Home / الرومانسية / الأشياء التي نجت / الفصل 8: أخي الذي لا يعرفني

Share

الفصل 8: أخي الذي لا يعرفني

Author: Juli
last update publish date: 2026-10-27 15:14:16

«أخي».

كانت الكلمة وحدها كافية لتجعل نور تنسى كل الأسئلة التي أرادت طرحها.

راقبت دانيال وهو يحدّق في شاشة هاتفه. لم يُجب عن الاتصال، لكنه لم يرفضه أيضًا. ظل واقفًا في مكانه، كأن الرنين يعيده إلى حياة حاول دفنها طويلًا.

ثم انقطع الصوت.

بعد لحظات، وصلته رسالة.

قرأها وأغلق الهاتف.

«يجب أن نغادر».

ضحكت نور بمرارة.

«بالطبع. كلما اقتربنا من إجابة، علينا أن نهرب».

«هذه المرة لا يتعلق الأمر بكِ وحدكِ».

«إذن أخبرني بمن يتعلق الأمر! من أخوك؟ ولماذا ظهر اسمه الآن؟»

مرر دانيال يده في شعره، ثم نظر إليها.

«كان لي أخ أصغر. اختفى عندما كنت في السادسة عشرة. قالت عائلتي إنه مات، لكنهم لم يروني جثته قط».

«وما علاقة ذلك بأخي؟»

«لا أعرف».

«أنت تعرف أكثر مما تقول دائمًا».

اقترب منها خطوة، ثم توقف حين رأى نظرتها.

«كنت أبحث عنه قبل أن ألتقي بكِ. وبعد الحريق، وصلتني رسالة تقول إنه مات. وبعدها بأيام، طلب مني والدكِ أن أراقبكِ».

«هل كان ذلك مصادفة أيضًا؟»

خرجت الإجابة منه واضحة.

«لا».

للمرة الأولى، لم تحاول نور انتزاع اعتراف آخر. لم تعد تثق بالكلمات، وكانت تحتاج إلى شيء لا يستطيع دانيال تغييره بمجرد أن يقرر الصمت.

مدّت يدها إلى هاتفه.

«أرني الرسالة».

تردد، ثم فتح المحادثة.

لم تكن هناك كلمات كثيرة، بل صورة قديمة لفتى يقف أمام بوابة مدرسة، وتحتها موعد ومكان.

اليوم، السادسة مساءً. محطة القطار القديمة. تعال وحدك إن أردت معرفة ما حدث لأخيك.

حدقت نور في الصورة.

كان الفتى نفسه الذي ظهر بجانب ليلى في الصورة التي وصلتها قبل قليل.

لكن ما جعل الدم ينسحب من وجهها لم يكن ملامحه، بل السوار الذي يلتف حول معصمه.

سوار جلدي صغير، تتدلى منه قطعة معدنية على شكل طائر.

رأت مثله من قبل.

ليس في صورة، ولا في وثيقة، بل في يد أبيها يوم زارته في المستشفى قبل سنوات، حين كان يعتقد أنها نائمة.

تذكرت كيف أخفى السوار داخل جيب معطفه عندما دخلت الغرفة، وكيف رفض أن يجيب حين سألته عن صاحبه.

«دانيال، أريد الذهاب إلى المحطة».

هز رأسه فورًا.

«لا».

«لم أطلب إذنك».

«نور، هذا فخ».

«ربما. لكنني سئمت أن يقرر الجميع ما الذي يجب أن أعرفه».

أخذت حقيبتها وغادرت الغرفة.

وللمرة الأولى منذ عودته، لم يتبعها دانيال.

---

كانت محطة القطار القديمة شبه مهجورة، تتوسطها ساعة متوقفة عند الرابعة وعشر دقائق.

وصلت نور قبل الموعد بربع ساعة. لم تخبر دانيال بمكانها، لكنها لم تكن ساذجة بما يكفي للاعتقاد أنها تستطيع إخفاء تحركاتها عن كل من يراقبها.

جلست على مقعد خشبي، وأبقت هاتفها في يدها.

عند السادسة تمامًا، انطفأت المصابيح.

سمعت خطوات خلفها.

«نور؟»

استدارت بسرعة.

كان شاب يقف على بعد أمتار منها، يرتدي معطفًا رماديًا، ويبدو أكبر من الفتى الموجود في الصورة. كانت عيناه تشبهان عيني أبيها، لكن ملامحه حملت شيئًا آخر لم تستطع تحديده.

شيئًا مألوفًا على نحو مؤلم.

نهضت ببطء.

«من أنت؟»

لم يجب مباشرة. أخرج من جيبه صورة قديمة، ووضعها على المقعد بينهما.

كانت الصورة لطفلة صغيرة تقف أمام منزل العائلة، تمسك بيد صبي لم يتجاوز العاشرة.

عرفت الطفلة فورًا.

كانت هي.

أما الصبي، فكان الشخص الذي لم تستطع ذاكرتها استعادة وجهه كاملًا.

ارتجفت أصابعها وهي ترفع الصورة.

«هل أنت أخي؟»

نظر إليها طويلًا.

«هذا ما جئت لأعرفه».

شعرت نور كأن أحدهم سحب الأرض من تحت قدميها.

«ماذا تقصد؟»

«قيل لي طوال حياتي إنني وُجدت بعد الحريق، وإن عائلتي ماتت. ثم بدأت تصلني صور لامرأة تشبهني، ورسائل تخبرني أن لدي أختًا. لم أصدقها حتى رأيت وجهكِ».

ابتلعت نور غصتها.

«من ربّاك؟»

«ليلى».

ساد الصمت بينهما.

«هل أخبرتك عني؟»

هز رأسه.

«قالت إن اسمكِ نور، وإنكِ السبب الوحيد الذي جعلها توافق على إبقائي حيًا».

تراجعت نور خطوة.

«إبقاؤك حيًا؟»

قبل أن يجيب، ظهر ضوء سيارة عند نهاية الرصيف. توقفت فجأة، وانفتح بابها.

خرج دانيال.

نظر الشاب إليه، فتغير وجهه في لحظة.

«أنت؟»

تجمد دانيال مكانه.

أما نور، فتنقلت عيناها بينهما.

«هل تعرفان بعضكما؟»

لم يجب أي منهما.

تقدم الشاب نحو دانيال، وكانت يداه ترتجفان.

«قلتَ إنك لن تعود».

أغمض دانيال عينيه لحظة، ثم قال:

«كان يجب ألّا تأتي إلى هنا».

ضحك الشاب بمرارة.

«بعد كل هذه السنوات، هذا كل ما لديك لتقوله لأخيك؟»

شعرت نور بأن قلبها توقف.

أخيه؟

التفتت إلى دانيال، لكنه لم ينظر إليها.

كان يحدق في الشاب كما لو أنه يرى شبحًا خرج لتوّه من قبر.

اقتربت نور منهما، وصوتها بالكاد خرج من حلقها.

«دانيال... هل هذا أخوك؟»

لم يجب.

أخرج الشاب من جيبه ظرفًا أسود، وألقاه عند قدمي دانيال.

«افتحه. لقد حان الوقت لتعرف ما فعلوه بنا».

انحنى دانيال والتقطه.

وحين أخرج الصورة الموجودة داخله، تغيّرت ملامحه تمامًا.

كانت صورة لرجل ممدد على الأرض، وإلى جواره طفلان.

أحدهما دانيال.

والآخر والد نور.

على ظهر الصورة كُتبت جملة واحدة:

«في تلك الليلة، لم يمت أحدكما بالصدفة».

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • الأشياء التي نجت    الفصل 13: الذي اختار اسمي

    «كان أخوكِ.»بقيت الجملة معلّقة بيننا، بينما كان دانيال يحدّق في الوثيقة كأنها تستطيع أن تمنحه إجابة لم يجدها طوال حياته.سألته: «هل تعرف ما الذي يعنيه هذا؟»«نعم.»«إذًا اشرح.»رفع عينيه إليّ. «أخوكِ لم يغيّر اسمي فحسب. لقد منحني هوية جديدة، ثم اختفى قبل أن أتمكن من معرفة السبب.»«ولماذا لم تخبرني؟»«لأنني لم أكن أعرف إن كان يريد إنقاذي أم استخدامي.»ضحكت بمرارة. «مذهل. كل شخص في حياتي لديه سبب نبيل للكذب عليّ.»لم يدافع عن نفسه. وهذا ما جعل غضبي أشد؛ فقد كنت أريد منه أن يجادلني، أن يمنحني شيئًا أكرهه بدلًا من ذلك الحزن الذي بدأ يتسلل إلى ملامحه.أعدت الوثيقة إلى الملف، ثم التفتُّ إلى يونس.«أنت قلت إنك جئت لمنعي من ارتكاب خطأ أخي. ما الخطأ الذي ارتكبه؟»لم يجب فورًا. أخرج من جيبه بطاقة صغيرة ووضعها أمامي.كانت بطاقة دخول إلى مزاد خاص، سيُقام بعد أقل من ساعة في فندق وسط المدينة.«أخوكِ ترك تعليمات واضحة. إذا وصلتِ إلى هذه المرحلة، فعليكِ الذهاب إلى هذا المزاد.»«وما الذي سأجده هناك؟»«الشخص الذي اشترى صمت المحامي قبل موته.»نظرت إلى البطاقة، ثم إلى يونس.«ولماذا لم تذهب أنت؟»ابتسم ا

  • الأشياء التي نجت    الفصل 12: الثمن الذي لم يدفعه أحد

    لم أنظر إلى دانيال بعد قراءة العبارة.«لقد هرب لأنه كان يعتقد أنكِ السبب في موت الشخص الذي أحبّه.»رفعت رأسي نحو يونس.«من الشخص الذي مات؟»«هذا ما جئت لأخبركِ به.»«إذًا أخبرني.»أخرج يونس هاتفًا من جيبه، وفتح مقطعًا مصورًا، ثم وضعه أمامي على الطاولة.لم تكن هناك صور قديمة أو تسجيلات مشوشة. كان المقطع واضحًا، قصيرًا، ومؤرخًا قبل ثلاثة أيام فقط.ظهر رجل مسن يجلس خلف مكتب، يتحدث إلى الكاميرا بوجه شاحب.عرفته فورًا.كان المحامي الذي حضر جنازة أمي، وقرأ وصيتها أمامي، ثم أخبرني أن كل ما تركته لي لا يتجاوز المنزل وبعض الأوراق.قال الرجل في المقطع:«إذا وصل هذا التسجيل إلى نور، فهذا يعني أنني لم أتمكن من تسليمها الوثيقة بنفسي. أخفيت عنها الحقيقة بناءً على طلب والدتها، لكنني لم أعد مستعدًا لحمل هذا الذنب.»توقف لحظة، ثم تابع:«أخوكِ لم يكن الشخص الوحيد الذي أُخفيت هويته بعد الحريق. كان هناك طفل ثالث، وقد غيّر والدكِ اسمه رسميًا قبل أن يغادر البلاد.»توقّف المقطع.نظرت إلى يونس.«أين بقية التسجيل؟»«لا أملكها.»«أنت تمزح معي؟ جئت إلى هنا لتخبرني بنصف حقيقة؟»«جئت لأمنعكِ من ارتكاب الخطأ الذي

  • الأشياء التي نجت    الفصل 11 : لا تفتحي عينيكِ

    «نور... لا تدعيه يخبركِ بما حدث. أنتِ كنتِ هناك.»جاء الصوت من خلف الباب الأحمر، هادئًا على نحوٍ جعل الخوف يتسلل إلى عظامي.التفتُّ إلى دانيال. لم يكن ينظر إلى الباب، بل إليّ، وكأنه ينتظر أن أتذكر شيئًا يخشى هو نفسه أن يعود إلى الحياة.سألته: «من بالداخل؟»حرّك فكه قبل أن يجيب: «شخص كان يجب ألا يصل إليكِ أبدًا.»«غريب. يبدو أن الجميع يعرفون ما يجب أن يحدث في حياتي، باستثنائي أنا.»اقتربت من الباب، فمدّ يده نحو معصمي، ثم تراجع قبل أن يلمسني.لاحظت ذلك. ولا أعرف لماذا آلمني تردده أكثر مما كان سيؤلمني أن يمسكني.قال بصوت خافت: «إذا فتحتِ هذا الباب، قد تخسرين آخر شيء بقي لكِ من الماضي.»أجبته دون أن أنظر إليه: «أنا لا أبحث عن ماضٍ أستطيع احتماله يا دانيال. أبحث عن ماضٍ أستطيع تصديقه.»أدرت المقبض.لم يكن خلف الباب شخص ينتظرنا، بل غرفة ضيقة تتوسطها طاولة معدنية، وعلى جدرانها صور كثيرة لي؛ في طفولتي، وفي الجامعة، وفي أيام لم أكن أعرف فيها أن أحدًا يراقبني.لكن صورة واحدة جعلت أنفاسي تتوقف.كنت مستلقية على سرير مستشفى، شاحبة الوجه، ويدي الصغيرة موصولة بأنبوب شفاف. بجانبي امرأة تقف وظهرها للك

  • الأشياء التي نجت    الفصل 10 : الفتاة التي شهدت موتها

    «كنت أحاول إنقاذكِ من نفسكِ».ترددت كلمات دانيال في رأس نور، بينما ظلت عيناها معلقتين بالصورة القديمة.ثلاثة أطفال: دانيال، وآدم، وطفلة تشبهها إلى حد مخيف.لكن شيئًا واحدًا لم تستطع تفسيره: لماذا كُتبت على ظهر الصورة عبارة تطلب منهم ألّا يسمحوا لها بتذكّر ما حدث؟رفعت رأسها.«أريد أن أعرف ما الذي حدث في تلك الليلة».مدّ دانيال يده نحو الصورة، لكنها سحبتها بعيدًا.«لن تأخذها مني».«نور، اسمعيني...»«سبع سنوات وأنت تقرر ما الذي يحق لي معرفته. انتهى الأمر».رن هاتفها قبل أن يجيب.رقم مجهول.ترددت لحظة، ثم أجابت دون أن ترفع الجهاز إلى أذنها.«من معي؟»جاءها صوت امرأة هادئ:«إذا كنتِ قد رأيتِ الصورة، فلا تسمحي لدانيال بإقناعكِ بأنكِ كنتِ طفلة مريضة».تصلبت ملامح نور.«من أنتِ؟»«شخص كان حاضرًا حين قرروا محو ذاكرتكِ».وقبل أن تتمكن نور من طرح سؤال آخر، أضافت المرأة:«افتحي الظرف الذي تركته أمكِ داخل غلاف شهادة ميلادكِ. ستجدين فيه ما لم يجرؤ أبوكِ على إخباركِ به».انقطع الاتصال.لم تتحرك نور لثوانٍ. ثم اندفعت نحو خزانتها، وأخرجت صندوق الأوراق القديمة الذي احتفظت به منذ وفاة أمها.قلبت شهادات

  • الأشياء التي نجت    الفصل 9: قبلة بطعم الخيانة

    لم تكن الصورة دليلًا على جريمة فحسب. كانت دليلًا على أن دانيال ووالد نور التقيا قبل سنوات، في ليلة لم يكن من المفترض أن ينجو منها أحدهما. لكن الرجل الذي يقف أمامها الآن لم يبدُ مستعدًا لتفسير أي شيء. طوى دانيال الصورة ووضعها في جيبه. «علينا أن نغادر». ضحك أخوه بسخرية. «ما زلت تصدر الأوامر وكأنك لم تدمّر حياتي من قبل». استدارت نور نحو دانيال. «لن يتحرك أحد قبل أن أفهم ما يحدث». نظر إليها أخيرًا. كانت عيناه تحملان ذلك التعب الذي طالما أثار شفقتها، لكنها لم تعد مستعدة لأن تسمح لشفقتها بأن تعميها. «ليس هنا». «إذن أين؟ في غرفة أخرى تخفي فيها نصف الحقيقة؟» اقترب منها وخفض صوته. «نور، أرجوكِ». كانت تلك أول مرة يطلب منها شيئًا بهذه الطريقة منذ عودته؛ لا بلهجة الرجل الذي يعرف كيف يسيطر على الموقف، بل بصوت شخص يخشى أن يفقد آخر فرصة له. وللحظة، كادت تستجيب. ثم تذكرت الصورة. «لا تستخدم هذا الصوت معي». تغيرت ملامحه. «أي صوت؟» «الصوت الذي يجعلني أنسى أنني يجب أن أكرهك». لم يجب. أما أخوه، فابتعد عنهما وهو يتمتم: «حتى الآن، ما زلت تخفي عنها أسوأ ما فعلت». استدار دانيال نحوه بع

  • الأشياء التي نجت    الفصل 8: أخي الذي لا يعرفني

    «أخي».كانت الكلمة وحدها كافية لتجعل نور تنسى كل الأسئلة التي أرادت طرحها.راقبت دانيال وهو يحدّق في شاشة هاتفه. لم يُجب عن الاتصال، لكنه لم يرفضه أيضًا. ظل واقفًا في مكانه، كأن الرنين يعيده إلى حياة حاول دفنها طويلًا.ثم انقطع الصوت.بعد لحظات، وصلته رسالة.قرأها وأغلق الهاتف.«يجب أن نغادر».ضحكت نور بمرارة.«بالطبع. كلما اقتربنا من إجابة، علينا أن نهرب».«هذه المرة لا يتعلق الأمر بكِ وحدكِ».«إذن أخبرني بمن يتعلق الأمر! من أخوك؟ ولماذا ظهر اسمه الآن؟»مرر دانيال يده في شعره، ثم نظر إليها.«كان لي أخ أصغر. اختفى عندما كنت في السادسة عشرة. قالت عائلتي إنه مات، لكنهم لم يروني جثته قط».«وما علاقة ذلك بأخي؟»«لا أعرف».«أنت تعرف أكثر مما تقول دائمًا».اقترب منها خطوة، ثم توقف حين رأى نظرتها.«كنت أبحث عنه قبل أن ألتقي بكِ. وبعد الحريق، وصلتني رسالة تقول إنه مات. وبعدها بأيام، طلب مني والدكِ أن أراقبكِ».«هل كان ذلك مصادفة أيضًا؟»خرجت الإجابة منه واضحة.«لا».للمرة الأولى، لم تحاول نور انتزاع اعتراف آخر. لم تعد تثق بالكلمات، وكانت تحتاج إلى شيء لا يستطيع دانيال تغييره بمجرد أن يقرر الص

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status