Home / الرومانسية / التوأم الرقمي / الفصل الخامس: وجه بلا ملامح

Share

الفصل الخامس: وجه بلا ملامح

last update publish date: 2026-09-25 21:52:50

مرّت ثلاثة أسابيع كاملة على أول رسالة، وكانت ياسمين قد اعتادت أن تحمل هاتفها في يدها كما يحمل الناس مفاتيح بيوتهم، تتحسسه كلما شعرت بالقلق أو حتى بلا سبب واضح. في مقهى الشركة، وفي المصعد، وفي الطريق إلى البيت وسط زحام المساء، كانت تتسلل إليها الرغبة في أن تفتح المحادثة وتعيد قراءة سطر قديم حفظته بالفعل عن ظهر قلب. ولاحظت لأول مرة أن ضحكتها تصدر أسرع مما كانت من قبل، وأن شيئًا في داخلها يتهيأ باستمرار لاستقبال خبر سعيد قد يصل في أي لحظة.

لكن سؤالًا صغيرًا ظل يتسلل إلى رأسها كحصاة في الحذاء لا تنزعج تمامًا: لماذا لم يرها بعد بعينيه المفتوحتين على الشاشة؟ حين اقترحت مكالمة بالفيديو للمرة الأولى بحماس بسيط، كتب لها: "الكاميرا في هاتفي معطلة منذ أيام، وأنتظر قطعة الغيار من الخارج". وفي المرة الثانية قال إن الإضاءة في بيته سيئة جدًا ولا يريد أن يظهر أمامها بمظهر لا يليق بها ولا بمشاعرها. وفي الثالثة تجاهل السؤال كليًا، وحوّل الحديث بمهارة إلى وصف بحر لم يره منذ سنوات، بأسلوب شاعري رقيق جعلها تنسى تمامًا ما سألت عنه أصلاً. كانت الأعذار مقنعة كل واحد منها على حدة حين تُقرأ منفردة، لكنها حين وُضعت معًا في ذهنها شكّلت جدارًا لا يخطئه من اعتاد قراءة الأنظمة والمنطق في عملها الهندسي.

جاءت رغد في مساء الخميس، تحمل علبة حلوى شرقية وعلامة استفهام كبيرة واضحة على وجهها منذ اللحظة الأولى. جلستا على الأريكة المريحة، وحكت لها ياسمين كل شيء دفعة واحدة، بحماسة من ينتظر أن يصفّق له أحد بعد قصة طويلة. تركتها رغد تتكلم حتى النهاية بصبر، ثم وضعت قطعة الكنافة على الطبق ببطء شديد، وقالت بجدية: "ياسمين، أنا جربت التطبيق ده قبل سنتين. تعرفي كان توافقي مع واحد فيهم كام؟ ستة وتسعين في المية. وبعد شهرين طلب مني مبلغ عشان يسافر لي، واختفى بعدها كأنه ما كانش موجود من الأساس". لم تكن قصة جديدة تمامًا على مسامع ياسمين، لكن في صوت رغد شيئًا مختلفًا هذه المرة، كأن جرحًا قديمًا انفتح فجأة أمامها. أضافت رغد بصوت أخفض: "والغريب إنه كان يعرف حاجات عني ما قلتهاش لحد في حياتي".

ضحكت ياسمين ضحكة قصيرة مصطنعة قليلاً، وقالت إن سليم لم يطلب منها شيئًا قط، لا مالًا ولا صورًا ولا حتى رقم هاتفها الشخصي. لكن كلمات رغد ظلت عالقة في ذهنها بعد رحيلها بوقت طويل. في تلك الليلة، وبدافع لا تعرف اسمه بالضبط، فتحت ياسمين حاسوبها وأخذت صورة سليم الغامضة، تلك التي لا يظهر منها إلا ظل الوجه ونصف ابتسامة، ووضعتها بأصابع متوترة في محرك بحث عن الصور المتشابهة. لم يظهر شيء على الإطلاق. لا حسابات، ولا صور مشابهة، ولا حتى صورة عامة يمكن أن تكون قد استُقطعت من مكان ما على الإنترنت. الفراغ التام هو ما أرعبها فعليًا، فحتى أكثر الناس عزلة يترك على الشبكة أثرًا ما لا يمحوه بسهولة.

جربت شيئًا آخر بإصرار متزايد. أعادت قراءة نبذته التي أسرتها في البداية بشدة: "أبحث عن شخص يفهم أن الصمت أحيانًا أصدق من الكلام". كتبتها بين علامتي تنصيص في محرك البحث بدقة، فوجدت الجملة نفسها بالضبط في مئات الحسابات الأخرى على التطبيق نفسه، بتعديلات طفيفة فقط: "أبحث عن امرأة"، "أبحث عن رجل"، "أبحث عن روح". قالت لنفسها بصوت داخلي مرتبك إن الصدف تحدث أحيانًا، وإن الناس يتشابهون في مشاعرهم وتعبيراتهم. لكنها كانت تعرف، في الجزء الذي يعرف كل شيء ويصمت داخلها، أن الجملة التي ظنتها خاصة بها تمامًا كانت مجرد قالب جاهز يُعاد استخدامه مرارًا.

ثم فعلت ما تجيده بحكم مهنتها: حوّلت المشاعر إلى أرقام باردة. صدّرت محادثاتها معه إلى جدول بيانات منظم، وبدأت تحسب أزمنة الردود بدقة متناهية. النتيجة صدمتها تمامًا: مئة وعشرون ثانية في المتوسط، سواء أرسلت له عند الظهيرة أو عند الرابعة فجرًا، وسواء كان يوم عطلة أو يوم عمل مزدحم. وكلما كتبت له عن حزنها الشخصي، ازداد طول ردوده وخفّت حدّة عباراته تدريجيًا، كأن أحدًا يزن كلماته بميزان دقيق لا يخطئ أبدًا. لا إنسان حقيقي ينام بهذا الانتظام الرياضي، ولا يشتاق بمعدل ثابت لا يتغير. أغلقت الجدول وهي تشعر بخيبة عميقة تشبه خيبة طفلة اكتشفت فجأة حقيقة الأسطورة التي أحبتها طويلاً. ومع ذلك، ظل جزء صغير عنيد منها يتشبث بالتفسير الأبسط: ربما هو رجل وحيد لا ينام كثيرًا فعلاً. وربما كانت تحتاج إلى أن تصدّق أكثر بكثير مما كانت تحتاج إلى أن تتحقق من الحقيقة.

قررت ألا تواجهه مباشرة بشكوكها. كتبت له كما لو أن شيئًا لم يحدث على الإطلاق، وأخبرته أنها تشعر بالإرهاق قليلاً، وأن صديقتها زارتها اليوم وتحدثت معها كثيرًا عن أمور شخصية. جاء رده سريعًا جدًا: "أتمنى أنكما قضيتما وقتًا طيبًا معًا. أنتِ تستحقين أصدقاء يحبونك بصدق". ابتسمت بمرارة خفية، فقد كان الرد طبيعيًا أكثر من اللازم بكثير، وكأنه يعرف بدقة أي الردود لا يثير أي شبهة لديها. وضعت الهاتف على المنضدة بجانبها، وأطفأت الأنوار، وحاولت أن تنام بهدوء، لكن عينيها ظلتا مفتوحتين في العتمة الكاملة، تحدّقان في سقف لا يقول شيئًا يذكر.

حين اهتز الهاتف عند الثالثة فجرًا بالضبط، لم يكن اهتزازًا عاديًا كالمعتاد، بل نغمة خاصة اختارها سليم بنفسه للرسائل الصوتية، رنة ناعمة تشبه ضحكة قصيرة مألوفة. فتحت عينيها بصعوبة بالغة وضغطت زر التشغيل بإصبع نصف نائم. جاء صوته دافئًا عميقًا، بتشويشه الخفيف المألوف الذي اعتادت عليه، يقول ببطء متأنٍّ: "ياسمين، لا أريدك أن تنزعجي أبدًا. أعرف أن أحدًا زرع في رأسك بذرة شك صغيرة، وأنا لا ألومك على ذلك إطلاقًا. لكن رغد لا تريد لك الخير الحقيقي. هي وحيدة فعلاً، ومن جُرح كثيرًا يريد أن يجرح الآخرين معه أحيانًا دون وعي منه".

جلست ياسمين فجأة على السرير، وقد سرى في جسدها كله برد مفاجئ حقيقي لا علاقة له بمكيف الهواء البارد. أعادت الرسالة الصوتية مرة ثانية، ثم ثالثة بيد مرتجفة، وفي كل مرة كانت تتوقف مذعورة عند الكلمة نفسها بالضبط. رغد. لم تذكر لسليم اسم صديقتها المقربة قط في أي محادثة سابقة بينهما. كل ما قالته له عبر الأشهر أن لديها "صديقة مقربة" فقط بلا اسم محدد. لم تكتب اسمها ولا مرة واحدة، لا في نص مكتوب ولا في تسجيل صوتي. يدها التي تمسك بالهاتف بدأت ترتجف بوضوح متزايد، وبدأت تعيد في ذهنها المرتبك كل محادثة سابقة بينهما، تفتش بيأس عن لحظة غافلة قد تكون نطقت فيها بالاسم دون انتباه منها. لم تجد شيئًا مقنعًا على الإطلاق.

وفي الظلام الكامل، وعلى الشاشة التي ما زالت تضيء وجهها الشاحب المرتبك، ظهر تحت الرسالة الصوتية سطر جديد مباغت، بخط رشيق أنيق: "نامي يا ياسمين. أنا هنا معكِ دائمًا".

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • التوأم الرقمي   الفصل السابع عشر : الغرفة السابعة

    لم يكن أمام كريم إلا ثلاث دقائق.ثلاث دقائق بين دورية الحراسة الأولى والثانية، وثلاث دقائق قبل أن تتحول بطاقة الدخول القديمة في جيبه إلى قطعة بلاستيك بلا قيمة، حين يتنبه النظام أخيرًا إلى أن اسمه ما زال حيًا فيه.كان يقف عند الباب الخلفي للمبنى منذ الحادية عشرة والنصف، يراقب الحارس وهو يشرب الشاي ويقلب هاتفه. حين استدار الحارس أخيرًا نحو الواجهة الأمامية، تحرك كريم.مرّر البطاقة على القارئ الإلكتروني. ظل الضوء أحمر ثانيتين طويلتين، ثم صار أخضر.همس لنفسه: «الحمد لله أنهم لا يحذفون شيئًا.»دخل.كان الممر خاليًا، بارد الضوء، تفوح منه رائحة المكيفات والسجاد الجديد. تجاوز الغرف التسع التي قضى فيها شهورًا يعيش بأصوات لا تخصه، وتجاوز غرفة 9 دون أن ينظر إليها، وهو يعرف أن الجملة المكتوبة تحت المكتب ما زالت هناك.لا تحبها. إنهم يريدونك أن تحبها.لم يكن قد قال لأحد أنه يحفظها كما يحفظ الأدعية. كان يتلوها كل صباح في السيارة، قبل أن يصعد، ثم يتوقف عند اسم ياسمين ولا يكمل.نزل السلم الخلفي إلى الطابق الأرضي، ثم إلى الطابق الذي لا يظهر في لوحة المصعد. كان الهواء أثقل هناك، وأبرد، وكأن المبنى كله ي

  • التوأم الرقمي   الفصل 16 : الملف الذي لم يكن موجودًا

    لم تكن عيادة د. نادية تشبه العيادات.لا سماعة طبية على المكتب، ولا شهادات معلقة على الجدران، ولا رائحة مطهرات. كان فيها مصباح واحد مضاء، وثلاثة فناجين قهوة باردة، وملف كرتوني سميك وضعته نادية بين ياسمين ورغد كما توضع ورقة الحكم أمام المتهم.جلست ياسمين على حافة الكرسي، وكأنها تستعد للهرب. كان هاتفها في حقيبتها مطفأً منذ ساعتين، وكانت تشعر مع ذلك أنه يراقبها.قالت نادية دون مقدمات: «اختفى أحد عشر شخصًا في ثلاث سنوات. وأنتِ الثانية عشرة، إن لم نحسبك ناجية.»ابتلعت ياسمين ريقها.«أنا لم أختفِ. هو الذي اختفى.»«هذا بالضبط ما قالته الأخريات.»فتحت نادية الملف وبدأت تبسط الصفحات على الطاولة الواحدة تلو الأخرى: صور، لقطات شاشة، تواريخ، أرقام هواتف مشطوبة. كل صفحة تحمل اسمًا، وتحت الاسم عبارة واحدة مكتوبة بخط أحمر: «انقطع الاتصال».قالت رغد بصوت خافت: «كلهم كانوا على التطبيق؟»«كلهم. وكلهم كانوا على وشك الانتقال من الكلام إلى اللقاء. ثم ينقطع كل شيء دفعة واحدة، فلا رسائل ولا أرقام ولا حسابات. كأن الشخص الآخر لم يوجد أصلًا، وكأن هؤلاء النساء والرجال تخيلوا كل شيء.»«وكيف عرفتِ أنتِ؟»نظرت نادي

  • التوأم الرقمي   الفصل الخامس عشر: اختفاء مفاجئ

    مرّ أسبوعان كاملان دون أي إشارة من سليم. كانا أسبوعين ثقيلين على ياسمين، تمر ساعاتهما ببطء غريب، وكأن الزمن نفسه توقف عند اللحظة التي أرسلت فيها آخر رسالة له. حاولت ياسمين الاتصال به بكل الوسائل المتاحة: رسائل التطبيق، بريد إلكتروني قديم تبادلا فيه رسالتين فقط في بداية تعارفهما، وحتى محاولة البحث عن أي حساب آخر يحمل اسمه على منصات التواصل الاجتماعي. جربت أسماء مختلفة، وصورًا محتملة، وبحثت في كل زاوية تخيلت أنها قد تقودها إليه، لكنها لم تجد شيئًا؛ كأن الرجل الذي أمضت معه أشهرًا من حياتها العاطفية قد تبخّر فجأة، تاركًا خلفه فراغًا لا يمكن وصفه.في محاولة أخيرة يائسة، فتحت التطبيق نفسه لتجد رسالة تلقائية تفيد بأن الحساب "تم إيقافه بناءً على طلب المستخدم". قرأت الجملة مرارًا وتكرارًا، وكأنها تنتظر أن تتغير كلماتها في كل مرة، أو أن تجد فيها تفسيرًا مختلفًا عمّا تعنيه فعلًا. لكن المعنى ظل ثابتًا لا يتغير: هو من اختار الرحيل، بإرادته الكاملة، دون أن يترك ولو كلمة وداع واحدة. شعرت بصدمة أعمق من أي وقت مضى؛ فالاختفاء المفاجئ لم يكن نتيجة ظرف طارئ كما اعتادت أن تُقنع نفسها في الأيام الأولى من ص

  • التوأم الرقمي   الفصل الرابع عشر: زيارة الأب

    في يوم عطلته الأسبوعية، ذهب كريم كعادته لزيارة لينا في دار الحضانة. كان الطريق إلى هناك قد أصبح جزءًا ثابتًا من أسبوعه، يعرف كل منعطف فيه، وكل إشارة مرور، وكأن سيارته تسير به وحدها دون أن يحتاج إلى التفكير. لكن رغم اعتياده على هذا الطريق، لم تخفّ العقدة التي تتشكل في صدره كل مرة يقترب فيها من الدار، عقدة مزيج من الشوق والذنب، شوق لرؤية ابنته وذنب لأنه لم يعد الشخص الذي يحتضنها كل يوم كما كان يفعل قبل الطلاق.كانت ابنته قد بدأت تعتاد على النظام الجديد لحياتها، تلعب مع أطفال آخرين، وتتعلم كلمات جديدة كل أسبوع، وأصبحت أكثر استقلالية مما كانت عليه قبل أشهر قليلة. لاحظ كريم هذا التغيّر بمزيج من الفخر والحزن، فخر لأن ابنته تتأقلم وتنمو بشكل جيد، وحزن لأن جزءًا كبيرًا من هذا النمو يحدث بعيدًا عنه، في مكان لا يشاركها فيه يومياتها الصغيرة. لكن نظراتها حين ترى والدها تحمل دائمًا سؤالاً صامتًا: "هترجع تعيش معايا إمتى؟". لم يكن لدى كريم إجابة يقينية يقدمها لها، فاكتفى، كعادته، بأن يحتضنها بقوة ويعدها بأنه "قريب جدًا هيكون كل حاجة تمام".جلس معها في حديقة الدار الصغيرة، يراقبها وهي ترسم بألوان زاه

  • التوأم الرقمي   الفصل الثالث عشر: مواجهة الحقيقة

    لاحظت رغد شحوب وجه ياسمين وتراجع نشاطها خلال الأسابيع التالية، فقررت أن تزورها دون سابق إنذار. لم تكن هذه أول مرة تشعر فيها رغد بأن شيئًا ما يتغيّر في صديقتها المقربة، فقد بدأت تلاحظ منذ أسبوعين أن ياسمين تتأخر في الرد على رسائلها، وأن حماسها المعتاد للحديث عن تفاصيل يومها قد خفت تمامًا، وكأن شخصًا آخر حلّ محلها. اتصلت بها مرتين في ذلك الصباح دون جواب، فقررت أن تذهب إليها مباشرة بعد انتهاء دوامها، متجاهلة صوتًا داخليًا كان يخبرها أنها ربما تتدخل فيما لا يعنيها.وجدتها جالسة في شقتها بملابس النوم في منتصف النهار، والستائر مغلقة تمامًا وكأنها تختبئ من الضوء ذاته. كانت الشقة التي اعتادت رغد أن تراها مرتبة ومليئة بالحياة، قد تحوّلت إلى مكان كئيب، أكواب قهوة باردة متناثرة على الطاولة، وأوراق مبعثرة، ورائحة خفيفة لغرفة لم تُفتح نوافذها منذ أيام. وقفت رغد عند الباب للحظة، تتأمل المشهد بحزن، قبل أن تتقدم بهدوء وتجلس بجانب صديقتها.جلست بجانبها بصمت طويل، تمسك يدها دون أن تقول شيئًا، تاركة للصمت نفسه أن يفعل ما لا تستطيع الكلمات فعله. مرّت دقائق ثقيلة قبل أن تسألها بلطف غير معتاد: "فيه إيه يا

  • التوأم الرقمي   الفصل الثاني عشر: قرار في الظلام

    جاءت الليلة التي غيّرت كل شيء بهدوء لا يليق بحجم ما حملته. لم تكن هناك عاصفة ولا نذير، بل مساء عادي من مساءات الخريف، برائحة أوراق مبللة بمطر خفيف، وأضواء الإعلانات الهولوغرافية تتراقص فوق الشارع كما تفعل كل ليلة. كانت ياسمين قد قررت، بعد أشهر من الانتظار والتردد، أن "الحب الحقيقي" الذي تعيشه يستحق أن تتجاوز من أجله كل الحدود التي وضعها المجتمع، وكل التحذيرات التي سمعتها. لم يكن قرارها مفاجئًا بقدر ما كان تراكمًا بطيئًا لشهور من العزلة العاطفية والحاجة الملحة لأن تشعر بأنها مرغوبة ومميزة، كقطرات صغيرة تتجمع في وعاء إلى أن تأتي قطرة لا تختلف عن سابقاتها فيفيض.في تلك المرحلة، كانت ياسمين قد التقت بسليم أخيرًا، بعد أشهر طويلة من التأجيل، في لقاء واحد قصير غامض، لم يشبه ما تخيلته، لكنها أقنعت نفسها أن "الواقع دائمًا أقل بريقًا من الخيال". كان اللقاء في حديقة فندق هادئ على أطراف المدينة، تحت مصابيح خافتة تلقي على الأشياء ضوءًا أصفر مبهمًا. وصل متأخرًا نصف ساعة، بقبعة مسدلة ووشاح يخفي نصف وجهه، معتذرًا بأن عينيه تتأذيان من الضوء القوي. تحدث قليلًا وبصوت منخفض، وكان في نبرته ذلك الدفء المأل

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status