض». أمسك كايرن بيده ونهض، لكنه لم يكد يقف حتى بدأ داريوس يشرح له أخطاءه. كانت وقفته خاطئة، وقبضته على السيف ضعيفة، وحركته بطيئة وغير متوازنة، وحتى طريقة تنفسه أثناء القتال كانت تستهلك طاقته بسرعة. استمع كايرن إليه بصمت، ثم نظر إلى السيف الخشبي وسأل: «إذن ماذا أعرف؟» قال داريوس: «لا شيء». صمت كايرن للحظة، ثم ابتسم وقال: «جيد، علمني». تأمل داريوس وجهه طويلًا قبل أن يدير ظهره ويقول: «غدًا ستبدأ بألف ضربة». اتسعت عينا كايرن وقال: «ألف؟!» لم يلتفت داريوس إليه وهو يجيب: «وإذا توقفت قبل أن تكملها، ستبدأ من جديد». ظل كايرن واقفًا في مكانه وهو ينظر إلى ظهر داريوس، ثم أنزل عينيه نحو السيف الخشبي الذي في يده. لم يكن يعلم أن ذلك السيف البسيط سيكون أول خطوة في طريق طويل سيغير حياته بالكامل، ولم يكن يعرف أن التدريب الذي بدأه في ذلك الصباح سيقوده يومًا إلى أسرار السيف القديم، وإلى أحداث ستضع الممالك كلها أمام خطر لم تكن مستعدة له. لكن في ذلك اليوم لم يكن كايرن يفكر في الحروب أو الممالك أو الأساطير. كان يفكر في حلم واحد فقط؛ أن يصبح سيافًا، مهما كان الثمن الذي عليه دفعه للوصول إلى ذلك الحلم. رفع كايرن السيف الخشبي من جديد، ونظر إلى داريوس قبل أن يستعد لضربته الأولى. كان يعلم أن الطريق أمامه لن يكون سهلًا، لكنه للمرة الأولى شعر أنه بدأ يسير فعلًا نحو الشيء الذي طالما حلم به. وهكذا بدأت رحلته الحقيقية مع السيف.كان الضوء الأبيض يقترب ببطء.لم يكن انعكاسًا على سطح الماء، بل شيئًا يتحرك تحته، ويترك خلفه خطًا مضيئًا يشق البحر الأسود من المنتصف. وقف الجميع في أماكنهم يراقبونه، بينما بقي كايرن ممسكًا بقطعة الخشب التي ظهرت أمامه.قال راين بصوت منخفض: «أخبروني أنني لست الوحيد الذي يعتقد أن علينا المغادرة الآن.»قال إيريان: «أنت تقول ذلك منذ أن دخلنا.»«وهذه المرة لدي سبب.»لم يرد سيلان. كان يراقب الضوء بعينين ضيقتين.«إنه لا يتحرك مثل شخص يسبح.»قالت إيلارا: «إذن ماذا يفعل؟»«لا أعرف.»ثم أضاف:«لكنه يتجه إلينا مباشرة.»تحرك داريوس إلى الأمام.«ابتعدوا عن الماء.»تراجع الجميع، باستثناء كايرن.قال داريوس: «كايرن.»«إنه يبحث عني.»«وهذا سبب إضافي لتبتعد.»نظر كايرن إلى القطعة الخشبية في يده.«إذا كان يعرف ما حدث هنا، فقد يكون هو الوحيد القادر على إخباري.»اقترب داريوس منه.«ليس كل من يملك إجابة يريد أن يمنحك الحقيقة.»«وأنت تعرف هذا جيدًا.»لم يجب داريوس.توقف الضوء أمامهم.سكن البحر.ثم ظهر شخص.خرج من الماء وكأنه لم يكن مبتلًا أصلًا.كان رجلًا طويلًا يرتدي عباءة رمادية قديمة، وشعره مبللًا ينسدل على
بقي كايرن واقفًا أمام الصندوق الحجري، غير قادر على تحريك عينيه عن السيف الخشبي.لم يكن السيف جديدًا، ولا محفوظًا بعناية. كان سطحه مليئًا بالخدوش، وبعض أجزائه قد تغير لونها بفعل الزمن والرطوبة، لكن شيئًا واحدًا جعل كايرن يشعر بأنه يعرفه رغم أنه لم يره من قبل.المقبض.كان هناك خدش صغير على جانبه، يشبه خطًا مائلًا يتبعه خط آخر أقصر منه.مد كايرن يده دون أن يشعر.قال داريوس بسرعة:«لا تلمسه.»توقفت يده في الهواء.التفت إليه.«لماذا؟»لم يجب داريوس.تقدم إيفان بدلًا منه، وحدق في السيف.«أنت تعرفه.»قال داريوس: «أعرفه.»ساد الصمت.رفع كايرن حاجبه.«إذن هذا أول جواب واضح منك منذ مدة.»لم يبتسم داريوس.«لأنه ليس سيفًا عاديًا.»قال سيلان: «هذا واضح.»لكن داريوس لم ينظر إليه.«إنه سيف خشبي.»تغيرت ملامح كايرن.«أعرف.»«لكنه ليس مجرد سلاح للتدريب.»اقترب داريوس من الصندوق، لكنه لم يلمسه.«في هذه المدينة، كانت هناك أشياء تُستخدم لحفظ الذكريات. بعضها كان من الحديد، وبعضها من الحجر، وبعضها... من الخشب.»قال كايرن: «السيف يحفظ ذكرى؟»«ربما.»«أو شخصًا.»رفع إيفان عينيه إلى داريوس.«أليس كذلك؟»لم ير
اندفع الماء إلى الأعلى كجدار هائل، فاختفت المنصات تحت رغوة سوداء للحظات. تراجع كايرن وإيفان وإيلارا والبقية إلى الخلف، بينما ثبت داريوس قدميه وأمسك سيفه بكلتا يديه.ثم ظهر الكائن.خرج من البحر ببطء، وكأن الماء نفسه يفسح له الطريق. كان جسده مغطى بطبقات من الحجر الأسود والمعدن القديم، وعلى كتفيه امتدت زوائد تشبه أطراف درع محطم. لم يكن له وجه واضح، فقط تجويفان مظلمان مكان العينين، وفي منتصف صدره ظهرت علامة الدائرة الناقصة.لكن أكثر ما لفت انتباه كايرن كان يده.كانت تمسك بالسيف المغروس في قاع البحر.قال إيريان: «أعتقد أننا وجدنا صاحب الصوت.»رد راين: «وأعتقد أنه لا يريد أن يتحدث معنا.»تحرك الكائن.لم يرفع سيفه، ولم يصرخ، ولم يهددهم.فقط خطا خطوة واحدة.اهتزت القاعة.صرخ سيلان: «ابتعدوا عن المنصة!»قفز الجميع إلى الجسر الحجري، لكن كايرن لم يتحرك.كان يحدق في السيف.النصل الطويل ما زال مغروسًا في قاع البحر، وكانت الدائرة الأولى على سطحه قد انطفأت تمامًا.قال كايرن: «إنه لا يحاول مهاجمتنا.»نظر داريوس إليه.«كايرن.»«إنه يحرس السيف.»«وهذا سبب كافٍ للابتعاد.»«لكن لماذا؟»لم يجب داريوس.تقد
اختفى الضوء.لثوانٍ طويلة لم يسمع أحد سوى صوت الماء وهو يتحرك ببطء حول المنصات الحجرية. كانت العين التي ظهرت تحت سطح البحر قد اختفت، لكن الإحساس بوجودها لم يختفِ. بقي شيء ما يراقبهم من الأعماق، شيئًا لم يعد كايرن قادرًا على إقناع نفسه بأنه مجرد أثر من آثار المدينة.رفع راين سيفه وقال بصوت منخفض: «أرجو أن يكون الجميع قد رأى ذلك.»قال إيريان: «إذا كنت تقصد العين العملاقة تحت الماء، فنعم.»«جيد. كنت أخشى أنني بدأت أتخيل الأشياء.»قال سيلان وهو يراقب سطح البحر: «المشكلة ليست في العين.»نظر إليه راين.«وما المشكلة إذن؟»«أنها لم تكن تنظر إلينا جميعًا.»التفتت الأنظار إلى سيلان.أشار إلى كايرن.«كانت تنظر إليه.»لم يتكلم كايرن.كان لا يزال يحدق في المنصة الثالثة، حيث بقي مقبض السيف ظاهرًا تحت القماش الأسود.شعر بشيء غريب في صدره، إحساس لم يكن خوفًا تمامًا، ولم يكن رغبة في الاقتراب أيضًا. كان أشبه بذكرى لا يستطيع الإمساك بها، لكنه يعرف أنها كانت موجودة في مكان ما داخله.مد يده نحو سيفه.لاحظ داريوس الحركة.«لا.»توقف كايرن.«لم أفعل شيئًا.»«كنت ستفعل.»«كيف تعرف؟»«لأنك تفعل الشيء نفسه كل م
كان صوت الماء يزداد وضوحًا كلما تعمقوا في الممر.في البداية ظن كايرن أنه مجرد صوت بعيد يتردد بين الجدران، لكن بعد دقائق أصبح من المستحيل تجاهله. لم يكن خريرًا عاديًا، بل حركة ثقيلة وعميقة، كأن شيئًا ضخمًا يتحرك في ظلام لا يصل إليه الضوء.كان الممر ينحدر تدريجيًا، والحجارة القديمة تحت أقدامهم أصبحت أكثر رطوبة. قطرات الماء تتساقط من السقف، وتترك دوائر صغيرة على الأرض قبل أن تختفي بين الشقوق.رفع راين رأسه وهو يتفحص الجدران.«لا يعجبني هذا.»نظر إليه سيلان باستغراب. «ما الذي لا يعجبك تحديدًا؟»«كل شيء. الممر، الماء، المدينة التي تحاول تذكر أشياء لا نريد تذكرها... والأهم أننا ننزل إلى مكان لا نعرف ما يوجد فيه.»ابتسم إيريان بسخرية خفيفة. «هذا وصف جيد جدًا لأي مكان ذهبنا إليه منذ دخلنا مدينة السيوف.»لم يرد راين، فقد كان يعلم أن إيريان محق.تقدمت إيلارا بجانب إيفان، وكانت عيناها لا تفارقان أخاها. منذ أن أخبرهم أن الماء يتحرك تحت المدينة، لم تقل الكثير، لكنها كانت تراقب خطواته وملامحه باستمرار.لاحظ إيفان ذلك.«أنا بخير.»«لم أسألك.»«لكنك تراقبينني.»«لأنك تختفي كلما ظننت أنك بخير.»نظر إل
بقيت الجملة معلقة في الممر بعد أن انغلق الباب خلفهم.«لم يكن داريوس.»لم يسأل أحد مباشرة. كان إيفان لا يزال على ركبته، وإيلارا تمسك بذراعه حتى استعاد توازنه. أما داريوس فظل واقفًا أمام الباب الحجري، وعيناه على النقش الذي اختفى مع إغلاقه.كان كايرن أول من كسر الصمت.«إذن من كان؟»رفع إيفان رأسه.«لا أعرف.»قال راين من الخلف:«هذه الجملة أصبحت أكثر شيء نسمعه هنا.»نظر إليه سيلان، لكنه لم يعترض.قال إيفان:«هذه المرة مختلفة.»سألت إيلارا:«كيف؟»«لأنني لا أتذكر وجهه.»«لكنّك تذكر ما فعله.»أومأ.«أذكر صوته.»«ماذا قال؟»أغمض إيفان عينيه.مرت لحظات قبل أن يجيب.«قال لي إن بعض الأسماء ليست أسماء.»نظر كايرن إلى الباب.«وهذا ما قالته المدينة.»«نعم.»«ثم ماذا؟»فتح إيفان عينيه.«قال لي إنني إذا عرفت الاسم، فسأعرف الشخص الذي أرسلني.»قال سيلان:«لكننا نعرف الآن أن الاسم ليس اسم الشخص.»«هذا ما ظننته أنا أيضًا.»«إذن ما الذي كان يقصده؟»تردد إيفان.«قال إنني لن أفهم الفرق إلا عندما أنسى.»قال راين:«هذا الرجل يبدو مولعًا بالألغاز.»قال إيفان:«لم يكن يمزح.»اختفت ابتسامة راين.اقترب كايرن من