Share

الفصل 30

Author: لافندر
last update publish date: 2026-09-24 00:09:28

الفصل الثلاثون

غادر الطبيب المستشفى في وقت متأخر من الليل، والملف الخاص بنمر بحوزته.

منذ أن ظهرت نتيجة التحاليل، لم يستطع التخلص من ذلك الشعور المقلق الذي لازمه.

كان هناك شيء غير طبيعي.

شيء لم يجد له تفسيرًا.

وضع الملف إلى جواره، ثم انطلق بسيارته.

لم يقطع مسافة طويلة.

وفجأة…

حدث الاصطدام.

فقد السيطرة على السيارة، وانحرفت عن الطريق قبل أن ترتطم بقوة.

توقفت السيارة بعد لحظات، وبقي الطبيب في الداخل دون حراك.

تجمع بعض المارة حولها، وسرعان ما وصلت سيارة الإسعاف.

أُخرج الطبيب من السيارة ونُقل إلى المستشفى.

أما الملف…

فبقي داخل السيارة.

⸻

مرت الأيام التالية بهدوء ظاهري.

وفي منزل جنى، الذي كان هدية أركان لها بمناسبة زواجها، كانت الاستعدادات الأخيرة تُجرى لإتمام زواجها من أياد.

لم يكن حفلًا كبيرًا.

مجرد مراسم مختصرة، بحضور عدد محدود من المقربين، وكأن الجميع أراد أن تمر الليلة بأقل قدر ممكن من الضجيج.

لكن بالنسبة إلى جنى…

كان هناك شيء واحد ينقصها.

والدها.

كانت تنظر بين الحين والآخر إلى المكان الخالي، وكأنها ما زالت تنتظر أن يتراجع عن قراره ويحضر.

لكنه لم يفعل.

ولم يكتفِ برفض الحضور بنفسه، بل رفض أيضًا أن تأتي والدتها.

وحين علمت جنى بذلك، انطفأت ابتسامتها.

لم تكن تريد الكثير.

كانت تتمنى فقط أن تكون عائلتها إلى جوارها في يوم كهذا.

جلست للحظات بصمت، ثم مسحت دمعة سقطت دون أن تشعر بها.

اقتربت منها جلنار وجلست إلى جوارها.

— هل أنتِ بخير؟

هزت جنى رأسها، رغم أن عينيها قالتا العكس.

— أنا بخير… فقط تمنيت أن يكون أبي هنا.

نظرت إليها جلنار بحزن.

لم تجد ما تقوله.

فبعض الأشياء لا تستطيع الكلمات إصلاحها.

وبعد قليل، جاء أياد.

تبادلا النظرات للحظات، ثم مد يده إليها.

ترددت جنى قبل أن تضع يدها في يده.

لم يكن الطريق الذي أوصلهما إلى هذه اللحظة سهلًا، لكنها اتخذت قرارها.

ستكمل.

ولن تسمح للحزن أن يجعلها تتراجع الآن.

بدأت مراسم الزواج بهدوء، وانتهت سريعًا.

وحين أصبحت جنى زوجة أياد، ابتسمت للجميع…

لكن قلبها ظل يبحث عن وجهين لم يكونا موجودين.

والدها…

ووالدتها.

⸻

في نهاية اليوم، وقفت جلنار في الخارج، ترفع عينيها نحو السماء.

كان القمر يضيء المكان بهدوء، وتتناثر النجوم من حوله.

أخذت نفسًا عميقًا، محاولة أن تهدئ الأفكار التي ازدحمت في رأسها طوال اليوم.

لم تسمع أركان يقترب منها إلا عندما قال:

— هل أنتِ حزينة؟

التفتت إليه.

— لا.

ابتسم ابتسامة خفيفة.

— أنتِ سيئة جدًا في إخفاء حزنك.

خفضت عينيها، ثم قالت:

— كنت أفكر في جنى… تمنيت لو كان والدك إلى جانبها.

صمت أركان للحظة.

ثم قال:

— أحيانًا لا نستطيع اختيار من يقف إلى جانبنا… لكننا نستطيع اختيار من نبقى إلى جانبه.

رفعت جلنار عينيها إليه.

كانت كلماته بسيطة، لكنها شعرت أنها تحمل معنى أكبر مما قاله.

وكأن حديثه لم يكن عن جنى وحدها.

اقترب منها خطوة.

— جلنار…

توقفت أنفاسها قليلًا.

لكنه بقي صامتًا.

نظرت إليه باستغراب.

— ما بك؟

ظل ينظر إليها للحظات، ثم قال:

— أريد أن أخبرك بشيء.

شعرت أن نبرته مختلفة.

— ماذا؟

تردد قليلًا قبل أن يقول:

— قررت أن أسافر.

اتسعت عيناها.

— تسافر؟ إلى أين؟

— إلى الخارج.

صمتت للحظة، ثم سألت:

— ولماذا؟

نظر أركان إلى السماء قبل أن يجيب:

— أريد إكمال دراستي.

بدت المفاجأة على وجهها.

— الآن؟

ابتسم ابتسامة خفيفة.

— ليس هناك وقت مثالي لأي شيء.

ثم أضاف:

— أريد أن أصل إلى رتبة أعلى. منصبي الحالي كضابط مخابرات ليس نهاية الطريق بالنسبة لي.

ظلت جلنار تنظر إليه بصمت.

كانت تعرف أن طموحه شيء جيد.

بل ربما كانت أول من يجب أن يشجعه عليه.

لكن شيئًا في داخلها لم يكن سعيدًا بهذا القرار.

— وكم ستبقى هناك؟

— لا أعرف بعد.

كانت الإجابة بسيطة…

لكنها أثقلت قلبها بطريقة لم تفهمها.

حاولت أن تخفي ذلك، فقالت:

— هذا شيء جيد لك. إذا كنت تريده، فعليك أن تفعله.

التفت إليها أركان.

— هل هذا كل ما ستقولينه؟

ارتبكت.

— ماذا تريدني أن أقول؟

ظل ينظر إليها لثوانٍ.

ثم قال بهدوء:

— لا أعرف.

ساد الصمت بينهما.

كانت جلنار تريد أن تقول شيئًا…

أي شيء.

لكن الكلمات بقيت عالقة في حلقها.

نهض أركان، ثم قال:

— سأغادر قريبًا.

رفعت رأسها إليه.

— قريبًا؟

أومأ.

— نعم.

ثم استدار ومضى.

بقيت جلنار مكانها، تراقب ابتعاده.

خطوة…

ثم أخرى…

حتى اختفى عن نظرها.

وللمرة الأولى منذ أن بدأ أركان يقترب منها…

لم تشعر بالراحة لفكرة ابتعاده.

بل شعرت بشيء آخر.

شيء أخافها أكثر مما توقعت.

خفضت عينيها، وضمت يديها إلى صدرها وهمست لنفسها:

— لماذا أشعر أنني لا أريدك أن تذهب؟

Continue to read this book for free
Scan code to download App
Comments (1)
goodnovel comment avatar
نايف خالد
إبداع أين التكمله
VIEW ALL COMMENTS

Latest chapter

  • الخطايا السبع    الفصل 30

    الفصل الثلاثونغادر الطبيب المستشفى في وقت متأخر من الليل، والملف الخاص بنمر بحوزته.منذ أن ظهرت نتيجة التحاليل، لم يستطع التخلص من ذلك الشعور المقلق الذي لازمه.كان هناك شيء غير طبيعي.شيء لم يجد له تفسيرًا.وضع الملف إلى جواره، ثم انطلق بسيارته.لم يقطع مسافة طويلة.وفجأة…حدث الاصطدام.فقد السيطرة على السيارة، وانحرفت عن الطريق قبل أن ترتطم بقوة.توقفت السيارة بعد لحظات، وبقي الطبيب في الداخل دون حراك.تجمع بعض المارة حولها، وسرعان ما وصلت سيارة الإسعاف.أُخرج الطبيب من السيارة ونُقل إلى المستشفى.أما الملف…فبقي داخل السيارة.⸻مرت الأيام التالية بهدوء ظاهري.وفي منزل جنى، الذي كان هدية أركان لها بمناسبة زواجها، كانت الاستعدادات الأخيرة تُجرى لإتمام زواجها من أياد.لم يكن حفلًا كبيرًا.مجرد مراسم مختصرة، بحضور عدد محدود من المقربين، وكأن الجميع أراد أن تمر الليلة بأقل قدر ممكن من الضجيج.لكن بالنسبة إلى جنى…كان هناك شيء واحد ينقصها.والدها.كانت تنظر بين الحين والآخر إلى المكان الخالي، وكأنها ما زالت تنتظر أن يتراجع عن قراره ويحضر.لكنه لم يفعل.ولم يكتفِ برفض الحضور بنفسه، بل رف

  • الخطايا السبع    الفصل 29

    الفصل التاسع والعشرونلم تكن الرحلة إلى تركيا هادئة كما توقع الجميع.جلس أركان في المقعد الأمامي للسيارة، بينما جلست جلنار إلى جوار أمجد في الخلف.ومنذ مغادرتهم الفندق، لم يتحدث أحد تقريبًا.كانت جلنار تحدق من النافذة، لكن عقلها لم يكن مع الطريق.كانت تستعيد اللحظات الأخيرة التي جمعتها بأركان…غضبه منها.قلقه عليها.واعترافه، بطريقة لم تعتدها منه، بأنه كان خائفًا من أن يصيبها مكروه.ولأول مرة منذ وقت طويل، شعرت أن شيئًا ما يتغير داخلها.شيء لم تعد قادرة على تجاهله.رفعت عينيها نحوه من خلال المرآة.كان أركان ينظر إلى الطريق بصمت، ولم يلتفت إليها منذ أن غادروا الفندق.ابتسمت بخفة.ثم قالت:“أركان.”لم يجب.رفعت صوتها قليلًا:“أركان.”التفت إليها عبر المرآة.“ماذا؟”قالت وهي تحاول إخفاء ابتسامتها:“ما زلت غاضبًا؟”نظر إليها لثوانٍ، ثم أعاد عينيه إلى الطريق.“نعم.”رفعت حاجبها.“رغم كل ما حدث؟”أجاب دون تردد:“خصوصًا بعد كل ما حدث.”تدخل أمجد من المقعد الخلفي بهدوء:“أعتقد أن بإمكانكما تأجيل هذا النقاش حتى نصل.”نظر إليه أركان عبر المرآة.“وأعتقد أن بإمكانك الاهتمام بما حولك بدلًا مني.”أ

  • الخطايا السبع    الفصل 28

    الفصل الثامن والعشرونبعد ساعات من المواجهة مع أياد، هدأت الأمور أخيرًا.كان أركان قد اتفق معه على العودة إلى جنى والزواج منها، مقابل أن يتحمل مسؤولية طفله، على أن يبقى أمر الطلاق لاحقًا سرًا بينهما.أما جنى، فلم تكن تعرف شيئًا عن هذا الاتفاق.كانت تظن أن أياد سيعود إليها لأنه اختارها واختار طفله، بينما الحقيقة كانت مختلفة تمامًا.وبعد أن اطمأن أركان إلى أن أياد لن يهرب مجددًا، قرروا العودة إلى تركيا في اليوم التالي.في تلك الليلة، كانت جلنار تقف أمام نافذة الفندق، تنظر إلى أضواء المدينة بصمت.منذ وصولها إلى روسيا، لم تحصل على لحظة واحدة للتفكير.كل شيء حدث بسرعة…أياد.حمل جنى.مواجهة أركان له.والاتفاق الذي لم يكن سهلًا على أي منهم.ثم أمجد…وأسراره التي لم تستطع جلنار أن تتجاهلها.وأخيرًا أركان نفسه.ابتسمت دون أن تشعر.فبعد كل ما حدث، كان أكثر ما بقي في ذهنها هو اللحظة التي وقف فيها أركان أمام أياد، وأصر على أن يتحمل مسؤولية طفله.لم يكن مضطرًا للتدخل إلى ذلك الحد.لكنه فعل.ولسبب ما، جعلها ذلك تراه بطريقة مختلفة.جاء طرق خفيف على الباب.استدارت جلنار.كانت تعرف من الطارق.فتحت ال

  • الخطايا السبع    الفصل 27

    الفصل السابع والعشرونتوقفت جلنار عن الحركة للحظات، وهي تنظر إلى أمجد بقلق.قال أمجد وهو يراقب الطريق من خلف زجاج المقهى:“الرجل غادر المبنى… لكنه لم يتجه إلى المكان الذي توقعناه.”ضيقت جلنار عينيها.“إلى أين ذهب؟”أجابها أمجد:“المطار.”تبادلت جلنار وأمجد نظرة سريعة.قالت جلنار بحزم:“إذن علينا التحرك.”نهض أمجد من مكانه، وأشار إلى رجاله بأن يتابعوا الرجل من بعيد دون أن يثيروا انتباهه.بعد وقت قصير، كانت جلنار تقف داخل المطار، تراقب رجلًا يحمل حقيبة صغيرة ويتلفت حوله بين الحين والآخر.لم تكن بحاجة إلى صورة كي تعرفه.لقد كان هو.أياد… شقيق كارمن.ذلك الرجل الذي يبحث عنه أركان منذ فترة.راقبته جلنار بصمت، ثم قالت لأمجد:“لا أريده أن يعرف أننا وصلنا إليه.”نظر إليها أمجد باستغراب.“ولماذا؟”“لأنني أريد أن أسمع منه أولًا.”توقف أمجد للحظة، ثم قال:“وإذا رفض الكلام؟”أجابته جلنار دون تردد:“سأجد طريقة أجعله يتكلم.”ابتسم أمجد بسخرية خفيفة.“أنت تخاطرين كثيرًا.”أجابته جلنار:“لقد اعتدت.”تحركت باتجاه أياد، بينما بقي أمجد على مسافة قريبة يراقب المكان.لكن قبل أن يخطو خطوة أخرى…لمح أمجد شخ

  • الخطايا السبع    الفصل 26

    الفصل السادس والعشروناستيقظت جنى على ضوء الشمس المتسلل من بين ستائر الغرفة.مدّت يدها إلى الجانب الآخر من السرير، لكنها لم تجد جلنار.رفعت رأسها بسرعة، ثم جلست وهي تنظر حولها.— جلنار؟لم يجبها أحد.نهضت من السرير وخرجت من الغرفة، وأخذت تبحث في أرجاء الشقة، لكنها لم تجدها، كما لم تجد أركان.كانت الشقة هادئة وخالية تمامًا.تنهدت جنى بضيق، ثم عادت إلى الغرفه . قررت أن تستحم بماء دافئ يعيد النشاط إلى جسدها، وبعد أن انتهت، ارتدت ملابس مريحة وربطت شعرها، ثم توجهت إلى المطبخ.أعدت لنفسها إفطارًا صحيًا وشهيًا، وهي تحاول أن تقنع نفسها بأن عليها أن تبدأ بالاهتمام بطفلها القادم، وألا تسمح للخوف والارتباك بأن يسيطرا عليها.جلست إلى الطاولة، وأخذت هاتفها لتجد مكالمة فائتة من والدتها، وعدة مكالمات أخرى من كارمن.تجمدت ملامحها للحظة.ثم اتصلت بكارمن.لم تمضِ سوى ثوانٍ حتى أجابت الأخرى.— لماذا لم تجيبي على اتصالي؟أجابت جنى ببرود:— كنت نائمة، ماذا تريدين بعد ما فعلته بي أمام أركان؟تنهدت كارمن بضيق.— ليس هذا هو المهم الآن.— إذن ماذا؟— طلبت من أركان أن يتزوج بي مقابل أن أخبره بمكان أخي… لكنه ر

  • الخطايا السبع    الفصل 25

    الفصل الخامس والعشروناقتربت جلنار حتى وقفت أمام كارمن مباشرة، بينما ظل أركان يراقبها بقلق، خشية أن تكون قد أساءت فهم مارأته .قالت جلنار بهدوء:— عندما رأيتكِ للمرة الأولى، لم أشعر بالارتياح تجاهكِ… كنت أعلم أن هناك شيئًا تدبرينه أنتِ وجنى.ثم التفتت إلى جنى وقالت:— هل تعلمين أن شقيق كارمن سافر إلى روسيا برفقة حبيبته السابقة؟اتسعت عينا جنى بدهشة، ونظرت إلى كارمن.— ماذا؟! كيف ذلك؟! قلتِ لي إنه ذهب في رحلة عمل!ابتسمت كارمن بسخرية وقالت:— وما شأني أنا بكِ؟ أنتِ من سلمتِ نفسكِ له بهذه السرعة.ساد الصمت للحظات.كانت كلمات كارمن كافية لإشعال غضب أركان.تقدم نحو جنى بغضب، وكاد أن يرفع يده عليها، لكن جلنار أسرعت بالوقوف أمامه وأمسكت بذراعه.— أركان، اهدأ أرجوك.حاول التقدم، لكنها استوقفته بحزم.— الأمور لا تُحل هكذا… دعني أنا أتولى الأمر.نظر إليها أركان للحظات، ثم تراجع.أما جنى فاختبأت خلف جلنار وهي ترتجف.التفتت جلنار إلى كارمن وقالت ببرود:— وأنتِ ارتدي شيئًا محتشمًا وغادري من هنا، لا مكان لكِ بيننا.»رمقتها كارمن بنظرة غاضبة، ثم استدارت وغادرت المكان دون أن تنطق بكلمة أخرى.ساد الص

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status