Share

خلف القناع الذهبي

Author: Zikostras
last update publish date: 2026-08-21 23:45:28

كانت أنوار الفجر الباهتة تطبع ظلالاً رمادية على الواجهة الزجاجية الضخمة لمبنى البنك المركزي. المبنى، الشاهق كحصن من الصلب والرخام الأسود، لم يكن مجرد صرح اقتصادي في قلب العاصمة، بل كان أحدث قلعة أمنية تُدار بأعقد أنظمة المسح البيومتري والحراسة المشددة.

استقرت سيارة أجرة قديمة عند زاوية الشارع المقابل. خرجت منها ميار وهي ترتدي زياً رسمياً أنيقاً، وتحمل حقيبة كاميرا صحفية وشارة التغطية الإعلامية الخاصة بالمؤتمر السنوي للأمن الرقمي. ورغم الهدوء الذي حاولت تصنعه على وجهها، كان قلبها يدق بانتظام سريع، وعيناها تتفحصان نقاط التفتيش وسيارات الحراسة السوداء المصطافة على طول المدخل الرئيسي.

من الجهة الخلفية للمبنى، قرب مدخل الشحن والخدمات اللوجستية، كان زين يتحرك بين العمال الذين ينقلون معدات الصوت والشاشات. كان يرتدي زي الفنيين الأزرق الداكن، وقد ضغط وشاحاً طبيّاً تحت قميصه ليشد على جرحه المفتوح جزئياً. كان وجهه شاحباً، لكن نبرته وعينيه كانتا حاضرتين بصلابة حاسوبة.

وضع زين سماعة لاسلكية دقيقة في أذنه، وأجرى اختباراً خفيفاً للصوت: "ميار... هل تسمعينني؟"

عدلت ميار طرف شعرها لتخفي السماعة المثبتة في أذنها، وردت بنبرة خفيضة وهي تتقدم نحو بوابة كشف المعادن الرئيسية: "أسمعك بوضوح. أنا عند نقطة التحقق الأولى. الممر مليء بالحراس والرؤساء التنفيذيين."

"ممتاز،" قال زين وهو يمرر بطاقة فني مزورة صممها في الحافلة عبر القارئ المغناطيسي لباب الخدمات. أصدر الجهاز زعيراً أخضر خفيفاً ليفتح الباب الهيدروليكي. "أنا الآن داخل الطابق السفلِي الأول. أمامنا خمس وأربعون دقيقة فقط قبل أن تبدأ الكلمة الافتتاحية للمؤتمر ويعاد تشفير الأبواب التلقائية كلياً."

مرت ميار عبر البوابة الأمنية بنجاح بعد أن أظهرت بطاقتها الصحفية. اختلطت بالزحام في القاعة الكبرى ذات السقف الزجاجي المرتفع، حيث تتوزع شاشات العرض الضخمة ومنصات العرض التكنولوجية. وفي وسط القاعة، كان يقف رجل في الخمسينات من عمره، ذو شعر رمادي وبدلة فاخرة، ينادونه بالحاضرين بـ "الرئيس التنفيذي للبنك".

انقبضت حدقة عين ميار وهي تتأمل وجهه، وهمست عبر السماعة: "زين... 'طاهر السويفي' يقف في منتصف القاعة. إنه رئيس البنك المركزي."

جاء صوت زين عبر السماعة، يتخلله صوت خطواته على درجات السلم الخرساني المؤدي للقبو: "طاهر ليس مجرد مدير بنك يا ميار... إنه المتحدث الرسمي باسم 'مجلس الأطياف'، والشخص الذي وقع قرار إنهاء مشروع والدكِ الميداني. لا تجذبي انتباهه."

وصل زين إلى الأبواب الصلبة المؤدية إلى القبو السفلي رقم (4). كانت البوابة عبارة عن جدار فولاذي سميك لا يحتوي على مقابض أو أقفال عادية، بل شاشة لمس سوداء ومستشعر لبصمة العين.

وقف زين أمام الشاشة، وأخرج من جيبه جهاز صغيراً يشبه الـ USB أعده خصيصاً لهذه اللحظة. وصله بالوصلة السفلية للوحة التحكم، ثم قال بحدة عبر السماعة: "ميار... أحتاج إليكِ الآن عند لوحة التوزيع الرئيسية في الطابق الثاني. عليكِ قطع التيار عن المولد الفرعي لثوانٍ معدودة لإجبار البوابة على العودة إلى الوضع اليدوي الطارئ."

"فهمت... أنا في طريقي للدرج الفني،" أجابت ميار وهي تتنسل ببراعة من بين الحراس والمصويرين نحو الممر الجانبي.

صعدت ميار السلالم الخدمية بسرعة، وقدمها تطأ درجات الصلب بحذر. عندما وصلت إلى لوحة الكهرباء المركزية في الطابق الثاني، أخرجت أداة كسر الأقفال الصغيرة التي أعطاها لها فاروق، وفتحت الغطاء المعدني لتبدو أمامها عشرات الأسلاك والمفاتيح عالية الفولتية.

"أنا عند اللوحة يا زين... أي مفتاح بالتحديد؟" سألت وهي تلهث.

أجابها زين وهو يتابع الأكواد المتسارعة على هاتفه الموصول بالباب: "السلك الأزرق السميك المتصل بمرحل الأمان الفرعي. افصليه عند العد إلى ثلاثة."

سحبت ميار القطاعة المعدنية، ويدها ترتجف فوق السلك الأزرق: "واحد... اثنان..."

قبل أن تنطق برقم ثلاثة، سمعت صوت خطوات ثقيلة ومفاجئة تقترب من الممر الخفي خلفها، وتلاها صوت سحب أقسام مسدس تلقائي ونبرة باردة حاسمة:

"ضعي تلك القطاعة أرضاً وارفعي يديكِ فوراً يا أنسة... اللعبة انتهت."

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • أطياف خاملة (Idle Shadows)   أبعاد الحقيقة

    انساب ضباب الخريف الرقيق فوق خليج العاصمة، ليرسم لوحة رمادية ساحرة تتداخل فيها أنوار الميناء البعيدة مع المبانِي ذات الطراز الحديث والقديم الممتدة على طول الشريط الساحلي. كان الصباح الباكر يبعث على الهدوء والسكينة، وحركة المرور على الكورنيش العريض انسابت بسلاسة، خالية من تلك المواكب الأمنية الطارئة وسيارات الإسعاف التي كانت تمزق الهدوء في سنوات المطاردة السوداء.داخل القاعة الرئيسية للتطوير في "مركز الفجر للحلول والأمن الرقمي الأخلاقي"، كان هناك أكثر من عشرين شاباً وشابة من خريجي كليات هندسة الحاسوب والإعلام الاستقصائي يلتفون حول طاولة تفاعلية عملاقة. كانت الشاشة تعكس تحليلاً مباشراً للثغرات الرقمية ومحاكاة لهجمات سيبرانية معقدة، بينما كان زين يقف عند رأس الطاولة يشرح لهم بأسلوبه الرزين والمركّز كيفية بناء خوارزميات الوقاية والتحصين.كان زين يرتدي سترة قطنية كحيلة بسيطة، وعلى الرغم من السنوات التي مرت واندشال آثار الجراح الجسدية من خاصرته كلياً، إلا أن نظراته الرماديتين كانتا تعكسان نضجاً مبرمجاً خاض أعتى الحروب الرقمية، ليتحول من فار في الظلال إلى منارة توجيه وإرشادي للأجيال الصاعدة.

  • أطياف خاملة (Idle Shadows)   ظلال في ذاكرة النور

    انقضت أسابيع قليلة على اعتماد المنظومة السيادية الجديدة لحماية البيانات الوطنية، وكان خريف العاصمة يتسلل بهدوء عبر أوراق أشجار الدلب المتساقطة على طول الكورنيش المحاذي للمركز. في الطابق العلوي لـ "مركز الفجر للحلول والأمن الرقمي"، كانت قاعة التحليلات الاستقصائية تضج بحيوية هادئة ونظام دقيق؛ حيث يعكف المطورون والباحثون الشباب على اختبار الثغرات وتطوير خوارزميات التشفير الأخلاقي، مستندين إلى الإرشادات الميدانية التي صاغها زين والتأطير الصحفي والإسناد الحقوقي الذي قادته ميار.جلس زين في مكتبه المطل على الخليج، يراجع التقارير الفنية الدورية الصادرة عن وحدات الأمان الخارجية. ورغم الصمت والسكينة اللذين يحيطان بالمكان، كانت عيناه الرماديتان تتفحصان السطور البرمجية بحس متيقظ لا يغفل؛ فقد علّمته التجارب القاسية في ممرات البنك المركزي وقبو المنارة الشمالية أن الحفاظ على النور واستدامة العدالة يتطلبان يقظة مستمرة لا تقل أهمية عن معركة استرداد الحقوق ذاتها.انفتح باب المكتب بهدوء، ودخلت ميار تحمل في يدها ملفاً ورودياً مغلفاً بعناية، وإلى جانبه نسخة أولى مطبوعة من كتابها الاستقصائي الجديد الذي يعث

  • أطياف خاملة (Idle Shadows)   أفق ممتد

    مرت سنتان كاملتان على إغلاق ملف "الأطياف" نهائياً وإحالة بقايا مجالس الظل إلى محاكمات علنية غيرت شكل الخريطة القضائية في البلاد. في الضاحية الهادئة المحاذية للهضاب الخضراء عند أطراف العاصمة، كان مقر "مركز الفجر للحلول والأمن الرقمي الأخلاقي" يقبع في مبنى حديث ذي واجهات زجاجية واسعة تطل على خليج البحر الممتد، مستقبلاً أنوار الصباح الباكر بكثير من الحياة والنشاط.داخل المكتب الرئيسي في الطابق الثاني، كان زين يجلس أمام منصة عمل متطورة تضم ثلاث شاشات عرض عريضة، يتابع بتركيز ورزانة سير بروتوكولات التشفير الوقائية التي طوّرها لفائدة المنصات الصحفية المستقلة وجمعيات حماية حقوق البيانات. كانت ملامحه تنبض بنوع من القوة الصافية؛ فقد غادرت عينيه الرماديتين تلك النظرة الحذرة والمتوجسة، واستبدلت بها نظرة قائد واثق يدرك قيمة رسالته ونبل الغاية التي ناضل لأجلها.انفتح الباب الزجاجي للمكتب ببطء، ودخلت ميار وهي تحمل ملفات رقمية حديثة وتقرير استقصائي مطبوعاً بصورة أنيقة. كانت ترتدي بدلة رسمية بيضاء تعكس نضجها وتألقها كمديرة لقسم الأبحاث والتحقيقات في المركز، بينما أصبحت مقالاتها وحواراتها المتلفزة مرجع

  • أطياف خاملة (Idle Shadows)   ميثاق البحر

    انساب ضوء الصباح الدافئ فوق سطح المياه الشمالية الساكنة، ليحول رذاذ البحر المتطاير حول الجرف الصخري إلى شلالات مصغرة من الألوان المتألقة. كانت الأنفاس الشديدة والأنين المكتوم لنظام التهوية الاحتضاري داخل البرج قد تلاشت كلياً، ولم يعد يسمع في الأرجاء سوى صرير الأبواب الحديدية التي هزتها رياح الفجر الخفيفة، وصوت تكسر الأمواج المتناغمة مع الهدوء البكر الذي غمر المكان.وقف كمال العلي عند حافة الصخور المرتفعة، يستند بكلتا يديه على عصاه الخشبية، وعيناه النافذتان تتأملان الأفق البعيد حيث تلتقي المياه الأزرية بالسماء الصفاء. كانت تلك اللحظة الأولى منذ سنوات طويلة التي يخرج فيها إلى الضوء الخارجي دون أن يحمل على كاهله ثقل المراقبة الرادارية، أو خشية تسرب الإشارات التي قد تتيح لرجال "طاهر السويفي" تحديد موقعه وتصفيته.وعلى بعد أمتار قليلة، كانت ميار تقف بجوار زين، وقد أزاحت شعرها عن وجهها المجهد لتدع نسمات الهواء الباردة تجفف آثار الدموع التي انهمرت خلال اللحظات الحاسمة داخل المختبر. التفتت ميار إلى زين، ورأت في ملامحه الشاحبة نوعاً من السكينة التامة لم تعهده منذ التقيا في المقهى الماطر؛ لقد زا

  • أطياف خاملة (Idle Shadows)   شفرة المنارة

    تلبد الهواء داخل القاعة الدائرية للمختبر السري المحصن بنوع من الركود المشحون بالقلق والمسؤولية الكبرى، حيث اندمج نفيث مضخات التبريد المائية المنسابة داخل هيكل السيرفر المركزي مع الصوت الخفيض والأحشائي للأمواج البحرية الشمالية التي تتكسر بعنف قسري على السور الصخري الخارجي للبرج. كانت الأضواء الغائرة في السقف البيطوني تعكس شحوباً ناصعاً على وجوه الثلاثة، مجسدة تداخل الماضي القاسي مع الحاضر الحاسم الذي لا يحتمل أي هامش للخطأ أو التردد.وقف كمال العلي أمام اللوحة الرقمية التفاعلية الملحقة بالسيرفر المائي، ونزع نظارته ذات الإطار النحاسي ليمسحها بطرف معطفه الصوفي ببطء، في محاولة لاسترجاع رباطة جأشه بعد الصدمة العاطفية التي أحدثها لقاؤه بابنته ومساعده القديم. كانت أصابعه المرتجفة تكشف عن ثقل الاعوام الخمسة التي قضاها معزولاً في هذا البرج الموحش، يتغذى على الأمل الباهت ويراقب تحركات "مجلس الأطياف" عبر خطوط تتبع معقدة لا يعلم عنها أحد.على الجانب الآخر، كان زين يلتف حول الطاولة الفولاذية المجاورة للوحة التحكم، وعيناه الرماديتين تتابعان الخطوط البرمجية المتسارعة التي تتدفق باللون الأخضر والأحمر

  • أطياف خاملة (Idle Shadows)   حقيقة المخرج

    وقفت ميار متصنمة في منتصف القاعة الدائرية للمختبر السري، تتجاذبها أمواج متلاطمة من المتناقضات الحادة والتحولات النفسية العاصفة؛ بين الفرح الجارف والذهول المطلق لرؤية والدها حياً يرزق أمام عينيها، وبين مرارة الخديعة القاسية والشعور بالتضليل الذي عاشت تحته طوال ثلاث سنوات عافتها فيها راحة البال. كانت أنفاسها تتصاعد وتتردد بشكل متسارع في هواء القبو الجاف والمكيف، بينما ساد سكون مريب وخانق في أرجاء المكان، لا يقطعه إلا النفيث المنتظم والرتيب لأجهزة التبريد المائية الملحقة بالخوادم المضيئة، وصوت الهزيم الهادئ لموجات البحر الشمالي العاتية التي تواصل اصطدامها الشديد بالصخور السوداء للبرج الخارجي.أما زين، فقد خفض مسدسه الفولاذي ببطء شديد وبحذر متأمل، وعيناه الرماديتان الحادتان تتفرسان بتركيز عميق في ملامح أستاذه ومدربه القديم. كان يرى أمامه الرجل العبقري الذي علمه قواعد البرمجة الأولى ورموز التشفير المعقدة في بداية مسيرته، لكنه رأى أيضاً المهندس الذي ترك ابنته الوحيدة تقتحم الخطوط الأمامية، وتواجه فوهات الأسلحة الأوتوماتيكية، وتنزف الدماء الزكية في الممرات الخرسانية المظلمة للبنك المركزي دون

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status