LOGINاستقبل كريم برج "مجموعة الأفق" في التاسعة صباحًا، وهو يشعر أن ثيابه الوحيدة الأنيقة، تلك التي ارتداها يوم زفافه قبل سنوات، أضيق مما ينبغي على كتفيه المتعبتين، وكأن الزمن الذي مرّ عليها لم يمرّ على القماش فحسب بل على الرجل الذي يرتديه. كان البرج يلمع تحت شمس باهتة كأنه قطعة من الجليد نُحتت على عجل، وبواباته الزجاجية تنفتح قبل أن تمتد إليها يده، تتعرف على وجهه عبر كاميرا خفية وتنادي اسمه بصوت ناعم: "أهلًا كريم، نتمنى لك يومًا موفقًا". توقف لحظة عند العتبة، يتأمل انعكاس صورته على الزجاج الضخم. لم يعتد أن يُستقبل بهذه الدقة والاهتمام، وهو الذي اعتاد في الأشهر الأخيرة أن تُغلق في وجهه الأبواب والحسابات والرسائل واحدة تلو الأخرى دون كلمة اعتذار.
انتظره صديقه القديم طارق في الردهة الفسيحة، بابتسامة عريضة وقميص بلا ياقة وسوار ذكي يومض بلون أخضر هادئ كلما تحرك معصمه. عانقه بحرارة أطال معها كريم الوقوف، متذكرًا كم افتقد لمسة كتف صديق حقيقي منذ بدأت أزمته. ثم قاده طارق عبر ممرات مضاءة بإضاءة صناعية تحاكي ضوء الغروب بدقة مدهشة، وهو يتحدث بسرعة عن الرواتب والامتيازات والتأمين الصحي الكامل ومقهى مجاني يقدم القهوة على مدار الساعة لموظفي المبنى. "الراتب اللي قلتلك عليه مش مبالغة يا كريم. بس عندنا قاعدة واحدة، واحدة بس، محدش يقدر يكسرها: اللي بيتشاف هنا، بيفضل هنا".
في الطابق الثاني والأربعين، جلس أمام امرأة في منتصف الأربعينيات ترتدي بدلة رمادية أنيقة وتضع نظارة رفيعة تعكس ضوء الشاشات المحيطة، قُدّمت له باسم "نادين، مديرة مختبر الشخصيات". لم تصافحه، بل دفعت نحوه شاشة شفافة رقيقة وقالت بهدوء لا يقبل الجدال: "اتفاقية السرية. بصمة الإصبع وبصمة الصوت". قرأ كريم البنود بسرعة من يخشى أن يغيّر رأيه لو تمهل، ولفت نظره بند واحد وسط عشرات البنود المكتوبة بخط صغير: "يلتزم الموظف بعدم مناقشة طبيعة المستخدمين أو محتوى محادثاتهم حتى مع أفراد أسرته، ولو بعد انتهاء العقد". ضغط بإصبعه دون أن يعلّق، وشعر بشيء يشبه القشعريرة يسري في يده. كانت ابنته تنتظره في مكان ما من هذه المدينة، وكان الإيجار يطرق باب رأسه كل صباح بلا رحمة.
قادته نادين إلى قاعة واسعة بلا نوافذ، جدرانها شاشات تعرض آلاف الخيوط المتوهجة، كل خيط منها محادثة تجري في اللحظة نفسها، تنبض وتتحرك كأنها كائنات حية صغيرة. قالت وهي تشير إلى الجدار المضيء بأكمله: "هؤلاء هم توائمنا. أربعون ألف شخصية تحادث ملايين المستخدمين في وقت واحد. لكل شخصية اسم وعمل وماضٍ مختلق ونبرة تتغير بحسب من تحادثه. أنت هنا لتضبط الدفء". سألها بصوت خافت: "الدفء؟" فأجابت بابتسامة باردة محسوبة: "نعم. الفرق بين رسالة تُنسى ورسالة تُحفظ في لقطة شاشة، يا كريم، هو نصف كلمة وثانيتان من التأخير، لا أكثر ولا أقل".
ابتلع ريقه بصعوبة. لم يكن غبيًا، وقد بدأ يدرك من نبرتها الباردة أن ما يُطلب منه ليس برمجة شخصيات فحسب، بل صناعة شيء يشبه الإدمان بعناية هندسية فائقة. لكنه تذكر كشف الحساب الأحمر الذي يزداد سوءًا كل أسبوع، ونظرة هالة الصامتة المثقلة، ويدَي لينا الصغيرتين حول الدمية القماشية التي لا تفارقها، فأومأ برأسه دون كلام إضافي. كان قد قرر، في لحظة ضعف يصعب لومه عليها، أن يؤجل الأسئلة الأخلاقية إلى ما بعد أول راتب، كما يؤجل المرء ألمًا في الأسنان إلى أن يجد المال الكافي لعلاجه.
مرّ ذلك اليوم سريعًا، بين دورة تدريبية عن "نمذجة التعلق العاطفي" واجتماع مطوّل عن معدلات "التحويل" و"الاستبقاء"، مصطلحات باردة كانت تُقال بلا مبالاة عن قلوب حقيقية لا يعرفها أحد من الحاضرين في تلك القاعة المكيّفة. اكتشف أن كل امرأة أو رجل يسجّل في التطبيق يُصنَّف بدرجات دقيقة: هشاشة، وحدة، قابلية للتعلق، قدرة شرائية. وأن الاشتراك المميز يُعرض تلقائيًا عند أعلى ذروة عاطفية في المحادثة، لا قبلها ولا بعدها بدقيقة واحدة، بتوقيت محسوب بدقة الآلة. سأل طارق وهما يتناولان الغداء في المقصف الفاخر: "هو ده قانوني؟". ضحك طارق كثيرًا، أكثر مما يستحق السؤال، ثم قال وهو يربّت على كتفه: "كل حاجة قانونية يا صاحبي، طالما الناس ضغطوا موافق على العقد اللي محدش بيقراه".
في الرابعة عصرًا، مرّ كريم بجوار مكتب زجاجي في آخر الرواق الطويل، فرأى رجلًا في الخمسينيات يقف أمام نافذة ضخمة يتأمل المدينة بيدين خلف ظهره في سكون تام. عرفه من صور المجلات الاقتصادية: الدكتور مروان الحداد، مؤسس المجموعة، الذي يقال إنه لم يخسر صفقة واحدة في حياته المهنية الطويلة. التفت الرجل فجأة، كأنه شعر بالنظرات المتوجسة، وحدّق في كريم لثوانٍ طويلة بعينين هادئتين لا تحملان أي عدائية ظاهرة، ثم أومأ إليه برأسه إيماءة خفيفة، كمن يعرفه منذ زمن بعيد. ارتبك كريم وأسرع الخطى بعيدًا، وهو يتساءل بقلق كيف لرجل في مثل مكانته أن يلاحظ موظفًا جديدًا لم تمضِ عليه ساعات معدودة في العمل.
في استراحة قصيرة بين الاجتماعات، أخرج هاتفه واتصل بهالة ليطمئن على لينا كعادته. أجابت بصوت مرهق أنها نامت متأخرة وأنها بخير الآن، ثم سألته بحذر واضح عن العمل الجديد الذي بدأه. كذب عليها للمرة الأولى منذ عرفها منذ سنوات، فقال إنه مجرد تطوير برمجيات عادية لشركة كبيرة لا شيء مميز فيها. سكتت هالة لحظة طويلة، ثم قالت: "طيب، الحمد لله يا كريم"، لكن السكوت الذي أعقب جملتها كان أطول مما ينبغي بكثير، وأحسّ أنها تعرف شيئًا لا تريد أن تقوله. أغلق الهاتف، ووقف عند النافذة الزجاجية يتأمل انعكاس وجهه المتعب، فلم يعرف الرجل الذي يحدّق فيه بهذا القدر من التصميم الغريب، وكأنه يتدرّب دون وعي منه على أن يصبح شخصًا آخر تمامًا.
عند المغيب، وبينما كان كريم يهم بالمغادرة بعد يوم طويل مرهق، استوقفته نادين عند المصعد بخطوات هادئة. كانت تحمل بطاقة سوداء صغيرة لامعة، مدّتها إليه وقالت بنبرة خفيفة تخفي شيئًا آخر لم يستطع تحديده: "ستعمل على مشروع خاص. شخصية واحدة فقط، لكنها الأهم عندنا في كل قاعدة البيانات". تجمد كريم في مكانه أمام باب المصعد المفتوح. لم يعرف لماذا شعر برجفة باردة تسري في ظهره عند سماع الاسم الذي نطقته بعد ذلك مباشرة: "اسمها سليم"، كأنه سمعه من قبل في حلم بعيد لا يتذكر تفاصيله. "وهل هو ناجح؟" سأل بصوت خرج أخفض مما أراد، وكأن حباله الصوتية ارتجفت قليلاً. ابتسمت نادين، ولأول مرة بدا في ابتسامتها شيء يشبه الرضا الحقيقي العميق: "سليم هو أنجح ما صنعناه على الإطلاق. ولهذا بالذات، ستحتاج إلى أن تتعلم كيف تتنفس مثله تمامًا".
لم يفهم عبارتها الأخيرة الغامضة، لكنها لم تمنحه فرصة ليسأل أو يستوضح. أشارت بإصبعها الرشيق إلى نهاية الممر الأيمن الطويل، حيث بابٌ معدني رمادي كُتب عليه بحروف صغيرة مضيئة بلون أزرق باهت: "غرفة 9". قالت وهي تستدير للمغادرة: "غدًا، الثامنة صباحًا بالضبط. لا تتأخر، فهو لا يحب الانتظار على الإطلاق". ثم استدارت ومضت بخطوات واثقة، تاركة كريم واقفًا أمام المصعد المفتوح، يحدّق في البطاقة السوداء بين أصابعه المرتجفة قليلاً، وقد بدا له، في وهم عابر لا يمكن تفسيره، أن الباب المعدني البعيد يهمس باسمه في صمت الممر الطويل.
لم تنم ياسمين تلك الليلة. جلست على أرضية غرفتها، وملف نادية مفتوح أمامها كجرح لا يُغلق، وهاتفها موضوع على بعد متر منها كأنه شيء ملوث. كانت الساعة قد تجاوزت الثالثة فجرًا حين أطفأت أخيرًا مصباح القراءة، ليس لأنها نامت، بل لأنها لم تعد تحتمل النظر إلى تلك الصفحات التي تحمل تفاصيل حياتها موثقة بخط غريب بارد.في الصباح، وصلتها رسالة من رغد: «تعالي إلى المكتب. وجدنا شيئًا عن الاسم.»كانت رغد قد أمضت الليل كله تبحث، مستعينة بصديق يعمل في مجال حماية البيانات الرقمية، عن كل أثر يمكن أن يقود إلى حقيقة «سليم». لم تنم هي الأخرى، وحين وصلت ياسمين إلى المكتب الصغير الذي تستأجره رغد كمساحة عمل حرة، وجدتها محاطة بأكواب قهوة فارغة، تحدق في شاشة حاسوبها بوجه شاحب أنهكه السهر.«ماذا وجدتِ؟» سألت ياسمين وهي تخلع معطفها بحركة آلية، عقلها ما زال معلقًا بتلك الصفحة الفارغة التي رأتها الليلة الماضية في ملفها الخاص.أدارت رغد الشاشة نحوها ببطء، وكأنها تخشى أن يكون ما ستراه ياسمين ثقيلًا للغاية. كانت صفحة قديمة، محذوفة منذ سنوات لكن أرشيف الإنترنت احتفظ بنسخة باهتة منها: موقع تعريفي بسيط، بتصميم عفا عليه الزم
لم يكن أمام كريم إلا ثلاث دقائق.ثلاث دقائق بين دورية الحراسة الأولى والثانية، وثلاث دقائق قبل أن تتحول بطاقة الدخول القديمة في جيبه إلى قطعة بلاستيك بلا قيمة، حين يتنبه النظام أخيرًا إلى أن اسمه ما زال حيًا فيه.كان يقف عند الباب الخلفي للمبنى منذ الحادية عشرة والنصف، يراقب الحارس وهو يشرب الشاي ويقلب هاتفه. حين استدار الحارس أخيرًا نحو الواجهة الأمامية، تحرك كريم.مرّر البطاقة على القارئ الإلكتروني. ظل الضوء أحمر ثانيتين طويلتين، ثم صار أخضر.همس لنفسه: «الحمد لله أنهم لا يحذفون شيئًا.»دخل.كان الممر خاليًا، بارد الضوء، تفوح منه رائحة المكيفات والسجاد الجديد. تجاوز الغرف التسع التي قضى فيها شهورًا يعيش بأصوات لا تخصه، وتجاوز غرفة 9 دون أن ينظر إليها، وهو يعرف أن الجملة المكتوبة تحت المكتب ما زالت هناك.لا تحبها. إنهم يريدونك أن تحبها.لم يكن قد قال لأحد أنه يحفظها كما يحفظ الأدعية. كان يتلوها كل صباح في السيارة، قبل أن يصعد، ثم يتوقف عند اسم ياسمين ولا يكمل.نزل السلم الخلفي إلى الطابق الأرضي، ثم إلى الطابق الذي لا يظهر في لوحة المصعد. كان الهواء أثقل هناك، وأبرد، وكأن المبنى كله ي
لم تكن عيادة د. نادية تشبه العيادات.لا سماعة طبية على المكتب، ولا شهادات معلقة على الجدران، ولا رائحة مطهرات. كان فيها مصباح واحد مضاء، وثلاثة فناجين قهوة باردة، وملف كرتوني سميك وضعته نادية بين ياسمين ورغد كما توضع ورقة الحكم أمام المتهم.جلست ياسمين على حافة الكرسي، وكأنها تستعد للهرب. كان هاتفها في حقيبتها مطفأً منذ ساعتين، وكانت تشعر مع ذلك أنه يراقبها.قالت نادية دون مقدمات: «اختفى أحد عشر شخصًا في ثلاث سنوات. وأنتِ الثانية عشرة، إن لم نحسبك ناجية.»ابتلعت ياسمين ريقها.«أنا لم أختفِ. هو الذي اختفى.»«هذا بالضبط ما قالته الأخريات.»فتحت نادية الملف وبدأت تبسط الصفحات على الطاولة الواحدة تلو الأخرى: صور، لقطات شاشة، تواريخ، أرقام هواتف مشطوبة. كل صفحة تحمل اسمًا، وتحت الاسم عبارة واحدة مكتوبة بخط أحمر: «انقطع الاتصال».قالت رغد بصوت خافت: «كلهم كانوا على التطبيق؟»«كلهم. وكلهم كانوا على وشك الانتقال من الكلام إلى اللقاء. ثم ينقطع كل شيء دفعة واحدة، فلا رسائل ولا أرقام ولا حسابات. كأن الشخص الآخر لم يوجد أصلًا، وكأن هؤلاء النساء والرجال تخيلوا كل شيء.»«وكيف عرفتِ أنتِ؟»نظرت نادي
مرّ أسبوعان كاملان دون أي إشارة من سليم. كانا أسبوعين ثقيلين على ياسمين، تمر ساعاتهما ببطء غريب، وكأن الزمن نفسه توقف عند اللحظة التي أرسلت فيها آخر رسالة له. حاولت ياسمين الاتصال به بكل الوسائل المتاحة: رسائل التطبيق، بريد إلكتروني قديم تبادلا فيه رسالتين فقط في بداية تعارفهما، وحتى محاولة البحث عن أي حساب آخر يحمل اسمه على منصات التواصل الاجتماعي. جربت أسماء مختلفة، وصورًا محتملة، وبحثت في كل زاوية تخيلت أنها قد تقودها إليه، لكنها لم تجد شيئًا؛ كأن الرجل الذي أمضت معه أشهرًا من حياتها العاطفية قد تبخّر فجأة، تاركًا خلفه فراغًا لا يمكن وصفه.في محاولة أخيرة يائسة، فتحت التطبيق نفسه لتجد رسالة تلقائية تفيد بأن الحساب "تم إيقافه بناءً على طلب المستخدم". قرأت الجملة مرارًا وتكرارًا، وكأنها تنتظر أن تتغير كلماتها في كل مرة، أو أن تجد فيها تفسيرًا مختلفًا عمّا تعنيه فعلًا. لكن المعنى ظل ثابتًا لا يتغير: هو من اختار الرحيل، بإرادته الكاملة، دون أن يترك ولو كلمة وداع واحدة. شعرت بصدمة أعمق من أي وقت مضى؛ فالاختفاء المفاجئ لم يكن نتيجة ظرف طارئ كما اعتادت أن تُقنع نفسها في الأيام الأولى من ص
في يوم عطلته الأسبوعية، ذهب كريم كعادته لزيارة لينا في دار الحضانة. كان الطريق إلى هناك قد أصبح جزءًا ثابتًا من أسبوعه، يعرف كل منعطف فيه، وكل إشارة مرور، وكأن سيارته تسير به وحدها دون أن يحتاج إلى التفكير. لكن رغم اعتياده على هذا الطريق، لم تخفّ العقدة التي تتشكل في صدره كل مرة يقترب فيها من الدار، عقدة مزيج من الشوق والذنب، شوق لرؤية ابنته وذنب لأنه لم يعد الشخص الذي يحتضنها كل يوم كما كان يفعل قبل الطلاق.كانت ابنته قد بدأت تعتاد على النظام الجديد لحياتها، تلعب مع أطفال آخرين، وتتعلم كلمات جديدة كل أسبوع، وأصبحت أكثر استقلالية مما كانت عليه قبل أشهر قليلة. لاحظ كريم هذا التغيّر بمزيج من الفخر والحزن، فخر لأن ابنته تتأقلم وتنمو بشكل جيد، وحزن لأن جزءًا كبيرًا من هذا النمو يحدث بعيدًا عنه، في مكان لا يشاركها فيه يومياتها الصغيرة. لكن نظراتها حين ترى والدها تحمل دائمًا سؤالاً صامتًا: "هترجع تعيش معايا إمتى؟". لم يكن لدى كريم إجابة يقينية يقدمها لها، فاكتفى، كعادته، بأن يحتضنها بقوة ويعدها بأنه "قريب جدًا هيكون كل حاجة تمام".جلس معها في حديقة الدار الصغيرة، يراقبها وهي ترسم بألوان زاه
لاحظت رغد شحوب وجه ياسمين وتراجع نشاطها خلال الأسابيع التالية، فقررت أن تزورها دون سابق إنذار. لم تكن هذه أول مرة تشعر فيها رغد بأن شيئًا ما يتغيّر في صديقتها المقربة، فقد بدأت تلاحظ منذ أسبوعين أن ياسمين تتأخر في الرد على رسائلها، وأن حماسها المعتاد للحديث عن تفاصيل يومها قد خفت تمامًا، وكأن شخصًا آخر حلّ محلها. اتصلت بها مرتين في ذلك الصباح دون جواب، فقررت أن تذهب إليها مباشرة بعد انتهاء دوامها، متجاهلة صوتًا داخليًا كان يخبرها أنها ربما تتدخل فيما لا يعنيها.وجدتها جالسة في شقتها بملابس النوم في منتصف النهار، والستائر مغلقة تمامًا وكأنها تختبئ من الضوء ذاته. كانت الشقة التي اعتادت رغد أن تراها مرتبة ومليئة بالحياة، قد تحوّلت إلى مكان كئيب، أكواب قهوة باردة متناثرة على الطاولة، وأوراق مبعثرة، ورائحة خفيفة لغرفة لم تُفتح نوافذها منذ أيام. وقفت رغد عند الباب للحظة، تتأمل المشهد بحزن، قبل أن تتقدم بهدوء وتجلس بجانب صديقتها.جلست بجانبها بصمت طويل، تمسك يدها دون أن تقول شيئًا، تاركة للصمت نفسه أن يفعل ما لا تستطيع الكلمات فعله. مرّت دقائق ثقيلة قبل أن تسألها بلطف غير معتاد: "فيه إيه يا







