ANMELDENرفعت رأسي وأنا أناظر يوسف بصمت محذر، صمت من يعرف أن السؤال الذي طُرح ليس بريئاً، صمت ثعلبة تدرك أن الفخ يُنصب لها على طاولة الفطور. ثم التفت لأرى أمي وأبي يحدقان بي بقلق واضح، بقلق أبوين ينتظران جواباً من ابنتهما التي عادت فجأة بحقيبة سفر كبيرة ووجه لا يحمل أي ابتسامة حقيقية.
فرسمت ابتسامة مصطنعة على وجهي. ابتسامة صغيرة ناعمة لا تصل إلى العينين. ابتسامة تدربت عليها طوال الطريق في السيارة. ابتسامة تقول: كل شيء بخير. أنا هنا بإرادتي. أنا لست مطرودة. أنا لست مطلقة. أنا لست ملم يتحمل أريان كلامي وتمثيلي السخيف، فقال بسرعة وبسخرية مبطنة لم يفهمها سواي وأنا الوحيدة التي تعرف ما يقصده حقاً: «أبي، زوجتي لطيفة ومراعية جداً، فهي دائماً ما تتفقد أحوال الجميع.. حتى صديقها!» شعرت بكلمة صديقها كإبرة تغرز في جلدي، إبرة صغيرة لا يراها أحد لكنها تحرقني أنا فقط، لأنني عرفت أنه يقصد شيئاً آخر تماماً، عرفت أنه يقول لي بطريقته الخاصة: أعرف أنه ليس صديقاً، أعرف كل شيء، وأنتِ تكذبين على أبي وأمي وأنا أجلس هنا وأستمع وأصمت ثم جاءت والدة أريان وهي تقول بحزن وتعب واضح ممزوج بقلق حقيقي على وجهها المتعب: «يا إلهي، لقد أودعت صديقك يا سيلين عزيزتي بعهدة السائق ليذهب به إلى المستشفى، لقد كانت حالته سيئة بشدة، لقد رأيت آثاراً حمراء على رقبته، ربما حقاً لديه حساسية شديدة، المسكين!» كادت نوبة من الضحك الهستيري تفجر صدري وأنا أحاول كبحها بكل ما أوتيت من قوة، ضحك على الآثار الحمراء التي رأتها على رقبته وهي لا تعرف أنها آثار أصابع ابنها، ضحك على كلمة المسكين التي وصفت بها رجلاً كاد ابنها أن يقتله قبل ربع ساعة، ضحك على كل هذا العبث الذي أعيش
حين أنهى أريان كلامه، رفع إصبعه وطرق به جبهتي طرقة خفيفة. لم تؤلمني، لكنني تجمدت للحظة، ثم رفعت يدي إلى المكان الذي لامسته أصابعه، أتحسس دفئاً لا يزال عالقاً هناك. في عينيه تلك النظرة التي تقول إنه يعرفني أكثر مما ينبغي لأحد أن يعرف. تمتمت وأنا أفرك جبهتي: «حسناً، معك حق. كنت أفكر فقط في اليوم المناسب لزيارتك في السجن. صباحاً وأنا أحضر لك الفطور، أم بعد الظهر وأنا أحضر لك الغداء؟» فتح فمه ليرد. لكن قبل أن تخرج الكلمة، جاء صوت والدته من طرف الحديقة، مذعوراً: «يا إلهي! ماذا بك يا زياد؟» استدار أريان بسرعة. تبعته بنظري، فرأيت زياد واقفاً قرب الطاولة، يمسك كأس الماء بكلتا يديه تقريباً، يشرب بسرعة حتى كاد يختنق بالماء نفسه، وقطرات منه تتساقط على قميصه. وجهه محمرّ، أنفاسه متقطعة. اقتربت منه والدته، قلقة: «ماذا حدث؟ لماذا وجهك محمر هكذا؟» أعاد الكأس إلى الطاولة، مسح فمه بظهر يده. «لا تقلقي يا سيدتي... فقط لدي حساسية شديدة من أزهار الحديقة.» توقف يلتقط أنفاسه. «وأشعر بقليل من الاختناق.»
انتهى الغداء أخيراً. انتهت آخر لقمة. انتهت آخر رشفة. انتهت آخر كلمة من والدة أريان وهي تقول: «هل تريدون حلوى؟ صنعت كعكة بالشكولاته». وانتهى كل شيء. وقفت. وضعت الملعقة. ومسحت فمي بالمنديل. ووقفت. وأنا على وشك الإصابة بعسر هضم حقيقي بسبب هذا الموقف المزعج. بسبب كل لقمة ابتلعتها وأنا لا أشعر بطعمها. بسبب كل ثانية جلست فيها ويداه تحت الطاولة تعتصران يدي. بسبب كل نظرة من زياد. بسبب كل ابتسامة من والدة أريان. بسبب كل صمت من أريان. وشعرت بشيء أسوأ من عسر الهضم. شعرت بشيء في صدري. شيء لا أعرف كيف أسميه. شيء يقول: أنتِ خائنة. أنتِ تجلسين مع حبيبكِ السابق على طاولة زوجكِ. أنتِ تأكلين من طعام حماكِ وأنتِ تحملين سراً. أنتِ تكذبين على الجميع. أنتِ لستِ بريئة. أنتِ لستِ نظيفة. أنتِ خائنة. رغم أنني لست كذلك أبداً. رغم أنني لم أخن أحداً. رغم أنني لم أفعل شيئاً. رغم أنني كنت ضحية صدفة لعينة. رغم أنني لم أدعُ زياد ولم أخطط لشيء ولم أريد أي شيء من هذا. لكنني شعرت بذلك. شعرت أنني خائنة. وشعرت أنني سأحمل هذا الشعور طويلاً. طوي
تنهدت بعمق محاولةً خفض نبضات قلبي المتسارعة التي كادت أن تخترق ضلوعي وتسمعها الطاولة كلها، وحدثت نفسي بصوت داخلي مرتجف: "حسناً يا سيلين، لم تفعلي شيئاً خاطئاً حقاً، أنتِ زوجته السابقة قريباً وسننفصل عما قريب بحكم الأمر الواقع، ثم ما شأنه بمن أحضر؟ لست أنا من جلب هذا اللعين إلى هنا بل والدتكِ، أقسم أنها والدتكِ هي من دعتْه وأصرّت على حضوره!" حاولت أن أتماسك قبل أن أفتح فمي لأتحدث وأبرر موقفي بكلمات منطقية قد تنقذ ما تبقى من كرامتي، لكن صوت والدة أريان السريع تدخل قبل أن أنطق بحرف واحد وهي تسكب له الطعام في صحنه بحنان أمومي قاتل: "أجل عزيزي، وجدتهما في المول يتحدثان، وعندما اقتربتُ علمت أنه صديق العائلة من أيام الطفولة.. أليس من الجميل الاقتراب من أقارب زوجتك والتعرف عليهم جيداً؟ في المرة القادمة سأقوم بدعوة عائلتك جميعها يا حبيبتي سيلين حتى نكمل التعارف بشكل رسمي!" شعرت بانهدام كامل في داخلي، انهيار تام لا يمكن إصلاحه بأي كذبة بيضاء أو تبرير سريع، وحدثت نفسي بيأس مطبق: "حسناً، لقد فُضح أمري بالكامل وسأصبح خائنة قبل الطلاق،
جلست سيلين إلى طاولة الغداء في منزل عائلة أريان، تلك الطاولة الخشبية الطويلة التي جلست حولها عشرات المرات من قبل، لكن وجودها عليها في ذلك اليوم كان مختلفًا تمامًا. امتلأت الأطباق بالسمك المشوي والأرز بالزعفران والسلطة الطازجة، وانتشرت رائحة الطعام الدافئة في الغرفة، إلا أن سيلين لم تشعر بأي دفء. كان البرد يتسلل إلى عظامها من مكان آخر تمامًا. كان زياد يجلس مقابلها مباشرة. هناك، في المكان الذي لا ينبغي له أن يكون فيه. في المنزل الذي لم يكن يجب أن يدخله أصلًا، وعلى الطاولة التي لم تتخيل يومًا أنه سيجلس إليها. كان ينظر إليها بصمت مستفز، صمت لا يحمل كلمة واحدة، لكنه يرسل عشرات الرسائل. ارتسمت على ملامحه ابتسامة صغيرة توحي بثقة رجل وجد نفسه فجأة في قلب المكان الذي لا ينتمي إليه، وكأن عينيه تسألانها بسخرية: ماذا ستفعلين الآن يا سيلين؟ هل ستصرخين؟ هل ستعترفين؟ هل ستهربين؟ أم ستجلسين هنا وتبتسمين وتأكلين السمك وكأن شيئًا لم يحدث؟ أبقت سيلين عينيها عليه، تحاول كبح الغيظ الذي يضغط على صدرها
حاولت سيلين تغيير الموضوع بسرعة، وكأنها تريد الهروب من سؤال قبل أن يأتي السؤال التالي. نظرت إلى الأكياس البلاستيكية الثقيلة التي تمسكها والدة أريان، والمليئة بالخضار واللحوم والتوابل، فوجدت فيها فرصة مناسبة لتحويل الحديث. كانت أكياس امرأة تخطط لطبخة كبيرة، ولا تحمل في ظاهرها أي شك أو ريبة. «هل أتيتِ للتسوق هنا اليوم أيضاً يا أمي؟» سألت بابتسامة متوترة لا تصل إلى عينيها. كانت تحاول أن تبدو طبيعية، وكأنها تقول لها: انظري إلى الأكياس، إلى الخضار، إلى أي شيء غير زياد، وغير يده التي كانت على كتفها، وغير وجهها الشاحب. نظرت والدة أريان إلى الأكياس في يديها، ثم إلى سيلين. بدت بعض شكوكها الأولى أقل حدة، وإن لم تختفِ تماماً؛ ربما كانت المسألة صدفة، وربما كان زياد صديقاً قديماً كما قالت. «أجل، كنت أخطط لطهي الغداء اليوم بنفسي،» قالت بهدوء وهي ترفع أحد الأكياس قليلاً، «اشتريت سمكاً طازجاً وأرزاً وسلطة. أريد أن أطبخ شيئاً جيداً اليوم. أحياناً يحتاج المرء أن يطبخ بيديه لينسى كل شيء.» «رائع يا أمي! سمك! أحب السمك!»







