Home / الرومانسية / اسمٌ لا يُشبهني / الفصل الرابع والعشرون

Share

الفصل الرابع والعشرون

last update publish date: 2026-10-13 06:03:24

أُفرج عني بعد يومين، بكفالة دفعها يوسف دون أن يطلب مني كلمة شكر. خرجتُ من مبنى النيابة عند الظهيرة، فوجدتُه ينتظرني قرب سيارته، يرتدي سترة رمادية، وعلى وجهه إرهاق ليالٍ لم ينم فيها. لم يبتسم، لكنه فتح لي الباب، وكان في ذلك كل الكلام.

- كيف آدم؟ - سألتُ ونحن نبتعد.

- لا ينام، ولا يتكلم إلا قليلًا. يسأل كل ساعة عن جدّته، ثم يغضب من نفسه لأنه سأل. لقد قضى ستة عشر عامًا يحبّ امرأة تحبسه.

- سيحتاج إلى وقت.

- وأنا أيضًا.

كان في صمته تعب أكبر من تعب النهار. وخُيّل إليّ، وأنا أراقب يديه على المقود، أنه
Continue to read this book for free
Scan code to download App
Locked Chapter

Latest chapter

  • اسمٌ لا يُشبهني   الفصل الثلاثون

    كانت المقبرة هادئة في ذلك الصباح من ربيع جديد. وقفتُ أمام القبر الرخامي البسيط الذي كتبنا عليه، بعد شهر من الحكم، كلمة واحدة تحت اسم أمي: «بريئة». لم نُرد زخرفة ولا كلمات طويلة. كانت الكلمة تكفي.جثوتُ على ركبتيّ، ومسحتُ الغبار الخفيف عن الحجر. ثم وضعتُ على التربة باقة صغيرة من الريحان، فقد كانت أمي تحبه، ولأنني لم أنسَ أصيص الإسكندرية الذي أنقذ سرّها.- مرحبًا يا أمي - قلتُ بصوت خفيض - جئتُ أخبركِ أنني فعلتُها.هبّ نسيم لطيف حرّك أطراف وشاحي، وكأنها سمعتْ. جلستُ على الأرض إلى جوار القبر، وتأملتُ الاسم الحجري المنقوش: «سلمى عبد الحميد الحدّاد». ثم قلتُ، بصوت أعلى هذه المرة:- اسمي نور سلمى الحدّاد.نطقتُها وحدي، لا أمام قاضٍ ولا صحفيّ ولا برج. نطقتُها كما تُنطَق الأشياء حين تعود إلى مكانها. وحين سمعتُ صدى صوتي بين الأشجار، أدركتُ أنني لم أنطق هذا الاسم بحرية منذ سنوات طويلة. كان قد صار في فمي غريبًا، من فرط ما أخفيتُه.تذكّرتُ آخر مرة جئتُ فيها إلى هذه المقبرة، قبل الحكم بشهور، وحدي وفي جيبي اسم لا أستطيع أن أنطقه. وقتها لم أقل لأمي شيئًا؛ جلستُ صامتة ساعة كاملة، ثم انصرفتُ دون أن أود

  • اسمٌ لا يُشبهني   الفصل التاسع والعشرون

    في صباح يوم النطق بالحكم، لم أستطع أن أبتلع شيئًا. جلستُ في قاعة المحكمة بين أستاذ مختار ويوسف، وأيدينا في حجورنا، وأمامنا المنصّة الخشبية العالية التي لم نعد نراها إلا كمذبح. كانت الشمس تدخل من النوافذ العالية خيوطًا مائلة، وتقع على القفص الذي جلست فيه وداد منكّسة الرأس، تحدّق في حجرها.رأيتُ كريم في الصف الأخير، وحيدًا، يعقد أصابعه كمن يصلّي. ولمحتُ آدم يحدّق في جدّته من بعيد، بعينين لم أفهم ما فيهما: أهو حنين؟ أم خوف؟ أم محاولة أخيرة لحفظ وجه امرأة سيفقدها؟دخل القاضي، فوقف الجميع. وحين جلس، سُمع حفيف الأوراق ثم هدأ كل شيء.قرأ القاضي الحكم بصوت واضح رتيب. كنتُ أسمع الكلمات واحدة واحدة، لكنها لم تصل إلى وعيي دفعة واحدة، كما لا يصل الماء إلى أرض يابسة إلا بعد زمن:- حكمت المحكمة ببراءة المرحومة سلمى الحدّاد من التهم المنسوبة إليها في القضية رقم... لسنة ٢٠١٣، وبردّ اعتبارها وإلغاء كل ما ترتّب على الحكم السابق من آثار.لم أبكِ. شعرتُ فقط بأن شيئًا ثقيلًا انزاح عن صدري بعد ثلاث عشرة سنة، وبأن هواءً جديدًا يدخل رئتيّ. أمسك يوسف بيدي تحت المنضدة، وضغط عليها ضغطة لم يرها أحد.تابع القاضي:

  • اسمٌ لا يُشبهني   الفصل الثامن والعشرون

    استغرق الأمر أربعة أشهر. أربعة أشهر من الأوراق والاستدعاءات والجلسات المغلقة، ومن الصحف التي لاكت القصة حتى أنهكتها، ومن الليالي التي قضيتُها أحدّق فيها في سقف غرفتي الجديدة التي استأجرتُها بعد أن غادرتُ شقة يوسف. لم أرد أن أُتَّهم بأنني استغللتُ أي شيء.في صباح اليوم الأول من المحاكمة وقفتُ أمام مرآة الحمّام وأنا أعقد ربطة الوشاح. بدا وجهي شاحبًا، لكنه لأول مرة منذ سنوات يشبه وجه امرأة تعرف إلى أين تذهب.في تلك الأشهر تغيّر كل شيء وبقي كل شيء. أصبحتْ صورتي في الصحف، وسمعتُ اسم أمي يُذكر لأول مرة بصيغة الاعتبار لا الاتهام. تلقيتُ رسائل من غرباء يعتذرون عن حكمٍ لم يصدروه، وأخرى من آخرين يشتمونني لأنني «هدمتُ بيتًا عريقًا». وكنتُ أقرأ الاثنتين بالهدوء نفسه. أما آدم فبدأ جلسات مع طبيبة نفسية، وأخبرني يوسف أن الصبي لا يتكلم فيها كثيرًا، لكنه رسم في الجلسة الثالثة بيتًا وحديقة وشجرة عنب. وأما كريم فعقد صفقة مع النيابة، يشهد فيها بكل ما عرف مقابل تخفيف مسؤوليته. لم أقل له شيئًا، ولم يطلب مني شيئًا.كانت قاعة المحكمة مكتظة. رأيتُ في الصف الأمامي يوسف وإلى جواره آدم، وقد كبر في هذه الأشهر سنو

  • اسمٌ لا يُشبهني   الفصل السابع والعشرون

    كان بيت المعادي في تلك الليلة مضاءً بالكامل. خُيّل إليّ ونحن نقترب أنه استعدّ لاستقبالنا، وأن كل نافذة فيه عين تنتظر. أوقف يوسف السيارة أمام البوابة، وبقي لحظة صامتًا، يداه على المقود وعيناه إلى الأمام.كان ضوء المصابيح الصفراء يتسرّب إلى زجاج السيارة فيصبغ وجهه بلون الشمع. وكنتُ أرى عضلة صغيرة تنقبض في خدّه كلما مرّت سيارة قريبة.- هل أنت جاهز؟ - سألتُ.- لا أعتقد أن أحدًا يكون جاهزًا لهذا. لكنني لم أعد أستطيع أن أنتظر حتى أصبح جاهزًا.وضعتُ يدي على يده لحظة، ثم سحبتُها.وفي الطريق إلى هناك، لم أستطع أن أمنع نفسي من التفكير في أن هذا البيت شهد كل شيء: ولادة آدم، وموت دالية، وسقوط أمي في فخّ لم تعرف حدوده. بيت واحد، ثلاث مآسٍ، وامرأة واحدة تقف في قلبها كالعنكبوت في مركز شبكته. لم أكن أعرف إن كنتُ أخاف من لقائها أم أتشوّق إليه.نزلنا، وفتح لنا الحارس العجوز البوابة دون أن ينبس بكلمة، كأنه كان يعرف. وفي البهو الواسع، تحت الثريا القديمة، كانت وداد هانم جالسة على كرسيها المفضل، بثوبها الأسود الأنيق وشعرها الفضي المرتّب، وأمامها فنجان شاي لم يُمسّ. لم تبدُ كامرأة أُسقط عرشها، بل كملكة تستق

  • اسمٌ لا يُشبهني   الفصل السادس والعشرون

    كانت الساعة قد تجاوزت الحادية عشرة حين وصلنا إلى الكورنيش. كان النسيم باردًا، والطريق شبه خالٍ إلا من سيارات قليلة تمرّ كأنها تطارد شيئًا. لم نتكلم في السيارة، لكنني كنتُ أسمع في صمت يوسف أسئلة كثيرة: ماذا لو كان كريم يكذب؟ ماذا لو كانت الورقة فخًّا جديدًا؟ وماذا لو كانت صادقة؟جلس كريم في المقهى الذي التقينا فيه، لكنه هذه المرة اختار طاولة في أقصى الزاوية، وأدار ظهره إلى الجدار كمن يخشى أن يُباغَت. كان وجهه شاحبًا، وأصابعه تحرّك فنجانًا فارغًا بلا انقطاع. وحين رآنا قادمين، وقف وكأنه يستقبل حكمًا.- شكرًا لأنكما جئتما - قال.- لا تشكرنا - أجاب يوسف ببرود - تكلّم.جلسنا. وضع كريم على الطاولة المغلّف الأصفر الذي رأيتُه في المرة الأولى. لم يخبّئه هذه المرة بكفّه. دفعه نحونا ببطء وقال:- قرأتُه كله هذه الليلة. وأنا لا أطلب منكما أن تسامحاني. أطلب فقط أن تقرآه.فتح يوسف المغلّف. أخرج منه ورقتين: الأولى مطوية وقديمة، مكتوبة بخط اليد، والثانية إيصال صغير مشبوك بها بدبوس صدئ. بدأ يقرأ، فرأيتُ وجهه يتغيّر على مراحل: دهشة، ثم ذهول، ثم شحوب يشبه شحوب الأموات.- ماذا تقول؟ - سألتُ.لم يُجب. ناولن

  • اسمٌ لا يُشبهني   الفصل الخامس والعشرون

    لم أعد إلى غرفتي تلك الليلة. أصرّ يوسف على أن أبيت في شقته الصغيرة قرب النيل، ما دامت وداد قد بلغت بنا هذا الحدّ. قال إن الحرّاس الذين استأجرهم لحراسة الباب أقدر من أي قفل. ولم أجادله، لأنني كنتُ أرتجف من التعب ومن رائحة العطر التي لحقت بي حتى الشارع.كان في الشقة أثاث قليل، وكتب كثيرة مرصوصة على الأرض في أكوام منتظمة، كأن صاحبها لم يقرّر بعد أن يستقرّ. وعلى الجدار صورة واحدة لامرأة تضحك أمام ترعة خضراء، لم أحتج إلى أن أسأل لأعرف أنها دالية.كانت الشقة هادئة. في الغرفة المجاورة ينام آدم أخيرًا بعد أن أمضى ساعتين يحدّق في سقف لا يعرفه. أغلقتُ بابه بحذر، وعدتُ إلى الصالة، فوجدتُ يوسف واقفًا عند النافذة المطلّة على النيل، يداه في جيبيه، وأضواء المدينة تلوّن زجاج النافذة بخيوط ذهبية.- لا تنام؟ - سألتُ.- لا أستطيع. كلما أغمضتُ عينيّ رأيتُ ستة عشر عامًا تمرّ أمامي.وقفتُ إلى جواره. كان بيننا شبر من الصمت، ولم يكن أيٌّ منا يجرؤ على قطعه. ثم قال دون أن ينظر إليّ:- أريد أن أخبرك بشيء. حين طردتكِ من البرج، كنتُ غاضبًا لأنكِ كذبتِ. لكنني، في الحقيقة، كنتُ غاضبًا أيضًا لأنني خفتُ.- خفتَ من ما

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status