ログインكان الصمت في الغرفة كثيفًا للغاية، عميقًا جدًا، وكأن الهواء نفسه يعزف عن الحركة بينهما. لم يتزحزح أي منهما خطوةً واحدةً عن موقعه. ظلت نظرات كاتالينا مُثبتةً على وجه إليو، حادةً ومطالبةً، تنتظر الجواب الذي سعت منذ البداية لاستخراجه من أعماق قلبه. كل ثانيةٍ تمرّ في تلك الغرفة تحمل عبء توترٍ يزداد استحالةً تحمّله. ولكن هذا الصمت الطويل هو الذي سحق تدريجيًا كل أساس الأمل الذي حاولت كاتالينا الحفاظ عليه بشدةٍ طوال هذه المدة. خلال سنوات معرفتها بإليو—وفهمها لكل جانب من جوانب شخصيته وحركاته—عرفت كاتالينا يقينًا أمرًا جوهريًا عن الرجل الذي يقف أمامها. قد يكون إليو بارعًا للغاية في إخفاء عاصفة المشاعر خلف قناع الهدوء. يستطيع أن يكون باردًا، لا مبالٍ، ويصعب توقّعه. لكن هذا الرجل لم يكن أبدًا، ولن يكون أبدًا، ماهرًا في الكذب عندما يتعلق الأمر بشيءٍ مهمٍ حقًا في حياته. وهذه الليلة... صمت إليو لم يكن مجرد سكونٍ عادي. لقد صرخ هذا الصمت بصوتٍ أعلى، وقال أكثر مما يمكن أن تقوله آلاف الكلمات والعبارات المنسقة. بدأ تنفس كاتالينا يضيق ويثقل. صدرها يعلو ويهبط كابحًا ألمًا انفجر فجأة. هزّت رأسها ببطء،
الليلة التي انكشفت فيها الأسرار غمر الليل قصر كاستيلو بهدوءٍ يكاد يكون تامًا، ذلك النوع من الصمت الكثيف الذي يبدو وكأنه يضغط عمدًا على صدر كل من لا يزال مستيقظًا. خُفّتت معظم المصابيح في الممر الرئيسي، تاركةً أشعةً خافتةً تتلألأ، وتشكّل ظلالًا طويلةً مخيفةً على الجدران الحجرية. انتهى الخدم من أداء مهامهم اليومية وعادوا إلى أماكن إقامتهم، تاركين هذا المنزل الكبير العريق في قبضة جوٍ باردٍ متجمد. ولكن ليس كاتالينا. لقد سارت في ممر الطابق الثاني بخطواتٍ واثقة. كانت كعوب حذائها تقصف أرض الخشب بنغماتٍ منتظمة، ولكن وراء هذا المظهر الحازم، كانت كل خطوةٍ تخطوها تزداد ثقلًا. كان صدرها يخفق بعنفٍ شديد. كان حدسها يصرخ محذّرًا بأن الحديث الذي سيدور الليلة ليس مجرد حديثٍ عادي، بل هو نقطةُ تحولٍ قد تدمر وتغير الكثير من الأمور بينهم. توقفت تمامًا أمام بابٍ من خشب الجاوي المنقوش بزخارفٍ دقيقة. غرفةُ إليو. وقفت كاتالينا مترددةً للحظة. أخذت نفسًا عميقًا، ملأت رئتيها بهواء الليل البارد لتهتزّ يديها الخفيفة، قبل أن ترفع يدها أخيرًا. طرق... طرق... طرق... صدى الطرق بدا كأنه رنين ناقوس الموت في المم
بذرة الشك منذ أن غادرت المكتبة في ذلك الصباح، لم يهدأ بال كاتالينا أبدًا. لقد حاولت صرف انتباهها عن طريق تكديس العمل الذي ينتظرها في مكتب المؤسسة. عدة مقترحات للفعاليات يجب مراجعتها، وقوائم الضيوف تحتاج إلى الموافقة، والتقارير المالية لا تزال تنتظر توقيعها. لكن كلما اجتاحت عيناها سطرًا بعد سطر من الكتابة على الورق، عاد نفس الظل ليظهر في ذهنها. نظرةُ إليو. تلك النظرة الهادئة للغاية، والتي تخفي في طياتها اهتمامًا عميقًا جدًا. أغلقت كاتالينا الملف الذي أمامها بينما أطلقت نفسًا طويلًا. «ما خطبي؟» همست بصوت خافت. لم تكن تحب أن تشك في أفراد عائلة كاستيلو. وخاصةً إليو، الذي لم يعطِها طوال هذا الوقت أي سببٍ للشك في موقفه أو تقديره. لكن ما رأته في المكتبة استمر يزعج تفكيرها. لا لمسات. لا كلماتٍ تتجاوز الحدود. حتى المسافة بين إليو وأيكسا كانت محفوظة. ولكن لأن كل شيء بدا طبيعيًا للغاية، ازدادت كاتالينا صعوبةً في تجاهله. مثل هذا الاهتمام... لا ينشأ بين ليلةٍ وضحاها. قرب الظهيرة، سارت كاتالينا عبر الحديقة الخلفية لتبحث عن بعض الهواء المنعش. أبطأت خطواتها عندما تذكرت دون قصد ما ح
نظرةٌ مختلفةٌلطالما كانت مكتبة قصر كاستيلو المكانَ الأكثر هدوءًا بين جميع غرف هذا المنزل.ترتفع الأرفف الخشبية حتى تكاد تلامس السقف، وتعجّ بكتبٍ قديمةٍ مصطفةٍ بانتظام. يسقط ضوء الشمس المخترق للنوافذ العالية مُشكّلاً خطوطًا رفيعةً على أرض الرخام، بينما يملأ الهواء رائحةُ الورق والخشب العتيق المميزة.في صباح ذلك اليوم، جاءت كاتالينا بمفردها.لقد احتاجت إلى كتبٍ مرجعيةٍ لاجتماع مؤسسة العائلة المقرر عقده نهاية هذا الأسبوع. وقد أخبرتها إحدى الخادمات أن المجموعة التي تبحث عنها توجد في الجزء الخلفي من المكتبة.سارت كاتالينا ببطءٍ عبر الممرات الفاصلة بين أرفف الكتب.كان المكان هادئًا لدرجة أن صوت خطواتها بدا واضحًا.لم تمضِ سوى خطواتٍ قليلة حتى توقفت.كان هناك صوتٌ ما.خافتٌ.كما لو أن شخصين يتحدثان مع تعمد خفض صوتهما.عبّرت كاتالينا عن استغرابها بحدبة حاجبيها.فالمكتبة عادةً ما تكون خاليةً تقريبًا في مثل هذا الوقت من اليوم.بدافع الفضول، تقدمت ببطءٍ أكبر.أصبح الصوت أوضح.«...تبدين أشحذِ من الأمس».توقفت كاتالينا فجأة خلف أحد الأرفف.ليس رغبةً في التجسس.بل لأنها أدركت فورًا صاحب هذا الصوت.
حديث في شرفة الحديقةفي ذلك المساء، كانت السماء فوق قصر كاستيلو مغطاة بسحب رقيقة تكسر ضوء الغروب وتحيله إلى وهج شاحب وبارد. كانت الرياح تهب ببطء، فتحرك أوراق الأشجار في الحديقة الخلفية وتصدر حفيفًا باعثًا على السكينة—ومع ذلك، كان يحمل في طياته شيئًا جارحًا.بالنسبة إلى بعض الناس، كانت تلك الحديقة الفسيحة مكانًا فخمًا للراحة والاسترخاء.أما بالنسبة إلى أيكسا، فلم تكن الحديقة سوى الزاوية الوحيدة في القصر التي لا تزال تمنحها مساحة ضئيلة لالتقاط أنفاسها، وتحررها قليلًا من جدران القصر الحجرية التي بدت وكأنها تضيق عليها أكثر فأكثر.كانت تجلس بمفردها في شرفة الحديقة الخشبية، وكتاب مفتوح على حجرها. لكن منذ عدة دقائق، لم تستطع استيعاب سطر واحد مما تقرأه. كانت نظراتها شاردة، معلقة على سطح البركة الصغيرة التي تعكس ظلال الغروب الآخذ في الخفوت.كان عقلها يحوم عالقًا في دوامة ذكريات تلك الليلة في الحديقة قبل بضعة أيام.نظرات فرناندو الحادة والباردة.الصمت المعذب الذي أعقبها.وقرار إليو بالرحيل، تاركًا جرحًا لم يكد يلتئم.كانت كل تلك المشاهد تدور بلا توقف، تطارد عقلها حتى شعرت أيكسا بضيق في صدرها."
**: السؤال الذي بلا جواب** ظلّ سؤال واحد يدور في رأس كاتالينا منذ انبلاج الفجر، يزداد إلحاحًا كصوت عقرب ساعة حائط في غرفة خالية موحشة. كان سؤالًا بسيطًا، لكن أثره كان مؤلمًا إلى حدّ جعل صدرها يضيق كلما حاولت تجاهله. **من هي تلك المرأة؟** بالنسبة لكل من يعرف إليو، كان التجسيد المثالي للهدوء الذي لا يتزعزع. وبعد سنوات من بقائها إلى جانبه، أصبحت كاتالينا تعرف تمامًا كيف يعمل عقله، بكل تفاصيله. كان رجلًا عقلانيًا، بارد الأعصاب، حادّ الذكاء، ويمسك بزمام مشاعره دائمًا. حتى عندما واجهت العائلة أزمات مالية محتدمة أو صراعات داخلية مرهقة في المؤسسة الخيرية، ظلّ ثابتًا كالصخرة؛ راسخًا، هادئًا، ويستحيل زعزعته. لكن خلال الأيام القليلة الماضية، بدأت تلك الصلابة تتصدع. لم يكن تصدعًا كبيرًا يثير ضجة أمام الجميع، بل شقوقًا دقيقة قد لا يلاحظها أحد. غير أن كاتالينا لم تكن كأي أحد. فقد أمضت معظم حياتها وهي تراقب إليو، وتحفظ أدقّ التغيّرات في تعابير وجهه، ونبرة صوته، وحتى حركات جسده. وما طرأ عليه هذه المرة لم يكن مجرد إرهاق عابر. كان هناك كذب يُنسَج في الخفاء، وكانت كاتالينا تكره حقيقة أنها أصبحت من







