LOGINخبّأتُ القصاصة في جيب معطفي، وأنا أجاهد ألا ترتعش أصابعي. كان قلبي يدق بقوة حتى ظننتُ أن وداد هانم ستسمعه من مقعدها. لكنها لم تنظر إليّ، بل ظلت تحدّق في النافذة كمن ينتظر أمرًا محددًا.
القصاصة قلبت كل شيء. «سلمى» هو اسم أمي. ومن كتبتها كانت تعرف أن أمي على وشك أن تسلّم ملفًّا أخيرًا. فأيّ ملفٍّ هذا؟ ومن كانت تلك الكاتبة؟ ولماذا لم تُسلَّم القصاصة إلى المحكمة يومها؟
كانت الساعات الماضية في هذا البيت تمر ثقيلة، كأن الهواء نفسه يخفي شيئًا. وكلما مررتُ بباب مغلق ظننتُ أن خلفه سؤالًا ينتظرني، وأنني أقترب من جوابٍ لا أريد أن أعرفه.
أنهيتُ عملي عند السابعة. وحين همّتُ بالخروج، اعترضت طريقي امرأة الثوب الأسود.
«الهانم تقول تناولي عشاءكِ قبل أن تذهبي».
رأيتُ في الدعوة فرصة. جلستُ إلى مائدة المطبخ الواسعة، والقدور النحاسية معلّقة على الجدار تعكس ضوء المصباح الأصفر، ورائحة الهيل والسمن تملأ المكان بدفءٍ لا يشبه برودة بقية البيت، وقدّمت لي المرأة صحنًا من الأرز والدجاج. سألتُها: «ما اسمكِ؟»
«أم صبري». قالتها باقتضاب.
«أنتِ تعملين هنا منذ زمن؟»
«ثلاثون سنة».
«إذن رأيتِ الكثير».
رفعتْ نظرها إليّ لأول مرة. كان في عينيها ظلٌّ من الحزن القديم، وشيءٌ من الشك. «أنا لا أرى شيئًا يا آنسة. أنا أطبخ وأنظّف فقط». ثم أدارت وجهها نحو الموقد، كمن يغلق بابًا بيدها.
كنتُ على وشك الإلحاح، حين سمعتُه.
ضحكةُ طفلٍ صغير، صافيةً كالماء المتساقط، رنّت فوقنا في الطابق الثاني. تجمّدت يدُ أم صبري، وسقطت الملعقة على الصحن بقرقعةٍ عالية.
«ما هذا؟»
«لا شيء». قالتها بسرعة أكبر من اللازم. «تلفزيون جارتنا».
«هذا بيتٌ منعزل، ولا جيران قريبين».
وضعت يدها على كتفي بحزمٍ يشبه التوسل. «كلي عشاءكِ وامضي». كانت أصابعها ترتجف فوق كتفي، وهي التي لم تهتز يدها لحظةً وهي تقطّع الدجاج.
أكلتُ بضع لقماتٍ دون أن أذوق شيئًا، ثم استأذنتُ لأغسل يديّ. لكنني لم أتجه إلى دورة المياه. صعدتُ درج الخدمة الضيق الذي يبدأ من زاوية المطبخ، على أطراف أصابعي.
كانت جدران الممر مغطاة بصورٍ عائلية قديمة، وبعضها نُزع حديثًا؛ ظلالٌ مستطيلة باهتة على الطلاء، وعلاماتُ مسامير بلا لوحات. كأن أحدهم أزال من هذا الممر وجهًا بعينه. أدركتُ أن الوجه المنزوع لا بد أن يكون وجه دالية. مررتُ أصابعي على أحد الفراغات فوجدتُ الطلاء تحته أنصع، كأن الحائط نفسه يحتفظ بذكرى ما مُحي عنه.
في آخر الممر بابٌ مغلق بمفتاح، تتسلل من تحته إضاءةٌ زرقاء متذبذبة. ثم سمعتُ الضحكة مرةً أخرى، أقرب، يصحبها صوتٌ أنثوي رقيق: «هيا يا آدم، حان وقت النوم».
آدم.
اقتربتُ حتى صار وجهي على بعد أنفاسٍ من الخشب، فسمعتُ خطواتٍ تقترب من الجهة الأخرى. ضغطتُ بجسدي على الجدار، وانتظرتُ.
فُتح الباب قليلًا، وخرج منه رأسٌ صغير، بعينين واسعتين وشعرٍ أسود مبعثر. طفلٌ في السادسة تقريبًا، بيجامة زرقاء عليها نجوم، ينظر إليّ بفضولٍ خالٍ من الخوف. لم يصرخ ولم يتراجع، كأن وقوف غريبةٍ أمام بابه أمرٌ اعتاده في خياله وحده.
«مَن أنتِ؟»
فتحتُ فمي، ولم أجد شيئًا أقوله. كان في ملامحه شيءٌ يعرفه قلبي قبل عقلي: الفكّ المشدود قليلًا، والانحناءة الخفيفة عند طرف الحاجب. كنتُ قد رأيتُ الانحناءة نفسها في وجهٍ آخر، في قبوٍ بارد.
«أنا… ندى. وأنت آدم؟»
أومأ. «وأنتِ لستِ من هنا. أنا لا أحب الضيوف». قالها بجدّية عجيبة. «الضيوف يجعلون ماما هالة تبكي».
«لماذا تبكي؟» سألتُ بحذر.
هزّ كتفيه الصغيرين. «لأنهم يسألون عني. وهي تقول إن عليّ أن أبقى صامتًا كالفأر». ثم ابتسم فجأة ابتسامةً ناقصة سنّ. «لكنني لا أحب الفئران».
«ماما هالة»؟ لا بد أنها الممرضة التي ربّته، المرأة التي حلّت محل أمٍّ لم يعرفها.
«آدم!» جاء صوت المرأة هلعًا، وظهرت خلفه ممرضةٌ شابة بزيٍّ أبيض، وحين رأتني شحب وجهها. «كيف دخلتِ؟ اخرجي من هنا حالًا!» سحبت الطفل خلف ظهرها وأغلقت الباب بالمفتاح، وسمعتُ آدم يقول بصوتٍ مكتوم: «لكنها بدت طيبة».
بقيت الكلمة تدور في رأسي كالصدى. طفلٌ في السادسة، محبوسٌ في جناح، لم تعرف عيناه سوى الجدران، ومع ذلك وجد في وجهي ما يستحق هذه الكلمة. شعرتُ بحلقي يضيق. أردتُ أن أعود إلى الباب وأقول له إن الغرباء ليسوا كلهم أعداء، لكنني كنتُ أعرف أن أي كلمة زائدة قد تكلّف هذا الطفل ثمنًا لا أعرفه.
كنتُ أعرف أنني ارتكبتُ أول خطأ فادح، وأنني وجدتُ ما لم أكن أبحث عنه: الطفل. وكل ما بقي لي الآن أن أكتشف من سيدفع ثمن هذا الخطأ أولًا: أنا، أم هو.
أمسكت يدٌ بذراعي من الخلف. استدرتُ لأرى كريم، بوجهٍ شاحبٍ ما رأيتُه عليه قط، وقد اختفت ابتسامته تمامًا.
«ماذا تفعلين هنا؟» قالها بهمسٍ حادّ.
«كنتُ أبحث عن…»
«لا تكذبي». سحبني إلى آخر الممر، بعيدًا عن الأذان. «هل رأيتِ الولد؟»
«رأيتُه».
أغمض عينيه لحظة. ثم قال بما يشبه الاستسلام: «يا إلهي».
«من هو هذا الطفل يا كريم؟» سألتُ وصوتي يخونني. «ابن مَن؟»
لم يجب، بل ظل ينظر إلى آخر الممر كمن يحسب المسافة بيننا وبين كارثة.
فتح عينيه، وكان فيهما خوفٌ لم يكن عليّ، بل على من في الغرفة خلفنا. «اسمعيني جيدًا يا ندى. من هذه اللحظة، كل ما يعرفه هذا البيت عنكِ سيتغيّر». ثم أضاف بصوتٍ لا يكاد يُسمع: «وأنتِ ما عدتِ تستطيعين الرحيل».
وفي الأسفل، سمعنا كعب وداد هانم يقرع الرخام، صاعدًا نحونا ببطء.
كانت المقبرة هادئة في ذلك الصباح من ربيع جديد. وقفتُ أمام القبر الرخامي البسيط الذي كتبنا عليه، بعد شهر من الحكم، كلمة واحدة تحت اسم أمي: «بريئة». لم نُرد زخرفة ولا كلمات طويلة. كانت الكلمة تكفي.جثوتُ على ركبتيّ، ومسحتُ الغبار الخفيف عن الحجر. ثم وضعتُ على التربة باقة صغيرة من الريحان، فقد كانت أمي تحبه، ولأنني لم أنسَ أصيص الإسكندرية الذي أنقذ سرّها.- مرحبًا يا أمي - قلتُ بصوت خفيض - جئتُ أخبركِ أنني فعلتُها.هبّ نسيم لطيف حرّك أطراف وشاحي، وكأنها سمعتْ. جلستُ على الأرض إلى جوار القبر، وتأملتُ الاسم الحجري المنقوش: «سلمى عبد الحميد الحدّاد». ثم قلتُ، بصوت أعلى هذه المرة:- اسمي نور سلمى الحدّاد.نطقتُها وحدي، لا أمام قاضٍ ولا صحفيّ ولا برج. نطقتُها كما تُنطَق الأشياء حين تعود إلى مكانها. وحين سمعتُ صدى صوتي بين الأشجار، أدركتُ أنني لم أنطق هذا الاسم بحرية منذ سنوات طويلة. كان قد صار في فمي غريبًا، من فرط ما أخفيتُه.تذكّرتُ آخر مرة جئتُ فيها إلى هذه المقبرة، قبل الحكم بشهور، وحدي وفي جيبي اسم لا أستطيع أن أنطقه. وقتها لم أقل لأمي شيئًا؛ جلستُ صامتة ساعة كاملة، ثم انصرفتُ دون أن أود
في صباح يوم النطق بالحكم، لم أستطع أن أبتلع شيئًا. جلستُ في قاعة المحكمة بين أستاذ مختار ويوسف، وأيدينا في حجورنا، وأمامنا المنصّة الخشبية العالية التي لم نعد نراها إلا كمذبح. كانت الشمس تدخل من النوافذ العالية خيوطًا مائلة، وتقع على القفص الذي جلست فيه وداد منكّسة الرأس، تحدّق في حجرها.رأيتُ كريم في الصف الأخير، وحيدًا، يعقد أصابعه كمن يصلّي. ولمحتُ آدم يحدّق في جدّته من بعيد، بعينين لم أفهم ما فيهما: أهو حنين؟ أم خوف؟ أم محاولة أخيرة لحفظ وجه امرأة سيفقدها؟دخل القاضي، فوقف الجميع. وحين جلس، سُمع حفيف الأوراق ثم هدأ كل شيء.قرأ القاضي الحكم بصوت واضح رتيب. كنتُ أسمع الكلمات واحدة واحدة، لكنها لم تصل إلى وعيي دفعة واحدة، كما لا يصل الماء إلى أرض يابسة إلا بعد زمن:- حكمت المحكمة ببراءة المرحومة سلمى الحدّاد من التهم المنسوبة إليها في القضية رقم... لسنة ٢٠١٣، وبردّ اعتبارها وإلغاء كل ما ترتّب على الحكم السابق من آثار.لم أبكِ. شعرتُ فقط بأن شيئًا ثقيلًا انزاح عن صدري بعد ثلاث عشرة سنة، وبأن هواءً جديدًا يدخل رئتيّ. أمسك يوسف بيدي تحت المنضدة، وضغط عليها ضغطة لم يرها أحد.تابع القاضي:
استغرق الأمر أربعة أشهر. أربعة أشهر من الأوراق والاستدعاءات والجلسات المغلقة، ومن الصحف التي لاكت القصة حتى أنهكتها، ومن الليالي التي قضيتُها أحدّق فيها في سقف غرفتي الجديدة التي استأجرتُها بعد أن غادرتُ شقة يوسف. لم أرد أن أُتَّهم بأنني استغللتُ أي شيء.في صباح اليوم الأول من المحاكمة وقفتُ أمام مرآة الحمّام وأنا أعقد ربطة الوشاح. بدا وجهي شاحبًا، لكنه لأول مرة منذ سنوات يشبه وجه امرأة تعرف إلى أين تذهب.في تلك الأشهر تغيّر كل شيء وبقي كل شيء. أصبحتْ صورتي في الصحف، وسمعتُ اسم أمي يُذكر لأول مرة بصيغة الاعتبار لا الاتهام. تلقيتُ رسائل من غرباء يعتذرون عن حكمٍ لم يصدروه، وأخرى من آخرين يشتمونني لأنني «هدمتُ بيتًا عريقًا». وكنتُ أقرأ الاثنتين بالهدوء نفسه. أما آدم فبدأ جلسات مع طبيبة نفسية، وأخبرني يوسف أن الصبي لا يتكلم فيها كثيرًا، لكنه رسم في الجلسة الثالثة بيتًا وحديقة وشجرة عنب. وأما كريم فعقد صفقة مع النيابة، يشهد فيها بكل ما عرف مقابل تخفيف مسؤوليته. لم أقل له شيئًا، ولم يطلب مني شيئًا.كانت قاعة المحكمة مكتظة. رأيتُ في الصف الأمامي يوسف وإلى جواره آدم، وقد كبر في هذه الأشهر سنو
كان بيت المعادي في تلك الليلة مضاءً بالكامل. خُيّل إليّ ونحن نقترب أنه استعدّ لاستقبالنا، وأن كل نافذة فيه عين تنتظر. أوقف يوسف السيارة أمام البوابة، وبقي لحظة صامتًا، يداه على المقود وعيناه إلى الأمام.كان ضوء المصابيح الصفراء يتسرّب إلى زجاج السيارة فيصبغ وجهه بلون الشمع. وكنتُ أرى عضلة صغيرة تنقبض في خدّه كلما مرّت سيارة قريبة.- هل أنت جاهز؟ - سألتُ.- لا أعتقد أن أحدًا يكون جاهزًا لهذا. لكنني لم أعد أستطيع أن أنتظر حتى أصبح جاهزًا.وضعتُ يدي على يده لحظة، ثم سحبتُها.وفي الطريق إلى هناك، لم أستطع أن أمنع نفسي من التفكير في أن هذا البيت شهد كل شيء: ولادة آدم، وموت دالية، وسقوط أمي في فخّ لم تعرف حدوده. بيت واحد، ثلاث مآسٍ، وامرأة واحدة تقف في قلبها كالعنكبوت في مركز شبكته. لم أكن أعرف إن كنتُ أخاف من لقائها أم أتشوّق إليه.نزلنا، وفتح لنا الحارس العجوز البوابة دون أن ينبس بكلمة، كأنه كان يعرف. وفي البهو الواسع، تحت الثريا القديمة، كانت وداد هانم جالسة على كرسيها المفضل، بثوبها الأسود الأنيق وشعرها الفضي المرتّب، وأمامها فنجان شاي لم يُمسّ. لم تبدُ كامرأة أُسقط عرشها، بل كملكة تستق
كانت الساعة قد تجاوزت الحادية عشرة حين وصلنا إلى الكورنيش. كان النسيم باردًا، والطريق شبه خالٍ إلا من سيارات قليلة تمرّ كأنها تطارد شيئًا. لم نتكلم في السيارة، لكنني كنتُ أسمع في صمت يوسف أسئلة كثيرة: ماذا لو كان كريم يكذب؟ ماذا لو كانت الورقة فخًّا جديدًا؟ وماذا لو كانت صادقة؟جلس كريم في المقهى الذي التقينا فيه، لكنه هذه المرة اختار طاولة في أقصى الزاوية، وأدار ظهره إلى الجدار كمن يخشى أن يُباغَت. كان وجهه شاحبًا، وأصابعه تحرّك فنجانًا فارغًا بلا انقطاع. وحين رآنا قادمين، وقف وكأنه يستقبل حكمًا.- شكرًا لأنكما جئتما - قال.- لا تشكرنا - أجاب يوسف ببرود - تكلّم.جلسنا. وضع كريم على الطاولة المغلّف الأصفر الذي رأيتُه في المرة الأولى. لم يخبّئه هذه المرة بكفّه. دفعه نحونا ببطء وقال:- قرأتُه كله هذه الليلة. وأنا لا أطلب منكما أن تسامحاني. أطلب فقط أن تقرآه.فتح يوسف المغلّف. أخرج منه ورقتين: الأولى مطوية وقديمة، مكتوبة بخط اليد، والثانية إيصال صغير مشبوك بها بدبوس صدئ. بدأ يقرأ، فرأيتُ وجهه يتغيّر على مراحل: دهشة، ثم ذهول، ثم شحوب يشبه شحوب الأموات.- ماذا تقول؟ - سألتُ.لم يُجب. ناولن
لم أعد إلى غرفتي تلك الليلة. أصرّ يوسف على أن أبيت في شقته الصغيرة قرب النيل، ما دامت وداد قد بلغت بنا هذا الحدّ. قال إن الحرّاس الذين استأجرهم لحراسة الباب أقدر من أي قفل. ولم أجادله، لأنني كنتُ أرتجف من التعب ومن رائحة العطر التي لحقت بي حتى الشارع.كان في الشقة أثاث قليل، وكتب كثيرة مرصوصة على الأرض في أكوام منتظمة، كأن صاحبها لم يقرّر بعد أن يستقرّ. وعلى الجدار صورة واحدة لامرأة تضحك أمام ترعة خضراء، لم أحتج إلى أن أسأل لأعرف أنها دالية.كانت الشقة هادئة. في الغرفة المجاورة ينام آدم أخيرًا بعد أن أمضى ساعتين يحدّق في سقف لا يعرفه. أغلقتُ بابه بحذر، وعدتُ إلى الصالة، فوجدتُ يوسف واقفًا عند النافذة المطلّة على النيل، يداه في جيبيه، وأضواء المدينة تلوّن زجاج النافذة بخيوط ذهبية.- لا تنام؟ - سألتُ.- لا أستطيع. كلما أغمضتُ عينيّ رأيتُ ستة عشر عامًا تمرّ أمامي.وقفتُ إلى جواره. كان بيننا شبر من الصمت، ولم يكن أيٌّ منا يجرؤ على قطعه. ثم قال دون أن ينظر إليّ:- أريد أن أخبرك بشيء. حين طردتكِ من البرج، كنتُ غاضبًا لأنكِ كذبتِ. لكنني، في الحقيقة، كنتُ غاضبًا أيضًا لأنني خفتُ.- خفتَ من ما







