Masukحديث في شرفة الحديقةفي ذلك المساء، كانت السماء فوق قصر كاستيلو مغطاة بسحب رقيقة تكسر ضوء الغروب وتحيله إلى وهج شاحب وبارد. كانت الرياح تهب ببطء، فتحرك أوراق الأشجار في الحديقة الخلفية وتصدر حفيفًا باعثًا على السكينة—ومع ذلك، كان يحمل في طياته شيئًا جارحًا.بالنسبة إلى بعض الناس، كانت تلك الحديقة الفسيحة مكانًا فخمًا للراحة والاسترخاء.أما بالنسبة إلى أيكسا، فلم تكن الحديقة سوى الزاوية الوحيدة في القصر التي لا تزال تمنحها مساحة ضئيلة لالتقاط أنفاسها، وتحررها قليلًا من جدران القصر الحجرية التي بدت وكأنها تضيق عليها أكثر فأكثر.كانت تجلس بمفردها في شرفة الحديقة الخشبية، وكتاب مفتوح على حجرها. لكن منذ عدة دقائق، لم تستطع استيعاب سطر واحد مما تقرأه. كانت نظراتها شاردة، معلقة على سطح البركة الصغيرة التي تعكس ظلال الغروب الآخذ في الخفوت.كان عقلها يحوم عالقًا في دوامة ذكريات تلك الليلة في الحديقة قبل بضعة أيام.نظرات فرناندو الحادة والباردة.الصمت المعذب الذي أعقبها.وقرار إليو بالرحيل، تاركًا جرحًا لم يكد يلتئم.كانت كل تلك المشاهد تدور بلا توقف، تطارد عقلها حتى شعرت أيكسا بضيق في صدرها."
**: السؤال الذي بلا جواب** ظلّ سؤال واحد يدور في رأس كاتالينا منذ انبلاج الفجر، يزداد إلحاحًا كصوت عقرب ساعة حائط في غرفة خالية موحشة. كان سؤالًا بسيطًا، لكن أثره كان مؤلمًا إلى حدّ جعل صدرها يضيق كلما حاولت تجاهله. **من هي تلك المرأة؟** بالنسبة لكل من يعرف إليو، كان التجسيد المثالي للهدوء الذي لا يتزعزع. وبعد سنوات من بقائها إلى جانبه، أصبحت كاتالينا تعرف تمامًا كيف يعمل عقله، بكل تفاصيله. كان رجلًا عقلانيًا، بارد الأعصاب، حادّ الذكاء، ويمسك بزمام مشاعره دائمًا. حتى عندما واجهت العائلة أزمات مالية محتدمة أو صراعات داخلية مرهقة في المؤسسة الخيرية، ظلّ ثابتًا كالصخرة؛ راسخًا، هادئًا، ويستحيل زعزعته. لكن خلال الأيام القليلة الماضية، بدأت تلك الصلابة تتصدع. لم يكن تصدعًا كبيرًا يثير ضجة أمام الجميع، بل شقوقًا دقيقة قد لا يلاحظها أحد. غير أن كاتالينا لم تكن كأي أحد. فقد أمضت معظم حياتها وهي تراقب إليو، وتحفظ أدقّ التغيّرات في تعابير وجهه، ونبرة صوته، وحتى حركات جسده. وما طرأ عليه هذه المرة لم يكن مجرد إرهاق عابر. كان هناك كذب يُنسَج في الخفاء، وكانت كاتالينا تكره حقيقة أنها أصبحت من
حدس المرأةفي ذلك الصباح، استيقظ قصر عائلة كاستيلو كما في كل يوم.تسللت أشعة شمس الصباح الباردة بهدوء عبر النوافذ الزجاجية الممتدة من الأرض إلى السقف. وانعكس ضوؤها بلمعان ناعم بدا وكأنه ينساب ببطء فوق أرضية الرخام المصقولة بعناية. وفي الممرات الواسعة الفاخرة، كان الخدم يتحركون بخطوات منتظمة تكاد لا تُسمع، يحملون صواني فضية عليها وجبة الإفطار، بينما أخذت رائحة قهوة الأرابيكا الطازجة تنتشر تدريجياً، فتملأ قاعة الطعام الرئيسية بدفءٍ خادع.في الظاهر، بدا كل شيء مثالياً. كان كل شيء يسير كما ينبغي، كآلةٍ قديمة لا تزال تُصان بدقةٍ متناهية.لكن بالنسبة لكاتالينا، كان هناك شيءٌ ما ليس على ما يرام. كان هناك اضطرابٌ خفي يهتز في الأجواء، يوقظ حدسها شيئاً فشيئاً.جلست وحدها في غرفة الجلوس الواسعة. وبين يديها فنجانٌ من القهوة السوداء، كان دافئاً في البداية، لكنه بدأ يفقد حرارته تدريجياً، تاركاً السائل الداكن يبرد ببطء. وعلى الطاولة المصنوعة من خشب الساج أمامها، كانت تنتشر عدة وثائق مهمة تتعلق بالتحضيرات للحفل الخيري السنوي لعائلة كاستيلو، ذلك الحدث الكبير الذي كان لا بد من إنجاز ترتيباته خلال أيام
تغيّر صغيرمرّت عدة أيام منذ ما حدث في الحديقة تلك الليلة.وعادت قصر عائلة كاستيلو ليغرق مجددًا في روتينه الذي يبدو مثاليًا من الخارج. كان ذلك المبنى الشامخ أشبه بمسرحٍ ضخم أُعدّت تفاصيله بأقصى درجات الدقة. كان الخدم يتحركون بصمت، يؤدون واجباتهم بطاعة لا تشوبها شائبة. وكانت مواعيد وجبات العائلة تُقام في وقتها المحدد، بينما تتردد رنات الملاعق والشوك فوق الأطباق الخزفية بإيقاع منتظم، توحي بنظامٍ ليس إلا مظهرًا خادعًا.عاد فرناندو ينشغل بأكوام العمل التي لا تنتهي في الشركة، غارقًا في السلطة وإحكام السيطرة. أما آيكسا، فكانت تواصل سلسلة الفحوصات الطبية التي حدّدها طبيب العائلة بدقةٍ شديدة.لم تندلع أي مشاجرات عنيفة في الممرات الهادئة للقصر. ولم تُسمع همساتٌ سرية أو أحاديثٌ مريبة في زواياه. ولم يطرأ أي تغيير كبير يكفي لزعزعة سكينة أحد. بدا كل شيء طبيعيًا، هادئًا، وتحت السيطرة.على الأقل، كان ذلك هو الانطباع الخارجي الذي حرص جميع سكان القصر على الحفاظ عليه.لكن كاتالينا كانت تعلم الحقيقة أكثر من أي شخصٍ آخر.لقد تغيّر شيءٌ ما بصورةٍ جوهرية.كان ذلك التغيير صغيرًا للغاية، خفيًا وناعمًا إلى حد
الصمت الذي يعذّب أُغلق الباب الزجاجي الذي يصل الحديقة بالجزء الخلفي من القصر ببطء. صدر صوت خافت لالتحام المزلاج المعدني، لكنه كان كافيًا ليعلن نهاية ليلة تركت خلفها أسئلة أكثر مما ينبغي. تقدّم فرناندو أولًا. ظلت خطواته هادئة، منتظمة، وثابتة كما هي عادته. وسارت آيكسا خلفه بنصف خطوة. لم ينطق أيٌّ منهما بكلمة. كان الممر الطويل، الذي اعتاد أن يبعث الدفء، غارقًا الآن في صمت خانق. وانعكس ظلهما على أرضية الرخام اللامعة تحت أضواء الثريا، فبدا أن المسافة بينهما أصبحت أكثر وضوحًا. توقف بعض الخدم الذين كانوا لا يزالون يرتبون غرفة المعيشة عن عملهم للحظة. "مساء الخير، سيدي. سيدتي." اكتفى فرناندو بإيماءة قصيرة من رأسه، من دون أن يبطئ خطواته. أما آيكسا، فأجبرت نفسها على ابتسامة خفيفة. وما إن واصلا السير حتى عاد الصمت ليخيم عليهما من جديد. ظل قلب آيكسا يخفق على نحو مضطرب. ومع كل خطوة كانت تخطوها، كان صدرها يزداد ضيقًا. راودتها الرغبة مرارًا في أن تشرح ما حدث في الحديقة. أنها لم تضرب موعدًا مع إليو قط. وأن لقاءهما لم يكن سوى محض صدفة. وأنهما لم يفعلا شيئًا تجاوز الحدود. لكن كلما أوش
الأثر في الحديقة كان وقع الخطوات الثقيلة يشق سكون الحديقة. تجمدت آيكسا في مكانها. تصلب جسدها كله في اللحظة نفسها. سارعت إلى مسح الدموع التي انحدرت للتو على خديها بظاهر يدها، رغم أنها كانت تعلم أن الأوان قد فات. كان قلبها يخفق بعنف حتى بدا وكأنه يملأ صدرها كله. التفت إليو نحو مصدر الصوت. وفي لحظة، اختفى ما تبقى من هدوئه. ومن بين الممر الحجري الذي تضيئه مصابيح الحديقة الخافتة، كان فرناندو يقترب بخطوات ثابتة. بقي وجهه جامدًا كعادته. لم يكن هناك غضب منفجر، ولا صراخ، ولا حتى نظرة تكشف عما يشعر به بوضوح. بل إن هدوءه هو ما كان يبدو أكثر رعبًا. وكلما اقترب فرناندو، ازداد الهواء من حولهم اختناقًا. ومن دون وعي، تراجع إليو خطوة إلى الوراء. ليس خوفًا. بل احترامًا للحدود التي حاول الحفاظ عليها منذ البداية. توقف فرناندو على بعد عدة أمتار منهما. وانتقلت نظراته بين إليو ثم آيكسا. ساد الصمت. ولم يجرؤ أحد على الكلام أولًا. "يبدو أنني قاطعتكما." جاء صوت فرناندو منخفضًا وهادئًا. هزّت آيكسا رأسها على عجل. "لا... ليس الأمر كذلك." لم يرد فرناندو على الفور. بل حوّل نظره إلى إليو. "ظننت







