Share

الجسر

last update publish date: 2026-07-11 06:18:13

وفي لحظة واحدة، انطلق الرجال الخمسة خلفها

كانت خطواتهم الثقيلة تضرب الأرض بقوة، بينما كانت ميرا تركض بين الأزقة الضيقة بكل ما بقي لديها من طاقة.

دخلت أول شارع ظنًا منها أنه سيقودها إلى كوخها.

لكنها فوجئت بأحد رجال فارس يخرج من نهايته، فيسد الطريق أمامها.

استدارت بسرعة، واتجهت إلى شارع آخر.

لكنها وجدت رجلًا ثانيًا ينتظرها.

بدأت أنفاسها تتقطع.

أصبحت كالفريسة المحاصرة.

كل شارع تهرب إليه، تجد واحدًا منهم ينتظرها.

أما فارس، فكان يسير بثقة وهو يضحك بصوت مرتفع.

"اركضي يا ميرا... أريد أن أرى إلى متى ستستطيعين الهرب."

كانت قدماها تؤلمانها بشدة، لكن فكرة واحدة فقط كانت تمنحها القوة.

يجب أن أعود إلى أبي... يجب أن أصل قبل الطبيب.

لكن الحصار كان يضيق حولها أكثر فأكثر.

وفجأة...

وجدت نفسها تركض نحو الطريق المؤدي إلى النهر.

لم يكن أمامها وقت للتفكير.

واصلت الركض حتى وصلت إلى ضفة النهر، ثم توقفت فجأة.

كان النهر أمامها...

وخلفه مباشرة...

الجسر الخشبي القديم.

ذلك الجسر الذي لم يجرؤ أحد من أهل القرية على عبوره منذ عشرات السنين.

الجسر المؤدي إلى...

الغابة المحرمة.

التفتت خلفها.

كان فارس ورجاله يقتربون ببطء هذه المرة، بعدما أيقنوا أنها أصبحت محاصرة.

ابتسم فارس ابتسامة المنتصر وقال: "انتهى الأمر يا ميرا."

ثم نظر حوله ساخرًا.

"إلى أين ستهربين الآن؟"

نظرت ميرا إلى مياه النهر، ثم إلى الجسر، ثم عادت تنظر إليه.

قالت بصوت ثابت رغم ارتجافها: "لن أذهب معك."

ابتسم ساخرًا.

"إذن ستلقين بنفسك في النهر؟"

ألقت نظرة سريعة إلى المياه.

كانت تعلم أنها لا تجيد السباحة، وحتى لو قفزت، فإنهم سيلحقون بها بسهولة.

قرأ فارس ما يدور في رأسها، فضحك وقال: "حتى لو قفزتِ، فسأقفز خلفك، وسأخرجك بنفسي."

شعرت ميرا أن جميع الطرق قد أُغلقت في وجهها.

وفي تلك اللحظة...

وقعت عيناها على الجسر مرة أخرى.

لا تعلم لماذا...

لكنها شعرت وكأنه يناديها.

وكأن هناك قوة خفية تدعوها إلى عبوره.

لاحظ فارس اتجاه نظرها.

وفجأة اختفت ابتسامته.

واتسعت عيناه في فزع.

قال بصوت مضطرب لأول مرة: "لا... مستحيل."

ثم أشار إلى الجسر وهو يهز رأسه.

"لا تخبريني أنك تفكرين في عبوره."

ظلت ميرا صامتة.

لكن نظراتها كانت كافية.

صرخ فارس: "هل جننتِ؟!"

"هناك موت ينتظرك."

"الغابة المحرمة لا يعود منها أحد."

ارتسمت على شفتي ميرا ابتسامة حزينة، وقالت وهي تنظر إليه بثبات: "أفضل أن أموت ألف مرة..."

ثم رفعت رأسها بكل شجاعة.

"...على أن أعيش لحظة واحدة تحت رحمة رجل مثلك."

وقبل أن يتمكن أحد من إيقافها...

استدارت...

وانطلقت تركض بكل قوتها نحو الجسر الخشبي.

تجمد فارس ورجاله في أماكنهم، وكأنهم رأوا شبحًا.

وصاح أحد أصدقائه وهو يمسك بذراع فارس: "إياك أن تلحق بها... لقد حكمت على نفسها بالموت."

لكن فارس لم يكن يسمع شيئًا.

كان ينظر إليها وهي تبتعد فوق الجسر، وقد سيطر الذهول على ملامحه.

أما ميرا...

فكانت تركض والدموع تغطي وجهها.

ولم يكن في قلبها سوى صورة واحدة...

صورة والدها.

همست وهي تواصل الركض:

"سامحني يا أبي...سامحنى يا أبى......لم أستطع العودة إليك."

ثم أغمضت عينيها لحظة وهي تعبر أول ألواح الجسر.

"لكنني أقسم لك... فضلت الموت على أن يدنس كرامتي ذلك الحقير."

ولم تكن تعلم...

أن الخطوة التالية التي ستضعها فوق الجسر، لن تنقلها إلى الغابة المحرمة فحسب...

بل ستغير حياتها إلى الأبد.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • أميرة مملكة الجان.... الغابة المحرمة    174 - رساله من مجهول

    لم يستطع نسيان تحذير الطبيب، حين أخبر ألدريان بأن الحالة النفسية لميرا بلغت مرحلة خطيرة، وأن استمرار عزلتها وحزنها قد يهددان حياتها. والآن، بعدما رآها بنفسه، لم يعد ذلك التحذير مجرد كلمات قالها الطبيب لتوضيح خطورة حالتها. لقد رأى بعينيه كيف تبدو ميرا، وكيف أصبح صمتها أعمق من أن تخترقه الكلمات، وكيف لم تعد حتى راغبة في التحدث إليه. ماذا سيحدث لها حين ينقلها ألدريان إلى ذلك المكان؟ هل ستتحمل مزيدًا من العزلة؟ هل ستبقى قادرة على مقاومة اليأس، أم ستستسلم له تمامًا؟ أغمض سيروس عينيه للحظات، ثم فتحهما ببطء. كان يخشى أن تنتهي حياة ميرا قبل أن يدرك ألدريان فداحة ما يفعله بها. وكان يخشى أيضًا أن يظل هو واقفًا في مكانه، يشاهد كل ذلك يحدث، ثم يكتشف بعد فوات الأوان أنه كان قادرًا على فعل شيء، لكنه لم يفعل. عندها أدرك أنه لم يعد يستطيع الاكتفاء بمراقبة ما يحدث. كان عليه أن يساعدها، بأي طريقة ممكنة، حتى لو اضطر إلى مواجهة ألدريان نفسه. نعم، كان ألدريان حاكمه وصديقه، وكان سيروس يدين له بالكثير، لكنه لم يستطع أن يقنع نفسه بأن الوفاء له يقتضي أن يترك فتاة بريئة تُسلب حريتها وتُدفع إلى حافة ا

  • أميرة مملكة الجان.... الغابة المحرمة    173 - شعور كبير بالذنب

    بعد مرور ثلاثة أيام أخرى، خرج سيروس من جناح ميرا، وما إن تجاوز عتبته حتى أُغلق الباب خلفه، وعاد الجنود إلى إحكام إغلاقه كما اعتادوا أن يفعلوا في كل مرة يغادر فيها أحد الجناح. توقف سيروس في الممر للحظات، ثم أخذ يسير بخطوات بطيئة، وقد ارتسمت على وجهه ملامح الحزن والاضطراب. كان ذهنه مشغولًا بما رآه للتو، وبالكلمات التي حاول انتزاعها من ميرا طوال زيارته، لكنه لم يحصل منها على شيء. لم تكن زيارتها هذه المرة مختلفة كثيرًا عن زيارته السابقة، بل كانت أسوأ منها. ومنذ ثلاثة أيام، حين أخبره ألدريان بقراره نقل ميرا إلى ذلك المكان السري في نهاية الشهر، لم يستطع سيروس التوقف عن التفكير في مصيرها. وفي نهاية حديثهما يومها، طلب من الحاكم أن يسمح له بزيارتها مرة أخيرة، حتى يودعها قبل نقلها إلى المكان الذي لن يعرف أحد طريقه سواه. فمهما حدث بينهما، ومهما كانت الأخطاء التي ارتكبها بحقها، فقد كانت ميرا صديقته في الماضي، وكانت قد وثقت به يومًا، قبل أن يخذلها ويصبح واحدًا من الأشخاص الذين تسببوا في معاناتها. وافق ألدريان على طلبه، لكنه وضع شرطًا واضحًا. — يمكنك زيارتها، لكن إياك أن تخبرها بما أخبرتك به

  • أميرة مملكة الجان.... الغابة المحرمة    172 - قبل فوات الاوان

    التفت ألدريان إليه، وقد اختفت نبرة الاشتياق من صوته، وحل محلها الحزم. — لقد اتخذت قراري يا سيروس، وانتهى الأمر. أدرك سيروس من نبرته أن الاعتراض لن يغير شيئًا، لكنه لم يستطع تجاهل ما يعنيه هذا القرار بالنسبة إلى ميرا. فهو يعرف ألدريان جيدًا، ويعرف أنه حين يصر على أمر، نادرًا ما يسمح لأحد بإقناعه بالتراجع عنه. ومع ذلك، حاول أن يفهم على الأقل ما الذي ينوي فعله. — حسنًا، أين يقع هذا المكان الذي ستنقل ميرا إليه؟ نظر إليه ألدريان للحظات، ثم أجاب ببرود: — لن أخبرك. قطب سيروس حاجبيه. — ماذا تقصد بأنك لن تخبرني؟ — أقصد أنني لن أخبرك أنت، ولن أخبر أي شخص آخر. هذا المكان سري للغاية، ولن يعرف طريقه أحد سواي. ازداد قلق سيروس، بينما واصل ألدريان حديثه بثقة، وكأنه يشرح خطة أعدها بعناية ولم يترك فيها مجالًا للخطأ. — مهما بحث أي شخص في مملكة الجان، فلن يستطيع الوصول إلى ذلك المكان. حتى الخدم والحراس الذين سيعملون هناك لن يكونوا من خدم هذا القصر أو حراسه الذين تعرفهم. سأختار أشخاصًا من خارجه، أشخاصًا لا تربطهم صلة بمن يعملون هنا، ولن يكون لدى أحد منهم ما يكشف مكان ميرا أو يدل على الطريق الم

  • أميرة مملكة الجان.... الغابة المحرمة    171 - من سئ إلي اسوء

    الفصل - من سئ إلي اسوء كانت تتمنى لو تستطيع احتضانها، أو إخبارها بأنها ليست وحدها، لكنها لم تعرف إن كانت كلماتها ستصل إليها أصلًا. لقد مرّت شهور طويلة لم تتمكن خلالها من رؤيتها، وها هي الآن تقف أمامها لتكتشف أن ميرا لم تكن بحاجة إلى الطعام والراحة فحسب، بل كانت بحاجة إلى من ينتشلها من هذا الحزن الذي يلتهمها من الداخل. لكنها لم تكن تملك القدرة على تغيير شيء. --- بعد انتهاء الزيارة، توجه الطبيب إلى الحاكم ألدريان ليطلعه على حالة ميرا. كان الحاكم في جناحه الخاص حين دخل الطبيب، فرفع رأسه إليه وسأله مباشرة: — كيف حالها؟ هل تحسنت؟ تردد الطبيب للحظة، ثم أجاب بجدية: — للأسف يا مولاي، حالتها أسوأ مما توقعت. إنها تعاني من تدهور نفسي شديد، وقد انعزلت عن العالم الخارجي بصورة مقلقة، ولا تستجيب لمحاولات التواصل معها مطلقاً كما أن الحزن الذي تعيشه يبدو عميقًا للغاية. تغيرت ملامح ألدريان قليلًا، لكنه لم يقاطعه. تابع الطبيب: — إن استمرارها على هذه الحال قد يعرّض صحتها لخطر حقيقي. فالضغط النفسي الشديد، إلى جانب إهمال احتياجاتها وانقطاعها عن الآخرين، قد يؤدي إلى مضاعفات جسدية خطيرة. وإذا اس

  • أميرة مملكة الجان.... الغابة المحرمة    170 - ما وراء اصوار القصر

    الفصل: ما وراء أسوار القصر مرّت الأسابيع تباعًا، وظل الحال على ما هو عليه؛ ميرا حبيسة جناحها، معزولة عن العالم، غارقة في حالة نفسية بالغة السوء، تتدهور يومًا بعد يوم، حتى بدا وكأنها تفقد ما تبقّى لها من قدرة على الاحتمال. كانت تقضي معظم وقتها في صمت مطبق، لا تفعل شيئًا سوى الجلوس في مكانها والتحديق في الفراغ، وكأنها استسلمت تمامًا لحياة لم تخترها، ولم يعد لديها ما تقاوم من أجله. أما ألدريان، فقد ظل في البداية متمسكًا باعتقاده أن مرور الوقت سيجعلها تلين، وأن عزلتها ستدفعها في النهاية إلى إعادة التفكير في موقفها، وربما تقبّل ما يريده منها. كان يتصور أن حرمانها من الحرية سيجعلها تدرك أنها لا تملك ملجأ آخر، وأنها ستضطر في نهاية المطاف إلى الرضوخ للأمر الواقع. لكن الأيام مضت، ثم تبعتها أسابيع أخرى، من دون أن يظهر أي تحسن في حالتها، أو أي علامة تدل على أنها بدأت تتراجع عن قرارها. ومع مرور الوقت، بدأ شعور بالقلق يتسلل إلى نفسه، وإن حاول تجاهله في البداية. كان يستدعي الخادمات اللواتي يتولين رعاية جناح ميرا، ويسألهن عن حالتها، وعن مقدار ما تتناوله من الطعام، وما إذا كانت تتحدث معهن أو ت

  • أميرة مملكة الجان.... الغابة المحرمة    169 - خلف الأبواب المغلقة

    تلاشت ابتسامته ببطء. كان يتمنى أن يسمع منها أي شيء، لكنه لم يكن مستعدًا لأن تكون أول كلماتها إليه رجاءً كهذا، رجاءً لا يعرف كيف يحققه. تنهد بأسى وقال: — ميرا، أنا آسف، لكنني لا أستطيع إخراجكِ من هنا. حتى لو أردت ذلك، فلن يكون الأمر سهلًا. القصر مليء بالجنود، وأنتِ سجينة بأوامر من الحاكم ألدريان. لا أملك السلطة التي تسمح لي بإخراجكِ، ولن أستطيع تجاوز أوامره بهذه البساطة. رفعت ميرا رأسها قليلًا، لكنها لم تنظر إليه. بقي بصرها معلقًا بالفراغ، ثم قالت بصوت خافت: — بلى، تستطيع. هناك عباءة الإخفاء. إذا أحضرتها ووضعتها عليّ، فسوف تتمكن من إخراجي من هنا. توقف سيروس للحظات. لم يكن يتوقع أن تكون قد فكرت في الأمر بهذه الطريقة، لكنه سرعان ما تنهد وقال: — ميرا، أنا هنا بأمر من ألدريان. هو من سمح لي بالدخول لزيارتكِ، ولولا إذنه لما تمكنت من الوصول إليكِ أصلًا. فكيف تتوقعين مني أن أخرجكِ من القصر من دون علمه؟ ثم تابع موضحًا: — إذا أحضرت عباءة الإخفاء، فسوف يلاحظ الجنود ذلك، وقد يدركون ما أنوي فعله. وإذا حاولت تهريبكِ، فسأكون قد خالفت أوامر الحاكم مباشرة، وقد أفقد منصبي مستشارًا له، وأتعرض ل

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status