Chapter: فصل ١٦٧في ذلك المساء، دفعت الأم كرسيها حتى وصلت إلى مكتبه. كان الباب مفتوحًا، الضوء يتسلل إلى الممر. رأته جالسًا أمام الأوراق، ظهره منحني قليلًا. لم يرفع رأسه عندما دخلت. صوت العجلات كان كافيًا ليعرفها. «هل وجدت شيئًا؟» توقف عن تقليب الأوراق، أصابعه تتجمد على الورقة. ثم قال، دون أن ينظر إليها: «لا.» كانت الإجابة قصيرة. قاسية في بساطتها. لكنها لم تغضب. اعتادت على هذه الكلمة. اقتربت أكثر، عجلات الكرسي تتوقف قرب مكتبه. «لا تتوقف.» رفع عينيه إليها، عيناه حمراوان من السهر. «لن أتوقف.» «حتى لو طال الأمر؟» «حتى لو احتاج الأمر بقية عمري.» نظرت إليه لثوانٍ، تدرس وجهه المتعب. ثم ابتعدت دون كلمة، العجلات تعود للدوران. ***
Last Updated: 2026-09-15
Chapter: الفصل ١٦٦بعد عدة أيام، حاولت الممرضة مساعدتها على الجلوس على حافة السرير. وضعت قدميها على الأرض الباردة. انتظرت. لم يحدث شيء. العضلات لم تتقلص. القدمان بقيتا هامدتين. كانت تحدق فيهما، كأنها تنظر إلى أطراف شخص آخر. «حاولي رفع قدمك قليلًا. فقط إصبع القدم.» شدت عضلات ساقها بكل ما أوتيت من قوة إرادة. عرق يتجمع على جبينها. لم تستجب. فراغ تام. حاولت مرة أخرى. ثم أغمضت عينيها، اليأس يتسلل إليها. «لا أستطيع.» قالت الممرضة بهدوء وتعاطف: «لا بأس. الجسم يحتاج وقتًا ليتعلم الثقة مرة أخرى. سنحاول مرة أخرى غدًا.» لم تجب. اكتفت بإغلاق عينيها. بعد قليل، أُحضرت لها كرسي متحرك جديد، لامع ومعقم. جلست فيه للمرة الأولى. الإحساس بالعجز كان ساحقًا. بقيت يداها فوق فخذيها، عاجزة عن لمس العجلات. نظرت إلى الكرسي. ثم إلى ساقيها الميتتين. لم تبكِ. الدموع جفت.
Last Updated: 2026-09-14
Chapter: الفصل ١٦٥كان الصباح هادئًا أكثر مما ينبغي. صمت ثقيل يخنق أروقة القصر، كأن الهواء نفسه يحبس أنفاسه انتظارًا لكارثة. جلست والدة هيتشول في غرفتها منذ وقت مبكر، جالسة على حافة السرير، تحدق في النافذة الزجاجية دون أن ترى شيئًا من العالم الخارجي. عيناها زجاجيتان، فارغتان من الحياة. منذ اختفائه، تغيرت ساعات نومها جذريًا. لم يعد للنوم طعم، ولا للراحة معنى. تستيقظ قبل الجميع، حين يكون الظلام لا يزال متمسكًا بالأرض. تبقى مستيقظة حتى الفجر، تراقب تحرك الضوء ببطء على الجدران. ثم تقضي النهار متنقلة بين الغرف الكبيرة والخالية، خطواتها خفيفة، كأنها شبح يطوف في بيته الخاص، تبحث عن شيء تعرف مسبقًا أنها لن تجده. صوت خطواته. رائحة عطره. دفء وجوده. في ذلك الصباح، وقفت ببطء شديد. مفاصلها تصرخ احتجاجًا على الجمود. وضعت يدها المرتجفة على حافة الطاولة الخشبية لتثبت نفسها. بقيت للحظات دون حركة، رأسها يدور بدوار خفيف. ثم خرجت من الغرفة. كانت تحمل كوبًا من الماء البارد، يداها تشدان الزجاج بقوة بيضاء. خطت
Last Updated: 2026-09-13
Chapter: الفصل ١٦٤لم يكن غياب هيتشول مجرد اختفاء شخص. كان فراغًا ثقيلاً، كثيفًا، يملأ ممرات القصر الواسعة ويخنق أنفاس من بقي فيه. في الأيام الأولى، بقيت غرفته كما تركها، متحفًا صغيرًا لحياة توقفت فجأة. الباب مغلق بإحكام. السرير مرتب بدقة عسكرية، الملاءات مشدودة بلا تجاعيد. بعض الملابس ما تزال معلقة في الخزانة، تفوح منها رائحة عطره الباهتة. وعلى المكتب الخشبي الداكن، بقي هاتف قديم، شاشته مطفأة، لم يعد أحد يلمسه أو يشحنه. غبار رقيق بدأ يستقر عليه كطبقة نسيان. لكن الوقت مر. والغرفة بقيت فارغة. الصمت فيها أصبح صاخبًا. في صباح اليوم الثالث، وقف والد هيتشول أمام مكتب ابنه. الضوء الرمادي يتسلل عبر الستائر، يلقي ظلالاً طويلة على وجهه المتحجر. مد يده نحو أحد الأدراج العلوية. فتحه ببطء. لم يجد شيئًا. أوراق مرتبة. أقلام. لا رسائل سرية. لا وداع. أغلقه بصوت خافت. ثم فتح الدرج الثاني. صمت طويل. ثقيل. أغلقه أيضًا. دخل أحد رجاله، خطواته حذرة عل
Last Updated: 2026-09-12
Chapter: الفصل ١٦٣سحبت الكرسي البلاستيكي المقابل للسرير وجلست. صوت احتكاك الأرجل بالأرض كان عاليًا في الصمت. وضعت حقيبتها الجلدية على قدميها. شبكت أصابعها فوقها بقوة، لتخفي ارتعاشها. قالت: «كيف حالك؟» «أفضل.» «هذا جيد.» سكتا. كانت هناك كلمات كثيرة تزحم رأسها، تريد الخروج دفعة واحدة. *أين كنت؟ هل تعرف كم انتظرت؟ هل تتذكر الأيام التي...* توقفت. ابتلعت الكلمات. لم تقل شيئًا. نظر جيهون إليها، رأسه مائل قليلاً. «هل أعرفك؟» السؤال سقط مثل حجر في بئر عميق. تجمدت أصابعها للحظة. عقدت مفاصلها حتى ابيضّت. ثم رفعت عينيها إليه. عيناها لامعتان، لكن دمعتها حبستها بإرادة قوية. «نعم.» «منذ متى؟» فتحت فمها. ثم أغلقته. كانت تعرف أن أي إجابة محددة قد تجر سؤالًا آخر، وقد يؤدي السؤال الآخر إلى كشف الصدع الكبير في ذاكرته.
Last Updated: 2026-09-11
Chapter: الفصل ١٦٢كان الحمام هادئًا، تعزل جدرانه المبللة ضجيج المستشفى الخارجي. صوت الماء المتساقط من الصنبور ملأ الفراغ للحظات، قطرة تلو الأخرى، إيقاع بطيء ومميت، ثم توقف فجأة. رفع جيهون رأسه. نظر إلى المرآة. بقي ساكنًا أمامها، كأن تمثالًا من لحم ودم يقف في مواجهة انعكاسه. كان وجهه وجهه. لم يشك في ذلك للحظة. العينان. الأنف. الفك. كل شيء في مكانه الصحيح، مرتب وفق هندسة مألوفة. ومع ذلك، ظل يحدق فيه كأنه يرى غريبًا للمرة الأولى. اقترب خطوة، حتى لامس أنفاسه الزجاج البارد. رفع يده إلى حاجبه الأيسر. مرر إصبعه فوق ندبة صغيرة، بيضاء اللون، تكسر خط الحاجب. توقف. لم يتذكر متى ظهرت. هل كانت من شجار طفولي؟ من سقوط دراجة؟ من حادث لم يعد يتذكره؟ أنزل يده ببطء. فتح ياقة ملابس المستشفى الخضراء الباهتة قليلًا. كانت هناك ندبة أخرى، أطول وأعمق، قرب كت
Last Updated: 2026-09-10
Chapter: الفصل 92مدّت يدها نحو أيقونة الحذف، لكن يده وصلت أولاً، أمسكت معصمها بحزم لا عنف فيه. «لا تلمسيه.» نظرت إليه، وانتظرت. «لماذ لديك ملف عني أصلاً؟» لم يجب. فقط وقف صامتاً، فكّه مشدود، عيناه لا تفارقان وجهها لكنهما لا تحملان جواباً. * سحبت معصمها من قبضته، وعادت إلى اللابتوب، أصابعها تتحرك بسرعة نحو أيقونة الحذف. «سأحذفه،» قالت بصوت حاسم، «سأحذفه. أعطني كلمة السر.» تحرك بسرعة، وأغلق الشاشة بيده قبل أن تصل أصابعها. «لن تحذفيه.» «أعطني كلمة السر يا أريان.» «لا.» * نهضت واقفة، والغضب يتصاعد في صدرها كموجة لا تستطيع كبحها. «أنا أمامك!» صرخت، وصوتها يملأ الغرفة، «تستطيع ان تسألني أي شيء! أي شيء تريد معرفته عني، اسأل! لماذا تبحث من وراء ظهري كأنني مجرمة؟!» انفجر هو ال
Last Updated: 2026-09-15
Chapter: الفصل 91عاد أريان إلى الغرفة بعد مكالمته، وما إن تجاوز عتبة الباب حتى توقف في مكانه. رأيت عينيه تتسعان قليلاً، رأيت يده لا تزال ممسكة بالهاتف بينما نظره يثبت عليّ، أنا الجالسة أمام لابتوبه بملامح متجمدة، بقبضتين مشدودتين على حافة الجهاز. نظر إليّ، ثم انتقل نظره ببطء نحو الشاشة، وهناك تجمّد شيء في وجهه. لم يتفاجأ كمن يُصدم بمجهول، بل كمن يرى شيئاً كان يخشى أن يُكشف يوماً. لم يقل كلمة. فقط وقف، وفكّه شُدّ قليلاً، وعيناه لم تفارقا الشاشة. أدرت اللابتوب نحوه ببطء. «ما هذا يا أريان؟» نظر إليه، ثم إليّ، ولم يجب. قلّبت الصفحة الأولى بيدي المرتجفة. اسمي، معلومات أساسية عني، تواريخ لا أذكر أنني ذكرتها لأحد بهذا الترتيب. «زياد؟» قلت وأنا أفتح ملفاً آخر يحمل اسمه. لم يتحرك. «تالا؟» فتحت ملفاً ثالثاً. صمت. «هؤلاء أصدقائي؟» أشرت إلى قائمة أسماء لم أرَ بعضها مكتوباً في مكان واح
Last Updated: 2026-09-15
Chapter: الفصل 90في صباح ذلك اليوم، وقبل موعد ذهابه إلى العمل، جلس أريان في غرفة المعيشة أمام اللابتوب المفتوح، يعمل على ملفات عاجلة لاجتماعه القادم، وجهه مركّز، أصابعه تنقر لوحة المفاتيح بإيقاع منتظم. جلست على الأريكة المقابلة، أحمل كتاباً وأتظاهر بالقراءة، بينما عيناي تنتقلان خلسة بين الصفحة المطبوعة والإضاءة الزرقاء المنبعثة من جهازه. لم يترك شيئاً يظهر. كان يفتح ملفاً ويغلقه بسرعة، يدخل كلمة مروره في مربع صغير ويضغط إدخال قبل أن أقرأ الحرف الأول. وكلما التقت عيناه بعينيّ، أنزلت رأسي فوراً نحو الكتاب. مرّت ساعة كاملة على هذا الحال، ساعة من الانتظار والمراقبة، لم أحصد منها سوى صداع خفيف. ثم رنّ هاتفه. نظر إلى الشاشة، رفع حاجبه قليلاً، أجاب. سمعته يقول «نعم»، ثم «حسناً»، ثم «لا، ليس الآن»، ثم صمت قصير وتنهيدة خفيفة، قبل أن ينهض ويقول: «دقيقة واحدة، سأخرج إلى الشرفة لأسمعك بوضوح أكبر.» مشى نحو الشرفة، وخرج، وأغلق الزجاج خلفه. وبقي اللابتوب مفتوحاً، وحيداً، على الطاولة أمامي.
Last Updated: 2026-09-15
Chapter: الفصل 89كان يراقبني. أشعر بعينيه. أشعر بهما تحرقان الهواء بيننا. أشعر بهما مثبتتين على وجهي. على يديّ. على كل حركة أفعلها. على كل نفس أتنفسه. على كل ورقة أقلبها. على كل ملف أرتبه. كأنني تحت مجهر. كأنني حشرة في صندوق زجاجي. كأنني لست امرأة تجلس في مكتب زوجها وتعبث بملفات العمل بهدوء. جلست أمامه. في مكتبه المنزلي. على الكرسي الخشبي الصغير. والطاولة أمامي. ملفات مرتبة. أوراق منظمة. أقلام في مكانها. كل شيء هادئ. كل شيء مثالي. كل شيء يقول: أنا موظفة. أنا زوجة. أنا إنسانة عادية. أنا لست الثعلبة التي اختبأت خلف ستارة قبل ليلتين. لكنه لم يصدق. رأيت ذلك في عينيه. رأيت الشك. رأيت الحذر. رأيت الاختبار. اختبار صدق هذا التحول المفاجئ في سلوكي. اختبار هذه الابتسامة الناعمة التي تدربت عليها طوال الليل. اختبار هذا الهدوء الذي لم يعتده مني. اختبار هذه المرأة التي تجلس أمامه وتعبث بملفات بهدوء كأنها لم تحرق نقوداً في حياته. «سيلين،» قال وهو يراقبني من خلف مكتبه. «نعم؟» رددت دون أن أرف
Last Updated: 2026-09-14
Chapter: الفصل 88استيقظت في صباح اليوم التالي وأنا أحمل في داخلي عزماً جديداً. ليس عزم الثعلبة التي تريد الانتقام، ولا عزم المرأة التي تريد نصف الثروة. عزم أدق، أهدأ. عزم صياد يعرف أن الفريسة لن تأتي إليه راكضة، بل يجب أن يذهب إليها ببطء، بابتسامة، بكلمة لطيفة. استلقيت في السرير لدقيقة، أتدرب على ابتسامة أنثوية رقيقة، لا تظهر كل الأسنان، لا تجعل العيون تختفي، لا تجعل أحداً يتراجع خطوة. تدربت أمام الجدار، أمام السقف، حتى أصبحت طبيعية. أو هكذا ظننت. ثم نهضت، ونزلت إلى المطبخ. أجهزت له الإفطار بنفسي، لأول مرة منذ أسابيع. ليس إفطاراً عادياً، بل إفطاراً محسوباً، كل تفصيل فيه يقول: أنا زوجة تهتم. أنا سيلين الجديدة، الهادئة، الناعمة. وضعت البيض، الخبز المحمص، وكوب القهوة بالنعناع، بدون سكر، ساخناً، في كوب خزفي أبيض. سمعت خطواته على الدرج، منتظمة، خطوات رجل لا يتوقع شيئاً. دخل. رفعت وجهي وابتسمت ابتسامتي الجديدة، المدربة، الصغير
Last Updated: 2026-09-14
Chapter: الفصل 87رفعت يدي. وأمسكت المنديل. منديل ورقي. أبيض. ناعم. من علبة على الكومودينو. سحبته بأصابع لا تزال مرتجفة قليلاً. ومسحت الدموع. من عينيّ. من وجنتيّ. من ذقني. مسحتها بكل برود. بكل تأنٍّ. بكل ما فيّ من ثعلبة ترفض أن تبقى مبللة بأكثر من دقيقة. ثم نظرت إلى المنديل. إلى البقع المبللة فيه. إلى كل ما خرج مني في تلك الليلة. ثم رميته. في سلة المهملات. بقوة. بقوة امرأة ترمي ضعفها مع المنديل. «اهدئي يا سيلين!» قلت لنفسي بصوت عالٍ في الغرفة الفارغة، «ستصابين بالتجاعيد والخطوط الدقيقة من البكاء على الرجال الخائنين!» وقفت أمام مرآة التسريحة. نظرت إلى انعكاسي. عينا حمراوان. أنف محمر. وجه منتفخ قليلاً. شعر مبعثر. صورة امرأة بكت. صورة امرأة انهارت. صورة امرأة ليست أنا. ليست الثعلبة. ليست سيلين التي أعرفها. «انظري إلى نفسك،» قلت بصوت ساخر، «تجاعيد. خطوط. انتفاخ. كل هذا بسبب رجلين. واحد خانك قبل سنوات. وآخر ربما يخونك الآن. وأنتِ تبكين؟ تبكين يا سيلين؟ أنتِ؟ الثعلبة التي أحرقت
Last Updated: 2026-09-14
Chapter: الفصل ١٥٠لم تُطِل ليلى النقاش مع والدها بعدما وصلها خبر إحالتها من المنصب الإداري في المشروع المشترك. ابتلعت الخبر كما يُبتلع حجر، بصمتٍ يشبه الاستسلام أكثر مما يشبه القبول. جلست أمام الحاسوب. الضوء الأزرق للشاشة يرتسم على وجهها الشاحب، وأصابعها معلّقة فوق لوحة المفاتيح دون أن تلمسها. كانت كلمات آدم الأخيرة تتردد في أذنها، تعود كلما حاولت أن تُفلت منها إلى أي شيء آخر. «عيشي حياتك... فأنا أعيش حياتي الآن بأفضل طريقة.» أغلقت الملف المفتوح أمامها. ثم فتحته من جديد، بحركة آلية لا تحمل قصدًا. توقفت عيناها عند الأرقام والجداول، لكن شيئًا منها لم يصل إلى عقلها. سطرٌ واحدٌ لم تقرأه. شعور غريب يتسلل إلى صدرها كلما مرّ ذكر المشروع في رأسها؛ شيء يشبه فقدان أمرٍ اعتادت وجوده دون أن تنتبه يومًا لقيمته. فكرة مزعجة، لا تستطيع أن تحدد إن كانت خوفًا من الفراغ الذي سيخلّفه غيابه، أم حنينًا إلى شيء لم يعد قائمًا أصلًا. هزّت رأسها بخفة، محاولة طرد الفكرة.
Last Updated: 2026-09-15
Chapter: الفصل ١٤٩وصلت الصورة إلى مكتب عبد الرحمن بعد وقت قصير، بريد إلكتروني وصل بصمت بين عشرات الرسائل الأخرى، لكنه كان يحمل وزنًا لا تحمله بقيتها، وزنًا لم يدركه أحد بعد سوى الرجل الذي أرسله ويوسف الذي جاء يحمل خبره. دخل يوسف الخطيب وهو يحمل ملفًا أسود بيده، خطواته سريعة لا تشبه دخوله المعتاد، وجهه يحمل ملامح رجل يدرك أنه يحمل خبرًا سيغيّر شيئًا، ثم وضعه أمامه دون أن يجلس. رفع عبد الرحمن عينيه عن الأوراق. «ما الأمر؟» فتح يوسف الملف وأخرج عدة صفحات، أوراق مرتبة بعناية موظف يعرف أن كل تفصيل سيُراجع بدقة، ثم وضع الصورة فوقها. «وجدت شيئًا جديدًا، سيدي.» مد عبد الرحمن يده وأخذ الصورة، أصابعه تلامس حوافها ببطء درسه على مدى سنوات من قراءة التفاصيل الصغيرة. توقفت عيناه عليها. كانت الصورة لآدم ولارا في حفل تأسيس فرع شركة الراوي في برلين. كان آدم ممسكًا بيدها، بينما كانت لارا تنظر إليه بابتسامة واسعة، دون أن تحاول إخفاء قربها منه، وكأن الكاميرا نفسها لم تكن تعنيها بقدر ما كان يعنيها
Last Updated: 2026-09-14
Chapter: الفصل ١٤٨مرّت أسابيع قليلة، أسابيع مرّت بهدوء مخادع لم يترك أثرًا واضحًا يمكن الإشارة إليه. تغيّر خلالها إيقاع الأيام دون أن يلاحظ أحد اللحظة التي بدأ فيها ذلك التغيّر. وفي مساء اليوم المحدد، أضيئت واجهة فرع شركة الراوي في برلين استعدادًا لحفل تأسيسه الرسمي، أضواء بيضاء ودافئة تتراقص على الزجاج العريض للمبنى، بينما امتلأت القاعة بالمديرين والشركاء وبعض الشخصيات المهمة في قطاع الأعمال، إلى جانب الصحافة المحلية التي حضرت لتغطية المناسبة. كان هذا الفرع يسبق الحفل المقرر لاحقًا في المدينة الرئيسية، ولذلك أرادت الإدارة أن يظهر افتتاحه بصورة تليق باسم الشركة. عند المدخل، وقف عدد من الموظفين لاستقبال الضيوف، بابتسامات مصقولة ووقفات مدروسة كأنهم تدربوا عليها طوال الأسبوع الماضي. وكان اسم آدم يتردد بينهم منذ وقت مبكر، اسم كافٍ وحده لجعل الجميع أكثر حرصًا على مظهرهم وترتيبهم. كان من المفترض أن يحضر وحده. لكن السيارة التي توقفت أمام المدخل جعلت بعض الرؤوس تلتفت في اللحظة نفسها، حركة خفيفة متزامنة كأ
Last Updated: 2026-09-13
Chapter: الفصل ١٤٧كان الظهر قد انتصف عندما غادر سامر الفيلا متجهًا إلى الشركة، صوت محرك سيارته يبتعد تدريجيًا حتى ابتلعه صخب الشارع، وبقيت منى في الطابق العلوي إلى جوار غرفة ليلى، منشغلة معها ببعض الأمور التي لم تسمح لها منذ خروجها من المستشفى بأن تبقى وحدها طويلًا. أما بقية الخدم، فقد توزعوا بين أرجاء المنزل كالمعتاد. كانت إحدى الخادمات تعرف الآن أكثر مما ينبغي عن مواعيدهم، معرفة جمعتها بصبر خلال أيام قليلة، دون أن تلفت انتباه أحد. عرفت متى يغادر سامر. ومتى تنشغل منى بعيدًا عن غرفة ليلى. وأي باب يستخدمه كل واحد من العاملين أثناء ساعات الظهر. ولهذا، عندما رن هاتفها، ابتعدت عن المطبخ قبل أن تجيب. «نعم؟» جاءها صوت الرجل الذي قابلها في اليوم السابق. «اخرجي الآن.» التفتت حولها. «إلى أين؟» «إلى الباب الخلفي. هناك شخص بانتظارك.» «لكن—»
Last Updated: 2026-09-12
Chapter: الفصل ١٤٦كان الليل قد استقر فوق المدينة عندما رن هاتف ريان. كان في مسبحه الخاص، يسبح ببطء ذهابًا وإيابًا، بينما تنعكس أضواء الفيلا على سطح الماء. توقف عندما سمع الرنين، ثم وضع يديه على حافة المسبح وخرج منه. التقط المنشفة ولفها حول خصره، وبقي واقفًا قرب المسبح بينما كان الهواء البارد يمر فوق كتفيه المبللين، يترك عليهما قشعريرة خفيفة لم يعبأ بها. نظر إلى الشاشة. مساعده. أجاب. «نعم؟» جاء صوت الرجل من الطرف الآخر: «سيدي، حصلت على المعلومات التي طلبتها عن الآنسة ليلى الكيلاني.» لم يتحدث ريان. تابع المساعد: «بعد الحادث، تم نقلها إلى المستشفى وهي تعاني من إصابة في الرأس ونزيف داخلي. الأطباء تمكنوا من إيقاف النزيف، كما تعرضت ساقها للكسر وتم تجبيرها.» شد ريان المنشفة حول خصره بيد واحدة. «وماذا حدث بعدها؟» سكت المساعد لحظة. ثم قال: «بعد يوم من استفاقتها، حدث لها انهيار مفاجئ. دخلت في حالة حرجة لفترة، لكن الأطباء تمكنوا من السيطرة على الوضع.»
Last Updated: 2026-09-11
Chapter: الفصل ١٤٥في اليوم التالي، وصل إلياس إلى شركة آدم في وقت مبكر. دخل بخطوات سريعة، ولم ينتظر طويلًا عند الاستقبال. «أريد مقابلة السيد آدم.» رفع السكرتير عينيه إليه. «هل لديك موعد؟» «لا. لكنه يعرف أنني قادم.» «السيد آدم مشغول حاليًا.» عقد إلياس حاجبيه. «مشغول بماذا؟» «اجتماع.» «أستطيع الانتظار.» «قد يستغرق الاجتماع وقتًا.» وضع إلياس يده على المكتب، أصابعه تطرق سطحه البارد بنفاد صبر متزايد. «إذن أخبره أنني هنا.» بقي السكرتير هادئًا. «سأفعل.» مرت الدقائق. ثم نصف ساعة. ثم خرج السكرتير من مكتبه. «يعتذر السيد آدم. لا يستطيع استقبال أحد الآن.» حدق إلياس فيه. «أحد؟ أنا؟» لم يجب السكرتير. قال إلياس ببرود: «هل هذا بأمر منه؟» «لا أستطيع التعليق.» أخذ إلياس نفسًا بطيئًا، محاولًا أن يبتلع شكًا بدأ يتشكل في صدره. كان هناك شيء غير طبيعي. آدم لم
Last Updated: 2026-09-10