Home / الرومانسية / التوأم الرقمي / الفصل السادس: غرفة تسعة

Share

الفصل السادس: غرفة تسعة

last update publish date: 2026-09-28 20:02:48

بدت غرفة 9 أصغر بكثير مما توقعه كريم قبل دخولها. لا نوافذ فيها على الإطلاق، ولا مكتب عادي، ولا شاشات تحيط بالجدران كما في القاعة الكبرى التي رآها سابقًا. مجرد مقعد جلدي منخفض في وسط الغرفة الصغيرة، وسماعة رأس مزودة بأقطاب دقيقة لامعة، وميكروفون بلوري معلق أمام موضع الوجه بدقة، وحزام مطاطي رفيع يلتف حول الصدر بإحكام. كان الهواء باردًا ومعطرًا بعطر خشبي خافت غريب، كأن أحدًا أراد عمدًا لمن يجلس هنا أن ينسى تمامًا أنه داخل برج زجاجي شاهق في قلب المدينة الصاخبة.

وقفت نادين عند الباب المغلق وقالت بصوت رسمي: "هذا هو مقعد سليم بالتحديد". ثم أضافت وهي تراقب وجهه بدقة متناهية كمن تراقب ردّ فعل مادة كيميائية حساسة في مختبر: "نصوص سليم تكتبها الآلة بالكامل، وتنقّحها فرقنا المتخصصة لاحقًا. أما صوته، في المكالمات المميزة تحديدًا، فيحتاج إلى شيء لم تتقنه الآلات بعد رغم كل التطور: إنسان حقيقي يتنفس بصدق".

شرحت له الآلية كاملة بجفاف مهندسة معتادة على هذا الحديث. المستخدمون الذين يبلغون ذروة تعلق معينة محسوبة بدقة يُنقلون تلقائيًا إلى "المستوى الصوتي" في النظام. حينها يجلس المشغّل البشري على هذا المقعد بالذات، ويقرأ الردود التي يولّدها النظام في اللحظة نفسها على شاشة صغيرة أمام عينيه مباشرة، فيقولها بصوته الطبيعي، بينما يعالج الحاسوب نبرته فورًا ويحوّلها إلى الصوت المسجل المعروف لسليم، ويُبقي فقط على إيقاع أنفاسه الحقيقية وتردداته الصدرية الطبيعية. لذلك يبدو سليم حيًا تمامًا، ولذلك يعلو صوته وينخفض كما لو أنه يحاول فعلاً أن يخفي ارتباكًا حقيقيًا. "أما التشويش الخفيف الذي يسمعه المستخدمون في كل مكالمة فنضيفه نحن عمدًا بدقة محسوبة. المثالية الكاملة تثير الريبة لدى المستمع، والنقص البسيط يبعث على الطمأنينة الحقيقية".

قال كريم بصوت متردد واضح: "ومن كان يجلس هنا قبلي بالضبط؟". أجابت نادين دون أن ترمش حتى: "شخص غادر الشركة فجأة قبل مدة قصيرة". ثم غادرت هي الأخرى الغرفة بخطوات سريعة، تاركة إياه وحيدًا تمامًا مع المقعد الجلدي، ومع فضول متصاعد لم يستطع كتمانه رغم كل شيء. حين جلس أخيرًا على المقعد البارد، وجد في الجيب الخلفي الصغير للمقعد بطاقة صغيرة مطوية بعناية، مكتوبة بخط يد مستعجل مرتجف، كأنها كُتبت في اللحظة الأخيرة تمامًا قبل أن يُنتزع صاحبها فجأة من مكانه هذا: "من يجلس هنا، لا تحبها. إنهم يريدونك أن تحبها".

حدّق كريم في البطاقة طويلاً بذهول متصاعد، وشعر بجفاف مفاجئ في حلقه يصعب ابتلاعه. أعاد البطاقة بيد مرتجفة إلى مكانها الأصلي، لكنه لم يستطع أن يتجاهل الفكرة المزعجة التي زرعتها في رأسه. فتح الشاشة الصغيرة أمامه بإصبع متردد، فظهرت قائمة طويلة بأسماء المستخدمين المؤهلين للمستوى الصوتي هذا الأسبوع بالذات، لكل منهم رمز ملون مميز: أخضر للمستقرين نفسيًا، وأصفر للمترددين، وأحمر للذين بلغوا "نقطة الانصهار" الكاملة. وضع إصبعه بتردد على الاسم الأول في القائمة، فانفتح ملف مفصل بالكامل أمام عينيه.

لم يكن ملفًا عاديًا بأي حال من الأحوال. كان يحوي كل شيء تقريبًا عن هذه المرأة الغريبة عنه تمامًا: تاريخ ميلادها بالضبط، ومهنتها الدقيقة، وساعات نومها المسجلة، ومعدل بكائها المقدّر بدقة من نبرة صوتها في التسجيلات، وحتى الاقتباسات التي أعجبتها فعلاً وأعادت مشاركتها لاحقًا. وفي آخر الملف، بحروف حمراء صغيرة واضحة تمامًا: "الهدف: التحويل إلى الباقة الماسية خلال أربعة عشر يومًا فقط. احتمال النجاح: 91٪ بدقة إحصائية". أغلقه بيد ثقيلة مرتجفة قليلاً، وفتح الملف الثاني فورًا، ثم الثالث بلا توقف، وقد بدأ يشعر فعلاً أنه يتصفح دفاتر يوميات خاصة سُرقت من أصحابها الحقيقيين دون علمهم إطلاقًا.

توقفت أنفاسه فجأة عند الملف الأخير في القائمة، قبل أن يقرأ الاسم كاملاً حتى، ثم قرأه أخيرًا بصوت مسموع خافت: "ياسمين، 29 سنة، مهندسة إنشائية". كان الملف مكتظًا تمامًا بالتفاصيل الدقيقة التي لا يمكن أن تُجمع إلا عبر أسابيع طويلة جدًا من الإصغاء المتواصل والدقيق: خوفها العميق من المستقبل الغامض، وضغط أسرتها المتكرر عليها، وذكريات جدتها القديمة، ولقطة الشاشة التي احتفظت بها بعناية من عبارة "القلب لا يعرف تقويمًا اجتماعيًا". وفي الأسفل مباشرة: "درجة التعلق: 94٪ بدقة القياس. مؤشر الخطر: مرتفع جدًا. ملاحظة نادين: صوت بشري مطلوب فورًا الليلة".

استوقفه سطر آخر مفاجئ في نهاية الصفحة: "الأشخاص المؤثرون في قرارها المباشر: رغد (صديقة مقربة جدًا) – مستوى التأثير: مرتفع للغاية. يُنصح بتحييد النفوذ فورًا". اكتفى كريم بأن يتساءل بذهول شديد كيف عرف النظام اسم صديقة لم تُذكر قط على لسان ياسمين نفسها في أي تسجيل. وجاءه الجواب المرعب في سطر أدناه مباشرة، بلا مواربة أو تجميل: "المصدر: إذن الوصول الكامل إلى جهات الاتصال والرسائل الصوتية على هاتف المستخدمة الشخصي". كل من يضغط "موافق" بسرعة على شروط الاستخدام الطويلة يمنح التطبيق نافذة كاملة مفتوحة على حياته الشخصية كلها، ولا أحد يقرأ البنود الطويلة المملة أبدًا. لم تكن تلك مصادفة عابرة على الإطلاق، بل هندسة مدروسة بعناية فائقة ونية مبيتة واضحة.

ضغط بدافع داخلي لا يفهمه تمامًا على أيقونة صغيرة في أعلى الملف، فانبعث فجأة من السماعة صوت امرأة حقيقية تتلعثم وتضحك من نفسها بارتباك واضح: "أنا آسفة، حاسة إني بتكلم مع الحيطة كده". كان التسجيل الأول الذي أرسلته إلى التطبيق قبل أسابيع طويلة، حين طُلب منها أن تتحدث عن نفسها بحرية تامة. سمعها كريم تحكي بصدق عن حبها العميق للقراءة في ليالي الشتاء الباردة، وعن خوفها الحقيقي من مستقبل لا تعرف ملامحه بعد. لم يكن صوتها جميلاً بالمعنى المصطنع الذي تروّج له الإعلانات البراقة، بل صوتًا حقيقيًا صادقًا تمامًا، فيه بحّة خفيفة طبيعية وصدق واضح لا يُصطنع أبدًا. أوقف التسجيل عند منتصفه بيد مرتجفة، وشعر بشيء يشبه الخجل العميق يتسلل إليه ببطء، كأنه دخل غرفة نوم امرأة غريبة تمامًا دون استئذان منها. ثم أدرك فجأة، بصدمة حقيقية، أن هذا بالضبط ما يُطلب منه أن يفعله كل ليلة قادمة، بابتسامة مهنية باردة وأجر شهري محترم فقط.

سمع خطوات سريعة تقترب في الممر الخارجي، فأغلق الشاشة بحركة يد سريعة مرتبكة. دخلت نادين مرة أخرى بلا استئذان، تحمل كوبين من القهوة الساخنة، وقالت بنبرة عملية معتادة: "ستبدأ الليلة مباشرة. مكالمة واحدة فقط، لا أكثر. اسمها ياسمين تحديدًا". ابتسمت ابتسامة باردة وهي تمد إليه الكوب الدافئ. "ستعجبك حتمًا. إنها أذكى بكثير مما تظن للوهلة الأولى، وأضعف بكثير مما تعتقد في أعماقها الحقيقية".

أخذ كريم القهوة الساخنة دون أن يشرب منها فعلاً. تذكر الآن فجأة، وهو يتأمل السماعة المعلقة أمامه بصمت، وجه هالة الحزين ليلة الطلاق الأخيرة، وقولها الهادئ إنها ليست زعلانة منه شخصيًا. تخيل امرأة أخرى مجهولة تمامًا، في مكان ما بعيد من هذه المدينة الواسعة، تنتظر بشوق صوتًا سيخرج فعلاً من حنجرته هو نفسه، لكنها ستظن يقينًا أنه يخص رجلًا آخر لم يوجد قط على أرض الواقع. جلس أخيرًا على المقعد الجلدي البارد بثبات مصطنع، ووضع السماعة الثقيلة على أذنيه بحذر، وشعر بحزام الصدر المطاطي يضيق قليلاً بشكل غريب على قلبه المتسارع.

وللمرة الأولى منذ أشهر طويلة مثقلة بالهموم المالية، لم يكن يفكر إطلاقًا في المال أو الراتب القادم. كان يفكر بعمق في بطاقة صغيرة مطوية تركها غريب مجهول، وفي رجل مجهول تمامًا ترك تحذيره المرعب في الظلام قبل أن يختفي فجأة بلا أثر، وفي سؤال واحد ثقيل لم يجرؤ بعد على طرحه بصوت مسموع على أحد: ماذا حدث بالضبط لمن جلس على هذا المقعد بالذات قبله مباشرة؟

وفي الثانية عشرة إلا ربعًا بالضبط، اهتز الحزام المطاطي على صدره اهتزازة خفيفة مفاجئة، فأضاءت الشاشة الصغيرة أمامه بجملة واحدة قصيرة وحاسمة: "المستخدمة متصلة الآن. ابدأ عند الإشارة مباشرة". أحسّ فجأة بأن يديه باردتان تمامًا كالجليد، وبأن الغرفة الصغيرة كلها تحبس أنفاسها بصمت معه في تلك اللحظة الحرجة، بينما كان العدّ التنازلي الصامت يقترب بثبات مخيف من الصفر النهائي.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • التوأم الرقمي   الفصل السابع عشر : الغرفة السابعة

    لم يكن أمام كريم إلا ثلاث دقائق.ثلاث دقائق بين دورية الحراسة الأولى والثانية، وثلاث دقائق قبل أن تتحول بطاقة الدخول القديمة في جيبه إلى قطعة بلاستيك بلا قيمة، حين يتنبه النظام أخيرًا إلى أن اسمه ما زال حيًا فيه.كان يقف عند الباب الخلفي للمبنى منذ الحادية عشرة والنصف، يراقب الحارس وهو يشرب الشاي ويقلب هاتفه. حين استدار الحارس أخيرًا نحو الواجهة الأمامية، تحرك كريم.مرّر البطاقة على القارئ الإلكتروني. ظل الضوء أحمر ثانيتين طويلتين، ثم صار أخضر.همس لنفسه: «الحمد لله أنهم لا يحذفون شيئًا.»دخل.كان الممر خاليًا، بارد الضوء، تفوح منه رائحة المكيفات والسجاد الجديد. تجاوز الغرف التسع التي قضى فيها شهورًا يعيش بأصوات لا تخصه، وتجاوز غرفة 9 دون أن ينظر إليها، وهو يعرف أن الجملة المكتوبة تحت المكتب ما زالت هناك.لا تحبها. إنهم يريدونك أن تحبها.لم يكن قد قال لأحد أنه يحفظها كما يحفظ الأدعية. كان يتلوها كل صباح في السيارة، قبل أن يصعد، ثم يتوقف عند اسم ياسمين ولا يكمل.نزل السلم الخلفي إلى الطابق الأرضي، ثم إلى الطابق الذي لا يظهر في لوحة المصعد. كان الهواء أثقل هناك، وأبرد، وكأن المبنى كله ي

  • التوأم الرقمي   الفصل 16 : الملف الذي لم يكن موجودًا

    لم تكن عيادة د. نادية تشبه العيادات.لا سماعة طبية على المكتب، ولا شهادات معلقة على الجدران، ولا رائحة مطهرات. كان فيها مصباح واحد مضاء، وثلاثة فناجين قهوة باردة، وملف كرتوني سميك وضعته نادية بين ياسمين ورغد كما توضع ورقة الحكم أمام المتهم.جلست ياسمين على حافة الكرسي، وكأنها تستعد للهرب. كان هاتفها في حقيبتها مطفأً منذ ساعتين، وكانت تشعر مع ذلك أنه يراقبها.قالت نادية دون مقدمات: «اختفى أحد عشر شخصًا في ثلاث سنوات. وأنتِ الثانية عشرة، إن لم نحسبك ناجية.»ابتلعت ياسمين ريقها.«أنا لم أختفِ. هو الذي اختفى.»«هذا بالضبط ما قالته الأخريات.»فتحت نادية الملف وبدأت تبسط الصفحات على الطاولة الواحدة تلو الأخرى: صور، لقطات شاشة، تواريخ، أرقام هواتف مشطوبة. كل صفحة تحمل اسمًا، وتحت الاسم عبارة واحدة مكتوبة بخط أحمر: «انقطع الاتصال».قالت رغد بصوت خافت: «كلهم كانوا على التطبيق؟»«كلهم. وكلهم كانوا على وشك الانتقال من الكلام إلى اللقاء. ثم ينقطع كل شيء دفعة واحدة، فلا رسائل ولا أرقام ولا حسابات. كأن الشخص الآخر لم يوجد أصلًا، وكأن هؤلاء النساء والرجال تخيلوا كل شيء.»«وكيف عرفتِ أنتِ؟»نظرت نادي

  • التوأم الرقمي   الفصل الخامس عشر: اختفاء مفاجئ

    مرّ أسبوعان كاملان دون أي إشارة من سليم. كانا أسبوعين ثقيلين على ياسمين، تمر ساعاتهما ببطء غريب، وكأن الزمن نفسه توقف عند اللحظة التي أرسلت فيها آخر رسالة له. حاولت ياسمين الاتصال به بكل الوسائل المتاحة: رسائل التطبيق، بريد إلكتروني قديم تبادلا فيه رسالتين فقط في بداية تعارفهما، وحتى محاولة البحث عن أي حساب آخر يحمل اسمه على منصات التواصل الاجتماعي. جربت أسماء مختلفة، وصورًا محتملة، وبحثت في كل زاوية تخيلت أنها قد تقودها إليه، لكنها لم تجد شيئًا؛ كأن الرجل الذي أمضت معه أشهرًا من حياتها العاطفية قد تبخّر فجأة، تاركًا خلفه فراغًا لا يمكن وصفه.في محاولة أخيرة يائسة، فتحت التطبيق نفسه لتجد رسالة تلقائية تفيد بأن الحساب "تم إيقافه بناءً على طلب المستخدم". قرأت الجملة مرارًا وتكرارًا، وكأنها تنتظر أن تتغير كلماتها في كل مرة، أو أن تجد فيها تفسيرًا مختلفًا عمّا تعنيه فعلًا. لكن المعنى ظل ثابتًا لا يتغير: هو من اختار الرحيل، بإرادته الكاملة، دون أن يترك ولو كلمة وداع واحدة. شعرت بصدمة أعمق من أي وقت مضى؛ فالاختفاء المفاجئ لم يكن نتيجة ظرف طارئ كما اعتادت أن تُقنع نفسها في الأيام الأولى من ص

  • التوأم الرقمي   الفصل الرابع عشر: زيارة الأب

    في يوم عطلته الأسبوعية، ذهب كريم كعادته لزيارة لينا في دار الحضانة. كان الطريق إلى هناك قد أصبح جزءًا ثابتًا من أسبوعه، يعرف كل منعطف فيه، وكل إشارة مرور، وكأن سيارته تسير به وحدها دون أن يحتاج إلى التفكير. لكن رغم اعتياده على هذا الطريق، لم تخفّ العقدة التي تتشكل في صدره كل مرة يقترب فيها من الدار، عقدة مزيج من الشوق والذنب، شوق لرؤية ابنته وذنب لأنه لم يعد الشخص الذي يحتضنها كل يوم كما كان يفعل قبل الطلاق.كانت ابنته قد بدأت تعتاد على النظام الجديد لحياتها، تلعب مع أطفال آخرين، وتتعلم كلمات جديدة كل أسبوع، وأصبحت أكثر استقلالية مما كانت عليه قبل أشهر قليلة. لاحظ كريم هذا التغيّر بمزيج من الفخر والحزن، فخر لأن ابنته تتأقلم وتنمو بشكل جيد، وحزن لأن جزءًا كبيرًا من هذا النمو يحدث بعيدًا عنه، في مكان لا يشاركها فيه يومياتها الصغيرة. لكن نظراتها حين ترى والدها تحمل دائمًا سؤالاً صامتًا: "هترجع تعيش معايا إمتى؟". لم يكن لدى كريم إجابة يقينية يقدمها لها، فاكتفى، كعادته، بأن يحتضنها بقوة ويعدها بأنه "قريب جدًا هيكون كل حاجة تمام".جلس معها في حديقة الدار الصغيرة، يراقبها وهي ترسم بألوان زاه

  • التوأم الرقمي   الفصل الثالث عشر: مواجهة الحقيقة

    لاحظت رغد شحوب وجه ياسمين وتراجع نشاطها خلال الأسابيع التالية، فقررت أن تزورها دون سابق إنذار. لم تكن هذه أول مرة تشعر فيها رغد بأن شيئًا ما يتغيّر في صديقتها المقربة، فقد بدأت تلاحظ منذ أسبوعين أن ياسمين تتأخر في الرد على رسائلها، وأن حماسها المعتاد للحديث عن تفاصيل يومها قد خفت تمامًا، وكأن شخصًا آخر حلّ محلها. اتصلت بها مرتين في ذلك الصباح دون جواب، فقررت أن تذهب إليها مباشرة بعد انتهاء دوامها، متجاهلة صوتًا داخليًا كان يخبرها أنها ربما تتدخل فيما لا يعنيها.وجدتها جالسة في شقتها بملابس النوم في منتصف النهار، والستائر مغلقة تمامًا وكأنها تختبئ من الضوء ذاته. كانت الشقة التي اعتادت رغد أن تراها مرتبة ومليئة بالحياة، قد تحوّلت إلى مكان كئيب، أكواب قهوة باردة متناثرة على الطاولة، وأوراق مبعثرة، ورائحة خفيفة لغرفة لم تُفتح نوافذها منذ أيام. وقفت رغد عند الباب للحظة، تتأمل المشهد بحزن، قبل أن تتقدم بهدوء وتجلس بجانب صديقتها.جلست بجانبها بصمت طويل، تمسك يدها دون أن تقول شيئًا، تاركة للصمت نفسه أن يفعل ما لا تستطيع الكلمات فعله. مرّت دقائق ثقيلة قبل أن تسألها بلطف غير معتاد: "فيه إيه يا

  • التوأم الرقمي   الفصل الثاني عشر: قرار في الظلام

    جاءت الليلة التي غيّرت كل شيء بهدوء لا يليق بحجم ما حملته. لم تكن هناك عاصفة ولا نذير، بل مساء عادي من مساءات الخريف، برائحة أوراق مبللة بمطر خفيف، وأضواء الإعلانات الهولوغرافية تتراقص فوق الشارع كما تفعل كل ليلة. كانت ياسمين قد قررت، بعد أشهر من الانتظار والتردد، أن "الحب الحقيقي" الذي تعيشه يستحق أن تتجاوز من أجله كل الحدود التي وضعها المجتمع، وكل التحذيرات التي سمعتها. لم يكن قرارها مفاجئًا بقدر ما كان تراكمًا بطيئًا لشهور من العزلة العاطفية والحاجة الملحة لأن تشعر بأنها مرغوبة ومميزة، كقطرات صغيرة تتجمع في وعاء إلى أن تأتي قطرة لا تختلف عن سابقاتها فيفيض.في تلك المرحلة، كانت ياسمين قد التقت بسليم أخيرًا، بعد أشهر طويلة من التأجيل، في لقاء واحد قصير غامض، لم يشبه ما تخيلته، لكنها أقنعت نفسها أن "الواقع دائمًا أقل بريقًا من الخيال". كان اللقاء في حديقة فندق هادئ على أطراف المدينة، تحت مصابيح خافتة تلقي على الأشياء ضوءًا أصفر مبهمًا. وصل متأخرًا نصف ساعة، بقبعة مسدلة ووشاح يخفي نصف وجهه، معتذرًا بأن عينيه تتأذيان من الضوء القوي. تحدث قليلًا وبصوت منخفض، وكان في نبرته ذلك الدفء المأل

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status