เข้าสู่ระบบعلى حدود قريتنا الصغيرة يجري نهرٌ يفصل بيننا وبين الغابة المحرمة. لا أعلم لِمَ سُمِّيت بهذا الاسم، ولكن كل ما أعلمه أنه يُمنع دخول هذه الغابة تحت أي ظرف من الظروف. وعلى الرغم من وجود جسرٍ يمتد فوق النهر ويربط بين قريتنا والغابة المحرمة، فإن أحدًا لم يتجرأ يومًا على عبوره. فكل ما نعرفه أن من يذهب إلى هناك لا يعود أبدًا. وبمعنى آخر، فإن دخول الغابة يعني الموت والهلاك لصاحبه. دعوني أشرح لكم الفرق بين قريتنا والغابة المحرمة. من يرى قريتنا من بعيد سيدرك، منذ الوهلة الأولى، أنها قرية فقيرة معدومة الموارد. ولولا وجود النهر الذي نشرب منه، ويعتمد معظم سكان القرية على الصيد فيه، لكنا قد غادرنا هذه القرية منذ زمن بعيد. أما الغابة المحرمة، فهي على النقيض تمامًا. فلو نظرت إليها لأول مرة، لعرفت أنها مليئة بالخيرات. فألوانها الخضراء النابضة بالحياة تختلف اختلافًا شاسعًا عن ألوان قريتنا، وكأن الفرق بينهما كالفرق بين اللون الأخضر الزاهي واللون الرمادي الباهت.
ดูเพิ่มเติมعلى حدود قريتنا الصغيرة يجري نهرٌ يفصل بيننا وبين الغابة المحرمة. لا أعلم لِمَ سُمِّيت بهذا الاسم، ولكن كل ما أعلمه أنه يُمنع دخول هذه الغابة تحت أي ظرف من الظروف. وعلى الرغم من وجود جسرٍ يمتد فوق النهر ويربط بين قريتنا والغابة المحرمة، فإن أحدًا لم يتجرأ يومًا على عبوره. فكل ما نعرفه أن من يذهب إلى هناك لا يعود أبدًا. وبمعنى آخر، فإن دخول الغابة يعني الموت والهلاك لصاحبه.
دعوني أشرح لكم الفرق بين قريتنا والغابة المحرمة. من يرى قريتنا من بعيد سيدرك، منذ الوهلة الأولى، أنها قرية فقيرة معدومة الموارد. ولولا وجود النهر الذي نشرب منه، ويعتمد معظم سكان القرية على الصيد فيه، لكنا قد غادرنا هذه القرية منذ زمن بعيد. أما الغابة المحرمة، فهي على النقيض تمامًا. فلو نظرت إليها لأول مرة، لعرفت أنها مليئة بالخيرات. فألوانها الخضراء النابضة بالحياة تختلف اختلافًا شاسعًا عن ألوان قريتنا، وكأن الفرق بينهما كالفرق بين اللون الأخضر الزاهي واللون الرمادي الباهت. كما تبدو الغابة عامرة بأشجار الفاكهة، والأزهار الزاهية، والحيوانات التي يمكن صيدها والاعتماد عليها في الطعام. ومع كل ذلك، لا يجرؤ أحد منا على دخولها خوفًا من الموت. ولا أعلم لماذا يحاصر الموت تلك الغابة، ولا ماذا يختبئ في أعماقها. ولكن هذا ما توارثناه عن أجدادنا، دون أن نعرف السر الكامن وراءه. ورغم فضولي الشديد، وأسئلتي المتكررة لوالدي عن سر الغابة المحرمة، فإنه، شأنه شأن جميع كبار القرية، كان يتحفظ بشدة على الحديث في هذا الأمر. استيقظت هذا الصباح فزعة من كابوس رأيته الليلة الماضية. ولم تكن تلك المرة الأولى التي أراه فيها، ولا أعلم لماذا يتكرر معي باستمرار. لم أستطع أن أخبر أبي بهذا الكابوس. لم أرد أن أقلقه، فهو دائم القلق عليَّ، كما أنني أخشى على صحته. ففي الآونة الأخيرة تدهورت حالته قليلًا، وبسبب ضيق الحال لم يكن يستطيع الذهاب إلى الطبيب كلما اشتد عليه المرض، بل كان يكتفي بشراء الدواء الذي وصفه لنا الطبيب منذ عام. بدأت بتحضير وجبة الإفطار، فوجدت في خزانة المطبخ بعض الخبز اليابس، وقطعةً من الجبن، وثلاث بيضات كانت جارتنا قد أعطتني إياها بالأمس بعدما ساعدتها في تنظيف حظيرة الدجاج. وأثناء تحضيري للطعام، عاد إلى ذهني كابوس الليلة الماضية. كان غريبًا ومخيفًا، كما هو الحال في كل مرة. كنت أركض في الظلام داخل الغابة المحرمة، بينما يصل إلى مسامعي صوتٌ بعيد وغريب يناديني: «ميرا... ميرا...». ثم سمعت صوتًا آخر يصرخ وكأنه يركض خلفي، قائلًا بصوت جهوري: «توقفي... توقفي!». وبعدها سمعت صوتًا ثالثًا... كان صوت أبي، يقول لي برجاء: «ميرا، ابنتي، لا تذهبي... أرجوكِ!». كنت أركض في الحلم باحثةً عن أبي، ولم يكن يهمني أي صوتٍ آخر غير صوته. كنت أبحث عنه وسط الظلام، وأصرخ بأعلى صوتي: «أبي... أين أنت؟». وفي تلك اللحظة، تحول الصوت الثاني، الذي كان يركض خلفي، إلى زئير أسدٍ هائل، وكأنه أصبح قريبًا جدًا مني، وعلى وشك الانقضاض عليَّ. وفي تلك اللحظة استيقظت من الحلم فزعة، والعرق يتصبب من جبيني. «ميرا!». شهقت مذعورة، فقد كان أبي هو من يناديني. قلت سريعًا، محاوِلةً إخفاء اضطرابي: «صباح الخير يا أبي، انتظر لحظات قليلة، وسيكون الطعام جاهزًا.» حرصت أن يكون صوتي مليئًا بالمرح حتى لا يشك أبي في شيء. قال أبي: «ميرا، ابنتي، ما بك؟ لقد ناديت عليكِ كثيرًا.» أجبته متلعثمة: «ها؟ لا... لا شيء، فقط شردت قليلًا.» ابتسم أبي وقال: «حقًا؟ وفيمَ شردتِ، يا ابنتي الجميلة؟ هل هناك ما يشغل ابنتي ولا تخبرني به؟» ابتسمت ميرا ابتسامة متكلفة وهي تتجنب النظر إلى عيني والدها، ثم قالت بسرعة: ميرا: لا يوجد ما يشغلني يا أبي، فقط... تذكرت ما حدث بالأمس عند جارتنا أم سليم. رفع والدها أحد حاجبيه وقال مبتسمًا: الأب: أم سليم؟ لا تقولي لي إنكِ تشاجرتِ معها. ضحكت ميرا وهزت رأسها. ميرا: بل تشاجرت مع دجاجها. انفجر الأب ضاحكًا وقال: الأب: دجاجها؟! وهل أصبح للدجاج لسان حتى يتشاجر مع الناس؟ ميرا: لو رأيته بعينيك لقلت إنه أذكى من بعض البشر! كنت أساعد أم سليم في تنظيف حظيرة الدجاج، وما إن فتحت الباب حتى خرجت دجاجة بيضاء كأنها كانت تخطط للهروب منذ سنوات. قهقه الأب وقال: الأب: إذًا هربت سجينة الحظيرة! ميرا: ولم تكتفِ بالهرب، بل أخذت بقية الدجاج معها، وفجأة وجدنا أنفسنا نطارد عشر دجاجات في أنحاء القرية. وضع الأب يده على بطنه من شدة الضحك. الأب: وأنتِ بالطبع كنتِ القائدة في هذه المعركة! ميرا: بالطبع! أمسكت بعصًا طويلة وقلت لأم سليم: حاصريها من اليمين، وأنا سأغلق عليها الطريق من اليسار. ابتسم الأب وقال مازحًا: الأب: يبدو أنكِ تتحدثين عن لصوص، لا عن دجاج! أجابت ميرا وهي تضحك: ميرا: صدقني، كانت أشرس من اللصوص. إحدى الدجاجات طارت فوق رأسي حتى ظننت أنها ستبني عشًا في شعري. ضحك الأب بصوت عالٍ وقال: الأب: لا عجب أن شعرك كان مبعثرًا عندما عدتِ إلى المنزل. تظاهرت ميرا بالاستياء وقالت: ميرا: بل والأدهى من ذلك أن ديكًا ضخمًا ظل يلاحقني في كل مكان. أقسم لك أنه كان ينظر إليَّ وكأنني سرقت حبات القمح الخاصة به. ابتسم الأب وهو يمسح دموع الضحك من عينيه. الأب: وهل انتصرتِ عليه في النهاية؟ رفعت ميرا رأسها بفخر مصطنع. ميرا: بالطبع... بعد أن اختبأت خلف أم سليم حتى أمسكت هي به. ضحك الأب حتى كاد يسقط من مقعده، ثم قال: الأب: إذًا كان انتصارًا بطوليًا بالفعل! أخرجت ميرا لسانها مازحة وقالت: ميرا: المهم أننا انتهينا من تنظيف الحظيرة، وأعطتني ثلاث بيضات وقطعة جبن مكافأةً لي. نظر الأب إلى المائدة ثم قال مبتسمًا: الأب: إذًا هذا الإفطار اللذيذ ثمن معركتكِ مع الدجاج. ابتسمت ميرا ابتسامة صادقة هذه المرة، وقالت: ميرا: نعم... ولو هربت الدجاجات مرة أخرى فسأطلب منها أن تدفع الأجر مضاعفًا. ابتسم الأب وهو ينظر إلى ابنته بحنان، ثم قال: الأب: أحمد الله أنكِ عدتِ سالمة من تلك الحرب الطاحنة. ضحكت ميرا، وضحك معها والدها، بينما اختفى التوتر الذي كان يملأ قلبها للحظات، وكأن ذلك الكابوس لم يكن سوى ذكرى بعيدة. جلس أبي أمام المائدة الخشبية الصغيرة، ثم رفع بصره إليَّ وهو يبتسم ابتسامته الهادئة التي كانت كفيلة بأن تُشعرني بالأمان مهما كانت همومي كبيرة. تناول قطعة من الخبز، ثم أخذ يحمد الله على النعمة، بينما جلست إلى جواره أراقبه بصمت. لا أعلم كيف سيكون شعوري لو جاء يوم ولم أجده أمامي. منذ أن توفيت أمي وأنا في الخامسة من عمري، أصبح أبي كل شيء بالنسبة إليَّ. لم يكن مجرد أب، بل كان أمًّا أيضًا. هو من كان يوقظني صباحًا، ويُعد لي الطعام عندما أمرض، ويجلس إلى جواري طوال الليل إذا أصابتني الحمى، ويضفر شعري بيديه الخشنتين، حتى وإن كانت الضفيرة تبدو مضحكة في أغلب الأحيان. كنت أضحك عليه كلما نظر إلى شعري بفخر، وكأنه أنجز عملًا عظيمًا، فيضحك هو الآخر ويقول إن الضفيرة ليست مهمة، المهم أنها صُنعت بكل الحب. ولم أشعر يومًا أنني محرومة من حنان الأم، لأن أبي بذل كل ما في وسعه حتى يملأ ذلك الفراغ الذي تركه رحيلها. صحيح أنه لم يكن يجيد الطهو، وكان يحرق الطعام كثيرًا في السنوات الأولى، لكنني كنت آكله وكأنه أشهى وليمة في العالم، فقط لأنني كنت أرى في كل لقمة مقدار تعبه من أجلي. أما كوخنا الصغير، فلم يكن يملك شيئًا يلفت الأنظار. سقفه مصنوع من القش والخشب، وجدرانه من الطين المجفف، وأرضيته ترابية بسيطة. في الشتاء تتسلل بعض قطرات المطر من بين فتحات السقف، وفي الصيف تشتد الحرارة داخله حتى يصعب التنفس. ومع ذلك... كنت أراه أجمل مكان في الدنيا. ففي كل مساء، كان أبي يشعل المدفأة الحجرية الصغيرة، فتنتشر رائحة الحطب في أرجاء الكوخ، ويملأ دفء النار المكان، بينما نجلس متقابلين نتبادل الأحاديث، أو يحكي لي قصصًا عن أمي وعن الأيام التي سبقت مولدي. كان ذلك الكوخ الصغير بالنسبة إليَّ وطنًا كاملًا، لأن أبي كان بداخله. لم يكن لدي إخوة أو أخوات. كنت الابنة الوحيدة، وربما لهذا السبب كان أبي يحيطني بكل هذا الاهتمام والخوف. لكنني، في أعماقي، كنت أتمنى دائمًا أن يكون لي أخ أو أخت. كنت أحسد أطفال القرية عندما أراهم يلعبون معًا، يتشاجرون ثم يتصالحون بعد دقائق، يركضون خلف بعضهم، ويتقاسمون الطعام والضحكات. أما أنا، فكلما انتهيت من أعمال المنزل، لم أجد سوى الصمت رفيقًا لي، أو خرجت أجلس بجوار النهر أحدث الماء وكأنه صديق يسمعني. لطالما تخيلت كيف سيكون الأمر لو كان لدي أخ أكبر يدافع عني، أو أخت في مثل سني نتبادل معها الأسرار والضحكات قبل النوم. لكنني كنت أعود فأبتسم في كل مرة، وأقول لنفسي إن الله، وإن لم يرزقني بإخوة، فقد منحني أبًا يعادل العالم كله. نظرت إليه وهو يتناول إفطاره بهدوء، وقد بدت على وجهه علامات الإرهاق التي ازدادت في الأشهر الأخيرة. حاول أن يخفيها بابتسامته المعتادة، لكنني كنت أعرفه أكثر مما يعرف نفسه. أخفضت بصري سريعًا حتى لا يلاحظ نظراتي إليه، ثم دعوت الله في سري أن يمد في عمره، وألا يأتي اليوم الذي أجد فيه هذا الكوخ خاليًا من صوته... لأنني كنت أعلم يقينًا أن دفء هذا المكان لم يكن مصدره النار المشتعلة في المدفأة، بل وجود أبي فيه. ما إن انتهينا من تناول الإفطار، حتى بدأ كلٌّ منا يجمع الأطباق ويعيدها إلى مكانها. اعتدنا أن نتقاسم كل شيء؛ فلا أبي يسمح لي بتحمل جميع أعمال المنزل وحدي، ولا أسمح له بأن يقوم بها بمفرده. بعد أن انتهينا، اتجه أبي إلى الركن الصغير من الكوخ، حيث كانت تُحفظ عدة الصيد. انحنى ببطء، وأخرج الشبكة القديمة بعناية، ثم أخذ يفحص خيوطها واحدةً تلو الأخرى. اقتربت منه وجلست على الأرض إلى جواره، وبدأت أفك العقد الصغيرة التي تشكلت فيها منذ آخر مرة خرجنا فيها للصيد. قال أبي وهو يناولني إحدى العوامات الخشبية: "تأكدي من ربطها جيدًا يا ميرا، لا أريد أن نفقد الشبكة مرة أخرى." ابتسمت وأنا أُحكم ربطها. "لا تقلق يا أبي، هذه المرة لن تهرب منا الأسماك." ابتسم ابتسامته الهادئة وهز رأسه. "الأسماك أذكى مما تظنين." ضحكت وأنا أرفع الشبكة أمامه. "إذن سأثبت لها اليوم أنني أصبحت أذكى منها." هز رأسه ضاحكًا، ثم حمل الشبكة على كتفه، بينما تناولت أنا السلة المصنوعة من الخوص، ووضعت بداخلها الطُعم، وبعض الحبال، والسكين الصغيرة التي نستخدمها في تنظيف السمك. كان الصيد هو مصدر رزقنا الوحيد. لم يكن أبي يملك أرضًا يزرعها، ولا ماشية يبيعها، ولم يتعلم حرفة أخرى غير تلك التي ورثها عن جدي. فمنذ سنوات طويلة، اعتاد أن يقضي معظم نهاره على ضفاف النهر، يعود بما يرزقه الله من سمك، فيبيع جزءًا منه في القرية، ونحتفظ بالباقي ليكون طعامنا. وكنت أرافقه منذ أن أصبحت قادرة على حمل سلة صغيرة. علمني كيف أميز حركة الماء، وكيف أعرف الأماكن التي تختبئ فيها الأسماك، وكيف أتحلى بالصبر، لأن الصيد لا يحب المستعجلين، كما كان يقول دائمًا. لكن حالنا لم يكن كحال بعض أهل القرية. فالكثير منهم كانوا يملكون قوارب خشبية صغيرة، يجدفون بها إلى منتصف النهر، حيث تكثر الأسماك الكبيرة، ويعودون بشباك ممتلئة تكفيهم وتزيد. أما نحن... فلم نملك يومًا ثمن قارب. لذلك كنا نكتفي بالجلوس على ضفة النهر، نصطاد بما تصل إليه شباكنا أو صناراتنا، ونحمد الله على ما يقسمه لنا من رزق. طالما تمنيت أن أرى أبي يملك قاربًا مثل بقية الصيادين. كنت أتخيله يقف فوقه مرفوع الرأس، بينما أساعده في إلقاء الشبكة وسط المياه، فنعود آخر النهار بسلال ممتلئة بالأسماك. لكن كلما جمّع أبي بعض المال، ظهر ما هو أهم؛ مرة لشراء الدواء، ومرة لإصلاح سقف الكوخ، ومرة لشراء ملابس الشتاء. وفي النهاية... كان حلم القارب يؤجل نفسه عامًا بعد عام. خرجنا من الكوخ، وأغلق أبي الباب الخشبي خلفنا. كان هواء الصباح منعشًا، والشمس قد بدأت ترسل خيوطها الذهبية فوق سطح النهر، حتى بدا الماء وكأنه مرآة من الضوء سرنا جنبًا إلى جنب في الطريق الترابي المؤدي إلى النهر، نحمل عدة الصيد على أكتافنا، بينما كانت أصوات العصافير تملأ المكان. ولأول مرة منذ أن استيقظت من ذلك الكابوس، شعرت بشيء من السكينة... وكأن وج ود أبي إلى جواري كان كافيًا ليُبعد عن قلبي كل خوف. وصلنا إلى ضفة النهر، واختار أبي مكانه المعتاد تحت شجرة الصفصاف العتيقة. ألقى الشبكة في الماء، ثم جلس يراقب حركة النهر في صمت، بينما جلست إلى جواره أُصلح إحدى الصنارات. رفعت رأسي نحو الضفة الأخرى، حيث كانت الغابة المحرمة تقف شامخة بأشجارها الكثيفة. كانت تبدو هادئة... هدوءًا غريبًا، حتى إنني لم أكن أسمع صوت عصفور واحد يخرج منها. ظللت أحدق فيها طويلًا، ثم قلت: ميرا: أبي... هل تنظر إليها أحيانًا؟ لم يرفع عينيه عن الماء، واكتفى بالإجابة: الأب: أحاول ألا أفعل. عقدت حاجبيَّ باستغراب. ميرا: ولماذا؟ إنها تبدو جميلة جدًا من هنا. أطلق زفرة طويلة، ثم قال: الأب: ليست كل الأشياء الجميلة آمنة يا ميرا. ساد الصمت بيننا للحظات، ولم أستطع أن أمنع نفسي من مواصلة الأسئلة. ميرا: هل دخلها أحد من أهل القرية من قبل؟ شد أبي الحبل قليلًا ليتأكد من ثبات الشبكة، ثم قال بصوت خافت: الأب: نعم. اتسعت عيناي. ميرا: وماذا حدث له؟ ساد الصمت مرة أخرى... صمت أطول هذه المرة. ثم قال دون أن ينظر إليَّ: الأب: لم يعد. ابتلعت ريقي، وعدت أنظر إلى الأشجار المتراصة. ميرا: لكن... كيف عرفتم أنه لم يعد؟ ربما عاش هناك. التفت إليَّ أخيرًا، وكانت نظرته مختلفة، تحمل شيئًا من الخوف الذي لم أره في عينيه من قبل. الأب: لا يا ميرا... لا أحد يعيش هناك. أخفضت بصري إلى الماء، لكن فضولي لم يهدأ. ميرا: هل توجد وحوش داخلها؟ ابتسم ابتسامة باهتة. الأب: لو قلت نعم، فسوف تتخيلين وحوشًا ذات أنياب ومخالب. ميرا: وهل هذا غير صحيح؟ هز رأسه ببطء. الأب: لا أعرف ما الموجود هناك... ولا أريد أن أعرف. ترددت قليلًا، ثم سألته بصوت أكثر هدوءًا: ميرا: ألم يخبرك جدي بشيء عنها؟ تغيرت ملامحه فجأة، واختفت الابتسامة تمامًا. الأب: بعض الأسرار يا ابنتي، لا يكون في معرفتها خير. أطرقت برأسي وأنا أرسم بإصبعي خطوطًا صغيرة على الرمال. ميرا: لكنني أريد أن أفهم فقط... كيف تكون غابة مليئة بالأشجار والثمار، ولا يقترب منها أحد؟ نظر إلى الضفة الأخرى نظرة خاطفة، ثم أشاح بوجهه سريعًا، وكأنه يخشى أن تطول نظرته إليها. الأب: لأن الإنسان لا يُقاس بعينيه فقط... أحيانًا عليه أن يصدق ما ورثه عن آبائه، حتى وإن لم يفهمه. سكت قليلًا، ثم وضع يده على كتفي. الأب: اسمعيني جيدًا يا ميرا. التفتُّ إليه. كانت ملامحه جادة على غير عادته، حتى إنني شعرت بقشعريرة تسري في جسدي. قال ببطء، وكأنه يريد أن يحفر كلماته في ذاكرتي: الأب: أريدك أن تعديني بشيء. ميرا: ماذا؟ الأب: مهما حدث... ومهما سمعتِ... ومهما دفعك فضولك... لا تقتربي من الغابة المحرمة. نظرت إليه بدهشة. ميرا: إلى هذا الحد تخاف منها؟ قبض على يدي برفق، لكن قبضته كانت أقوى من المعتاد. الأب: لا أخاف منها... توقف لحظة، ثم أكمل بصوت خافت: الأب: أخاف عليكِ أنتِ. نظرت إلى عينيه، فرأيت فيهما خوفًا حقيقيًا لم أره من قبل. ابتسمت محاولةً طمأنته، وقلت: ميرا: أعدك يا أبي... لن أذهب إلى هناك. تنفس بارتياح، وأعاد نظره إلى النهر. وفي تلك اللحظة... هبت نسمة باردة قادمة من جهة الغابة، حتى إن سطح الماء تموج فجأة، بينما ارتجفت أوراق الصفصاف فوق رؤوسنا. أما أنا... فلم أستطع أن أمنع نفسي من النظر إليها مرة أخرى. وكأن الغابة... كانت تنظر إليَّ أيضًا.لم يستطع نسيان تحذير الطبيب، حين أخبر ألدريان بأن الحالة النفسية لميرا بلغت مرحلة خطيرة، وأن استمرار عزلتها وحزنها قد يهددان حياتها. والآن، بعدما رآها بنفسه، لم يعد ذلك التحذير مجرد كلمات قالها الطبيب لتوضيح خطورة حالتها. لقد رأى بعينيه كيف تبدو ميرا، وكيف أصبح صمتها أعمق من أن تخترقه الكلمات، وكيف لم تعد حتى راغبة في التحدث إليه. ماذا سيحدث لها حين ينقلها ألدريان إلى ذلك المكان؟ هل ستتحمل مزيدًا من العزلة؟ هل ستبقى قادرة على مقاومة اليأس، أم ستستسلم له تمامًا؟ أغمض سيروس عينيه للحظات، ثم فتحهما ببطء. كان يخشى أن تنتهي حياة ميرا قبل أن يدرك ألدريان فداحة ما يفعله بها. وكان يخشى أيضًا أن يظل هو واقفًا في مكانه، يشاهد كل ذلك يحدث، ثم يكتشف بعد فوات الأوان أنه كان قادرًا على فعل شيء، لكنه لم يفعل. عندها أدرك أنه لم يعد يستطيع الاكتفاء بمراقبة ما يحدث. كان عليه أن يساعدها، بأي طريقة ممكنة، حتى لو اضطر إلى مواجهة ألدريان نفسه. نعم، كان ألدريان حاكمه وصديقه، وكان سيروس يدين له بالكثير، لكنه لم يستطع أن يقنع نفسه بأن الوفاء له يقتضي أن يترك فتاة بريئة تُسلب حريتها وتُدفع إلى حافة ا
بعد مرور ثلاثة أيام أخرى، خرج سيروس من جناح ميرا، وما إن تجاوز عتبته حتى أُغلق الباب خلفه، وعاد الجنود إلى إحكام إغلاقه كما اعتادوا أن يفعلوا في كل مرة يغادر فيها أحد الجناح. توقف سيروس في الممر للحظات، ثم أخذ يسير بخطوات بطيئة، وقد ارتسمت على وجهه ملامح الحزن والاضطراب. كان ذهنه مشغولًا بما رآه للتو، وبالكلمات التي حاول انتزاعها من ميرا طوال زيارته، لكنه لم يحصل منها على شيء. لم تكن زيارتها هذه المرة مختلفة كثيرًا عن زيارته السابقة، بل كانت أسوأ منها. ومنذ ثلاثة أيام، حين أخبره ألدريان بقراره نقل ميرا إلى ذلك المكان السري في نهاية الشهر، لم يستطع سيروس التوقف عن التفكير في مصيرها. وفي نهاية حديثهما يومها، طلب من الحاكم أن يسمح له بزيارتها مرة أخيرة، حتى يودعها قبل نقلها إلى المكان الذي لن يعرف أحد طريقه سواه. فمهما حدث بينهما، ومهما كانت الأخطاء التي ارتكبها بحقها، فقد كانت ميرا صديقته في الماضي، وكانت قد وثقت به يومًا، قبل أن يخذلها ويصبح واحدًا من الأشخاص الذين تسببوا في معاناتها. وافق ألدريان على طلبه، لكنه وضع شرطًا واضحًا. — يمكنك زيارتها، لكن إياك أن تخبرها بما أخبرتك به
التفت ألدريان إليه، وقد اختفت نبرة الاشتياق من صوته، وحل محلها الحزم. — لقد اتخذت قراري يا سيروس، وانتهى الأمر. أدرك سيروس من نبرته أن الاعتراض لن يغير شيئًا، لكنه لم يستطع تجاهل ما يعنيه هذا القرار بالنسبة إلى ميرا. فهو يعرف ألدريان جيدًا، ويعرف أنه حين يصر على أمر، نادرًا ما يسمح لأحد بإقناعه بالتراجع عنه. ومع ذلك، حاول أن يفهم على الأقل ما الذي ينوي فعله. — حسنًا، أين يقع هذا المكان الذي ستنقل ميرا إليه؟ نظر إليه ألدريان للحظات، ثم أجاب ببرود: — لن أخبرك. قطب سيروس حاجبيه. — ماذا تقصد بأنك لن تخبرني؟ — أقصد أنني لن أخبرك أنت، ولن أخبر أي شخص آخر. هذا المكان سري للغاية، ولن يعرف طريقه أحد سواي. ازداد قلق سيروس، بينما واصل ألدريان حديثه بثقة، وكأنه يشرح خطة أعدها بعناية ولم يترك فيها مجالًا للخطأ. — مهما بحث أي شخص في مملكة الجان، فلن يستطيع الوصول إلى ذلك المكان. حتى الخدم والحراس الذين سيعملون هناك لن يكونوا من خدم هذا القصر أو حراسه الذين تعرفهم. سأختار أشخاصًا من خارجه، أشخاصًا لا تربطهم صلة بمن يعملون هنا، ولن يكون لدى أحد منهم ما يكشف مكان ميرا أو يدل على الطريق الم
الفصل - من سئ إلي اسوء كانت تتمنى لو تستطيع احتضانها، أو إخبارها بأنها ليست وحدها، لكنها لم تعرف إن كانت كلماتها ستصل إليها أصلًا. لقد مرّت شهور طويلة لم تتمكن خلالها من رؤيتها، وها هي الآن تقف أمامها لتكتشف أن ميرا لم تكن بحاجة إلى الطعام والراحة فحسب، بل كانت بحاجة إلى من ينتشلها من هذا الحزن الذي يلتهمها من الداخل. لكنها لم تكن تملك القدرة على تغيير شيء. --- بعد انتهاء الزيارة، توجه الطبيب إلى الحاكم ألدريان ليطلعه على حالة ميرا. كان الحاكم في جناحه الخاص حين دخل الطبيب، فرفع رأسه إليه وسأله مباشرة: — كيف حالها؟ هل تحسنت؟ تردد الطبيب للحظة، ثم أجاب بجدية: — للأسف يا مولاي، حالتها أسوأ مما توقعت. إنها تعاني من تدهور نفسي شديد، وقد انعزلت عن العالم الخارجي بصورة مقلقة، ولا تستجيب لمحاولات التواصل معها مطلقاً كما أن الحزن الذي تعيشه يبدو عميقًا للغاية. تغيرت ملامح ألدريان قليلًا، لكنه لم يقاطعه. تابع الطبيب: — إن استمرارها على هذه الحال قد يعرّض صحتها لخطر حقيقي. فالضغط النفسي الشديد، إلى جانب إهمال احتياجاتها وانقطاعها عن الآخرين، قد يؤدي إلى مضاعفات جسدية خطيرة. وإذا اس
ความคิดเห็น