ログインفي زنزانةٍ صغيرة تقع في أحد الأركان الهادئة من سجن الأكاديمية، جلست ميرا فوق سريرها الضيق تضم ساقيها إلى صدرها، وتحيطهما بذراعيها في محاولة يائسة لتمنح نفسها شيئًا من الدفء الذي افتقدته منذ أن وطئت قدماها هذا العالم الغريب. كانت تُسند جبهتها إلى ركبتيها، بينما عيناها الشاردتان تحدقان في الفراغ وكأنهما تبحثان عن شيء ضاع منهما إلى الأبد.لم تعد تعلم منذ متى وهي هنا... أهو أسبوع؟ أم أكثر؟ لقد فقدت الإحساس بالزمن تمامًا. لم تعد تفرق بين الصباح والمساء إلا عندما يفتح أحد الحراس الباب الحديدي ويضع لها الطعام ثم يرحل دون أن ينطق بكلمة واحدة.هكذا أصبحت حياتها.تنام حين يغلبها الإرهاق، وتستيقظ حين تفتح عيناها من تلقاء نفسيهما، وتأكل ما يقدمه لها الحراس دون شهية، ثم تعود لتجلس في المكان نفسه، غارقة في بحرٍ لا ينتهي من التفكير.تنهدت بعمق وهمست بصوتٍ متقطع:— إلى متى... إلى متى سأظل هنا؟ارتجف صوتها وهي ترفع رأسها قليلًا.— كيف حال أبي الآن؟ هل ما زال يبحث عني؟ أم أنه...؟توقفت الكلمات في حلقها، وشعرت بدموعها تنساب من جديد.تذكرت وجه والدها في تلك الليلة... صوته المرتجف... نظرته الأخيرة إليها و
بعد مرور أسبوع كامل على تلك الأحداث، خيّم الهدوء على أروقة أكاديمية الطب، إلا أن ذلك الهدوء لم يكن سوى ستار يخفي خلفه قلقًا يتزايد يومًا بعد يوم.في الطابق العلوي من المبنى الرئيسي، جلس كبير الحكماء ثامور خلف مكتبه العريض المصنوع من خشبٍ أبيض تتخلله عروق زمردية متوهجة بخفوت، بينما كانت رفوف الكتب القديمة تحيط بالغرفة من كل جانب، وقد امتلأت بمجلدات سحرية عتيقة ولفائف تعاويذ لم يعد يعرف أسرارها إلا القليل. غير أن الحكيم لم يكن يطالع شيئًا منها؛ بل كان جالسًا شارد الذهن، وعيناه معلقتان برسالة موضوعة أمامه فوق المكتب، وكأنهما تبحثان بين كلماتها عن حل لم يجده حتى الآن.قبل قليل كان قد أرسل في طلب المعلم أوريڤال بعد أن وصله منه طلب لقاء عاجل، ولم تمضِ سوى لحظات حتى انفتح باب الغرفة بهدوء.دخل أوريڤال بخطوات ثابتة، ثم انحنى احترامًا لمعلمه وقال:— كيف حالك يا معلمي.أومأ ثامور برأسه إشارة إلى أن يقترب، ثم قال بصوته الوقور:— اقترب أوريڤال... لقد طلبت مقابلتي، فما الأمر؟تنحنح أوريڤال قليلًا، ثم استقام في وقفته وقال:— يا معلمي... لقد مر أسبوع كامل منذ ظهور تلك الفتاة، ومنذ ذلك اليوم لم يصلني
أخذ الجنود ميرا من بين يدى إيلينورا، وانطلقوا بها خارج الغرفة بخطوات ثابتة لا تعرف التردد، بينما بقيت إيلينورا واقفة فى مكانها كتمثال حجرى، لا تكاد تصدق ما جرى أمام عينيها. كانت تحدق فى الباب الذى أُغلق خلفهم، وكأنها ما زالت ترى ميرا تسير بينهم برأس منكس، وقد استسلمت تمامًا لمصير لا تعلم عنه شيئًا. أخذت تحدث نفسها فى صمت مرير: لماذا تفاجأت؟ أليس هذا هو الأمر الطبيعى؟ بعد كل ما حدث أمام كبير الحكماء، وبعد أن عجزت أقوى التعاويذ عن التأثير فيها، كان من المستحيل أن يتركوها حرة. ثم زفرت ببطء وهى تشعر بشىء من الطمأنينة يتسلل إلى قلبها رغم كل شيء، وقالت فى داخلها: على الأقل... إن حاولوا قتلها بتعويذة الموت فلن ينجحوا، فقد رأيت ذلك بعينى، لكن... توقفت أفكارها فجأة، وارتجف قلبها عندما أكملت الحقيقة التى كانت تخشاها: يمكنهم قتلها بطرق أخرى لا علاقة لها بالسحر...انقطع شرودها على صوت معلمها أوريڤال وهو يناديها للمرة الثانية بنبرة امتزج فيها الضيق بالإرهاق: «إيلينورا... ما بك؟ إننى أحدثك.» انتفضت من مكانها كأنها استيقظت من حلم طويل، ثم قالت مسرعة: «ها... نعم يا معلمى... أعتذر، ماذا تريد؟» نظر إلي
نظر المعلم أوريڤال إلى عيني معلمه طويلًا، محاولًا أن يقرأ ما يدور خلف ذلك الوجه الصلب الذي لم يعرف الاضطراب يومًا، لكنه للمرة الأولى منذ أصبح تلميذًا على يديه عجز عن فهم ما تخفيه نظرات كبير الحكماء. لم ير فيها الغضب وحده، ولا الحيرة وحدها، بل شيئًا أعقد من ذلك بكثير، وكأن الرجل الذي كان يظنه أعلم أهل مملكة الربيع جميعًا قد وقف هو الآخر أمام بابٍ مغلق لا يملك مفتاحه. أخذ أوريڤال نفسًا هادئًا، ثم قال بحذر: «يا معلمي ثامور... لا أعتقد أنها بهذه الخطورة. نعم، هي لا تتأثر بأي تعويذة، وهذا أمر لا أستطيع تفسيره، لكن في المقابل... ليس لديها أي سحر، ولا أشعر داخلها بأي طاقة سحرية، ولا أرى فيها أي قدرة من قدرات جنسنا أو أي جنس آخر أعرفه. إنها...» ثم توقف فجأة، وشرد بصره، وكأنه يبحث عن كلمة تصف ميرا، لكنه لم يجد. وبعد لحظات قال بصوت منخفض امتزجت فيه الحيرة بالعجز: «إنها... فقط... هكذا.»رفع كبير الحكماء رأسه ببطء، ثم قال بصوت ثقيل: «وماذا لو كانت تخفي سحرها؟ ماذا لو كانت قوتها الحقيقية أعظم من أن تستشعرها تعاويذنا؟ ماذا لو كانت تملك قدرة تجعلها تخفي طاقتها وظلامها داخلها حتى يحين الوقت المناسب؟»
كانت إيلينورا تقف في مكانها كتمثالٍ حجري لا يعرف الحركة، إلا أن الدهشة التي غمرت عينيها كانت أوضح من أن تخفى. طوال خمسمائةٍ وعشرين عامًا من عمرها، لم ترَ شيئًا يشبه ما يحدث أمامها الآن، ولم يخطر ببالها يومًا أن ترى تعاويذ كبير الحكماء نفسه تفشل الواحدة تلو الأخرى. أخذت تحدث نفسها في ذهول: ما الذي يحدث؟ هل أحلم؟ كيف يمكن لكل هذه التعاويذ، بل أقواها، ألا تترك في ميرا أدنى أثر؟ يا إلهي... إنني أشعر أن عقلي أوشك على الانهيار.وفجأة انقطع سيل أفكارها عندما دوى صوت كبير الحكماء في أنحاء الغرفة حتى خُيل إليها أن الجدران نفسها قد ارتجفت من هيبته وغضبه.قال وهو يحدق في ميرا بعينين تقدحان شررًا: «من أرسلك إلى هنا؟ ومن أي مكانٍ لعين أتيتِ؟ ما هذا السحر الذي يحيط بك؟ أي تعاويذ مظلمة تستخدمين؟ هل أنتِ من أتباع ساحرة الغابة السوداء؟ تكلمي... قولي الحقيقة، وإلا أقسم أنني سأقتلك بيدي.»ارتجف جسد ميرا، لكنها بقيت تحدق إليه في حيرة لا تقل عن حيرته. لم تكن تفهم شيئًا مما يدور حولها. منذ أن دخلت هذه الغرفة، والرجل يلقي عليها أضواءً غريبة وخيوطًا لامعة تدور حول جسدها، ويتمتم بكلمات لم تسمع مثلها قط، ثم لا
مر وقت ليس بالقصير داخل غرفة كبير الحكماء، حتى خيم عليها صمت ثقيل يكاد يخنق الأنفاس. كان الحكيم ثامور ما يزال جالسًا على كرسيه المرتفع، إلا أن هيبته المعتادة كانت تخفي خلفها اضطرابًا لم يعرفه عنه أحد من قبل. كان صدره يعلو ويهبط بسرعة ملحوظة، وأنفاسه تخرج متلاحقة، ومن يراه في تلك اللحظة يخيل إليه أنه بركان هائل يقف على حافة الانفجار، يحاول بكل ما بقي لديه من اتزان أن يمنع نفسه من الثوران.فمنذ لحظات وهو يلقي على الفتاة الواقفة أمامه تعويذة تلو الأخرى.بدأ بالتعاويذ البسيطة...ثم انتقل إلى التعاويذ المتوسطة...ثم استدعى من ذاكرته أندر التعاويذ وأعقدها، تلك التي لم يستخدمها منذ عشرات السنين.ومع ذلك...لم يحدث شيء.لا شيء على الإطلاق.كانت ميرا تقف في مكانها، شاحبة الوجه، ترتجف من الخوف، لكنها لم تتأثر بأي تعويذة أُلقيت عليها، وكأن السحر كله قد فقد معناه أمامها.بل إن الأمر كان أغرب من مجرد عدم التأثر.فكل تعويذة كانت تقترب منها، كانت خيوطها السحرية تتلاشى قبل أن تمسها، وكأن شيئًا خفيًا يبتلعها في اللحظة الأخيرة، فلا يبقى منها سوى ومضة ضوء تختفي في الهواء.حتى إن كبير الحكماء لم يكتفِ بذ