LOGINخرجت ميرا من قاعة الحكم وهي ما تزال مشدوهة، وكأنها لم تستوعب حتى الآن ما حدث داخلها.كانت خطواتها بطيئة خلف كبيرة الخدم، بينما عقلها يرفض التوقف عن طرح الأسئلة.ماذا يحدث معها؟هل انتهى أمر السجن حقًا؟هل عفا عنها الحاكم ألدريان؟وإذا كان قد عفا عنها... فلماذا أمر لها بالإقامة داخل القصر؟ولماذا لم يُعدها إلى عالمها؟توقفت أفكارها عند السؤال الأخير، فشعرت بضيق في صدرها.لماذا؟إذا كان الحاكم قد صدقها أخيرًا، وإذا كان قد عرف أنها لم تكن تكذب بشأن عالمها، فلماذا لم يأخذها إلى ذلك الحاجز الملعون ويعيدها إلى قريتها؟إلى أبيها؟إلى حياتها؟كانت تعرف انة الوحيد القادر على إعادتها إلى عالمها كما أخبرتها إيلينورا.لماذا إذن أبقاها هنا؟نفضت ميرا رأسها محاولة إبعاد تلك الأسئلة.لم تكن تملك إجابات.ولم يكن أمامها الآن سوى أن تتبع الخادمة.سارت خلفها عبر ممرات لم ترها من قبل.كان القصر من الداخل أكبر بكثير مما تخيلت.كلما ظنت أن الممر سينتهي، ظهر أمامهما ممر آخر، وكلما مرّتا من باب، وجدت خلفه قاعة جديدة أو درجًا يؤدي إلى طابق آخر.كانت الجدران بيضاء ناصعة، وكانت هناك بلورات صغيرة مثبتة على الجد
كانت العربة تسير ببطء عبر طرق مملكة الربيع، بينما جلست ميرا في داخلها صامتة، تراقب العالم من حولها بعينين لم تستطيعا إخفاء دهشتهما. لم تكن تعرف إلى أين يأخذها الحاكم ألدريان، ولا ما الذي ينتظرها في نهاية هذا الطريق، لكن شيئًا واحدًا كان يلفت انتباهها أكثر من أي شيء آخر... جمال هذا العالم. منذ أن خطت قدماها أرض مملكة الجان، وهي لا تكف عن اكتشاف أشياء لم ترَ مثلها في حياتها. أثناء مجيئها إلى هذا السجن، كانت العربة التي نقلتها إلى السجن مغلقة من جميع الجهات، أشبه بعربة مخصصة للمجرمين، فلم تستطع أن ترى شيئًا من الطريق، ولم تعرف حتى في أي اتجاه تسير. أما الآن... فقد كانت العربة مختلفة تمامًا. كانت عربة فاخرة واسعة، مصنوعة من خشب أبيض لامع تتخلله عروق خضراء مضيئة بخفوت، وكأن أغصانًا حية تنمو داخل الخشب دون أن تؤذيه. كانت جوانبها مفتوحة من الأعلى، تحيط بها ستائر خفيفة شفافة تتحرك مع الهواء، بينما كانت المقاعد مبطنة بقماش ناعم بلون أخضر فاتح، تتخلله خيوط ذهبية دقيقة. وكانت عجلاتها لا تصدر ذلك الصوت المزعج الذي اعتادت عليه في عالمها؛ فقد كانت تحيط بها حلقات سحرية صغيرة تجعل العربة تنزل
لم تصدق ميرا ما سمعته. «تعالي ورائي؟» ترددت الكلمات داخل عقلها كأنها صدى بعيد لا تستطيع الإمساك به. لماذا يريد الحاكم ألدريان إخراجها من الزنزانة؟ إلى أين سيأخذها؟ ولماذا جاء بنفسه إليها؟ هل أصدر حكمه أخيرًا؟ هل قرر أن ينهي حياتها؟ وهل ستكون نهايتها هنا، في هذا المكان البارد المظلم، أم أنه سيأخذها إلى الخارج لتنفيذ حكم الإعدام أمام الجميع؟ تجمد جسدها في مكانه، ولم تستطع قدماها أن تتحركا. خرج ألدريان من الزنزانة، ثم وقف عند الباب منتظرًا سماع خطواتها خلفه، لكنه لم يسمع شيئًا. ظل واقفًا لثوانٍ، قبل أن يلتفت إلى الخلف. وجدها كما تركها تمامًا. ثابتة في مكانها، شاحبة الوجه، وعيناها متسعتان من الخوف، وكأن مجرد رؤية الحاكم أمامها قد جعلت عقلها يتوقف عن التفكير. قطب ألدريان حاجبيه وقال بلهجة حازمة: «ميرا... قلت لكِ تعالي ورائي.» لم تجبه. اكتفت بهز رأسها ببطء، ثم قالت بصوت مرتجف: «لا... لن آتي وراءك.» رفع ألدريان حاجبه باستغراب. «لماذا؟» ابتلعت ميرا ريقها، وظلت تحدق فيه دون أن تعرف ماذا تقول. فأردف بنبرة تحمل شيئًا من السخرية: «هل أعجبكِ الجلوس في هذه الزنزانة إلى هذه الدرجة؟»
فتحت عينيها، لكنها لم تنظر إليه. «أشتاق إليه.» خرجت الكلمات ضعيفة جدًا. «أشتاق إليه كثيرًا.» ابتلعت غصتها، وحاولت أن تمنع دموعها. «أتمنى فقط... لو أستطيع العودة للحظة واحدة.» سألها ألدريان بصوت أكثر هدوءًا: «إلى أبيك؟» أومأت. «نعم. لحظة واحدة فقط. لا أريد شيئًا آخر. أريد أن أعود إلى بيتنا، أجلس بجانبه، أسمع صوته، أذهب معه إلى النهر . حتى لو كانت لحظة واحدة فقط، سأكون مستعدة بعدها للعودة إلى هنا.» صمت ألدريان. لم يعرف لماذا شعر بثقل غريب في صدره. كان قد دخل هذه الزنزانة وهو يريد معرفة سرها، يريد أن يفهم لماذا سمح الحاجز لها بالعبور، ولماذا فشلت كل تعاويذ الكشف أمامها، لكنه الآن بدأ يرى أمامه شيئًا آخر. فتاة لا تبدو وكأنها جاءت لتخريب مملكته. فتاة تريد فقط العودة إلى أبيها. ومع ذلك، لم يتخلَّ عن أسئلته. قال: «كيف وصلتِ إلى الحاجز؟» رفعت ميرا رأسها. «لم أكن أعرف أنه حاجز أصلًا.» «ماذا كنت تفعلين هناك؟» «كنت أهرب.» «ممن؟» «من رجال كانوا يطاردونني.» لم يتوقع ألدريان أن تكون إجابة ميرا بهذه البساطة، ولا أن تحمل خلفها كل ذلك الخوف الذي ظهر فجأة
ظلت ميرا صامتة أمام سؤال الحاكم ألدريان، وكأن الكلمات التي نطق بها قد انتزعت منها القدرة على التفكير للحظات. كيف هو عالمك؟ ظلت تحدق فيه بعينين متسعتين، لا تعرف ماذا تريد منه بالضبط، ولا لماذا يسألها هذا السؤال الآن، بعد كل ما مرت به منذ وصولها إلى هذا العالم. ألم يكن من المفترض أن يكون مثل الآخرين؟ ألم يكن من المفترض أن ينظر إليها باعتبارها كاذبة أو جاسوسة أو ساحرة متنكرة؟ لماذا يسألها عن عالمها وكأنه يريد فعلًا أن يعرف؟ كانت الأسئلة تتزاحم داخل رأسها بعنف. هل صدقني؟ هل يمكن أن يكون قد صدقني فعلًا؟ لكنها سرعان ما هزت تلك الفكرة داخل عقلها. لا... لا يمكن. حتى إيلينورا، رغم كل ما فعلته من أجلها، لم تكن متأكدة تمامًا من حقيقتها. كانت تصدق بعض كلماتها، وتشعر أن جزءًا منها حقيقي، لكن الشك ظل موجودًا في أعماقها، وقد اعترفت بذلك أمام الحاكم بنفسها. أما الآن، فهي تقف وحدها داخل زنزانة مظلمة، أمام حاكم مملكة كاملة، ولا تعرف إن كان سؤاله مجرد طريقة جديدة لاستجوابها، أم أنه فعلًا يريد معرفة الحقيقة. تنحنح ألدريان عندما طال صمتها، ثم قال بصوت هادئ هذه المرة: «لماذا لم تجيبي؟»
وبدأت الأسئلة تتكاثر في رأسه.هل كان الحاجز قد سمح لها بالعبور لأنها جميلة؟هل الجمال هو السبب؟أم أن هناك شيئًا آخر داخلها؟شيء لا يستطيع هو رؤيته؟لماذا هي بالذات؟هل جميع سكان عالمها يشبهونها؟هل يولد البشر هناك بألوان شعر وعيون مختلفة؟أم أنها مختلفة حتى عن أبناء عالمها؟هل كانت هي الاستثناء؟أم أن عالمها كله مختلف عن عالمهم؟ظل ألدريان غارقًا في تلك الأسئلة، حتى شعر أنه لا يملك خيارًا سوى محاولة الدخول إلى عقلها بنفسه.رفع يده قليلًا.تمتم بتعويذة قصيرة.توهجت أطراف أصابعه.ظهرت خيوط سحرية رقيقة في الهواء، واتجهت نحو ميرا.تراجعت ميرا بفزع.لكن الخيوط لم تصل إليها.تلاشت قبل أن تلامسها.قطب ألدريان حاجبيه.جرب تعويذة أخرى.ثم ثالثة.ثم رابعة.وفي كل مرة...كانت النتيجة نفسها.فشل.لم يستطع اختراق عقلها.لم يستطع رؤية ذكرياتها.لم