تراتيل الرصاص والياسمين

تراتيل الرصاص والياسمين

last updateLast Updated : 2026-03-30
By:  Jannat lgouch Ongoing
Language: Arab
goodnovel4goodnovel
Not enough ratings
9Chapters
512views
Read
Add to library

Share:  

Report
Overview
Catalog
SCAN CODE TO READ ON APP

​في بقعة من الأرض نسيها السلام، حيث لا صوت يعلو فوق أزيز الرصاص، تولد حكايات لا تشبه غيرها. هناك، حيث تذبل الورود قبل أوانها، قُدر لقلبين أن يلتقيا في توقيت خاطئ. هو.. رجل طبعه من حجر، لا يعرف في قاموسه سوى الطاعة والواجب، يحمل في جيبه رسائل حبه القديم كتميمة ضد الموت. وهي.. أنثى بجمالٍ يربك الفوضى، هادئة كبحرٍ عميق، ناضجة كشجرة زيتون معمرة، وجدت نفسها مجبورة على مقاسمة الجنود خبزهم المر وخوفهم المستتر. بين ركام الخيبة وبريق الأمل، تبدأ قصة "ندى" و"ليث".. حكاية عن امرأة لا تكسرها الحرب، ورجل ظن أن قلبه قد مات، حتى أحيته نظرة

View More

Chapter 1

الفصل الأول: زائر الهدوء وسط ضجيج الرماد

​كانت الشمس تلملم بقايا خيوطها الشاحبة من أفق "قطاع الجحيم"، تاركةً وراءها سماءً بلون الجروح المفتوحة. في ذلك الممر الضيق المؤدي إلى مقر القيادة، كانت المدرعة العسكرية تئن تحت وطأة الطريق الوعر، قبل أن تتوقف بنفضةٍ عنيفة قذفت بالغبار في كل اتجاه. انفتح الباب الثقيل بصريرٍ حاد، وخرجت منه "ندى".

​وقفت لثوانٍ تستنشق ذلك الهواء المثقل برائحة البارود والتراب. لم تكن ندى تشبه المكان في شيء؛ كانت بجمالها الساحر ونعومتها الظاهرة تبدو كزهرة ياسمين نبتت فجأة وسط حقل من الألغام. ملامحها مرسومة بدقة مذهلة، وعيناها الواسعتان العميقتان تحملان نظرة ناضجة، هادئة، وكأنها رأت من أوجاع الدنيا ما يكفي لتصمت وتراقب. لم تكن هنا بمحض إرادتها، فقد رُميت في هذا القطاع المعزول بقرار إداري جائر أخرجها من مختبرها الهادئ في المدينة ليضعها أمام فوهات المدافع.

​أصلحت معطفها الأبيض الذي كانت تحمله على ذراعها، وتحركت بخطوات واثقة، غير آبهة بنظرات الجنود المتعبة والفضولية التي لاحقتها. كانت تشعر بثقل الحقيبة الطبية في يدها، لكن ثقل المسؤولية في قلبها كان أعظم.

​داخل الغرفة القاتمة التي اتخذها القائد "ليث" مكتباً له، كان الصمت سيد الموقف، لا يقطعه إلا صوت صرير قلم الرصاص وهو يخطط على خرائط عسكرية مهترئة. ليث، ذلك الرجل الذي نُحت قلبه من صخر الجبهات، كان يقف بظهره العريض، منكباه يحملان أوزار كتيبة كاملة. كان يرتدي بذلته العسكرية المموهة التي التصقت بها آثار الدماء والتراب، وشعره الأسود الكثيف تخللته بعض الخصلات الشيب المبكر رغم صغر سنه.

​التفت ليث بحدة حين سمع وقع أقدام على الأرض الخشبية المتهالكة. عقد حاجبيه الكثيفين، وبرزت في عينيه الحادتين نظرة استنكار ممزوجة ببرودٍ قاتل. لم ينظر إليها كأنثى فاتنة، بل نظر إليها كعبءٍ جديد أُضيف إلى قائمة أعبائه.

​ـ "من أنتِ؟ ومن سمح للمدنيين باختراق حرم القيادة في هذا الوقت؟" صرخ بصوت جهوري رخيم، هز أركان الغرفة.

​توقفت ندى على بعد خطوات منه. لم ترف أجفانها، ولم يهتز ثباتها أمام نبرته الآمرة. رفعت رأسها قليلاً، وبرز عنقها الطويل لتعطيه نظرة ندّ لند، وقالت بصوت ناعم، هادئ، لكنه يحمل صرامة غير متوقعة:

ـ "أنا الدكتورة ندى.. الجراحة المسؤولة عن دعم النقطة الطبية في هذا القطاع. وهذه أوراق انتدابي الرسمية، سيادة القائد."

​تقدم ليث نحوها بخطوات ثقيلة، اختطف الأوراق من يدها بفظاظة لا تليق إلا بجندي أمضى حياته بين الرصاص. ألقى نظرة سريعة على السطور، ثم سخر بضحكة باردة لم تصل لعينيه:

ـ "طبيبة جراحة؟ وبهذا الجمال؟ هل يعتقدون في العاصمة أننا نقيم حفلة شاي هنا؟ أيتها الدكتورة، هذا القطاع يُسمى قطاع الجحيم، هنا لا نحتاج لملامح رقيقة، بل نحتاج لسواعد قوية ومشارط لا ترتجف. وجودكِ هنا مجرد خطأ إداري، وسأحرص على تصحيحه وإعادتكِ في أول مدرعة غداً."

​نظرت ندى إليه مطولاً، كانت تدرس ملامحه الصارمة، والجرح القديم الذي يزين طرف حاجبه الأيمن. لم يغضبها كلامه، بل أثار في نفسها نوعاً من التحدي الصامت. وضعت حقيبتها على الطاولة الخشبية ببطء مقصود، وقالت ببرود أذهله:

ـ "سيادة القائد ليث.. لستُ هنا لأعرض جمالي، ولستُ هنا لأنتظر إذناً منك بالبقاء أو الرحيل. لقد جئتُ لأنقذ أرواح جنودك الذين يسقطون كل ليلة لأنهم لا يجدون من يلملم جراحهم بمهنية. إذا كنت ترى في وجودي عبئاً، فذلك لأنك لا ترى أبعد من فوهة بندقيتك. وبدلاً من إضاعة الوقت في محاولات طردي، أرشدني إلى المكان الذي سأبيت فيه، فغداً لدي الكثير من العمل."

​شعر ليث بالغليان في صدره. لم يسبق لامرأة أن خاطبته بهذا التحدي، ولم يسبق لأحد أن تجرأ على تجاهل سلطته بهذا الهدوء القاتل. كان يظنها "ناعمة" ستنهار عند أول غارة، لكنه وجد نفسه أمام جدار من الجليد الصلب.

​ـ "عمر!" صرخ ليث منادياً مساعده المقرب.

دخل "عمر" مسرعاً، وهو جندي شاب يتميز بروح طيبة رغم قسوة الظروف. تسمرت عيناه على ندى لثوانٍ، وقد أخذ منه الانبهار كل مأخذ؛ فلم يسبق له أن رأى مثل هذا الجمال في هذه الأرض القاحلة.

ـ "نعم سيدي القائد؟" تمتم عمر وهو يحاول استعادة توازنه.

ـ "خذ هذه.. الدكتورة.. إلى القبو السفلي. جهز لها مكاناً للنوم، وأعلمها بقوانين المنطقة الصارمة. لا أضواء، لا تجول بعد الغروب، ولا تذمر من قلة الإمدادات."

​خرجت ندى خلف عمر دون أن تلتفت أو تعطيه فرصة للرد. راقب ليث طيفها وهو يختفي خلف الباب، وشعر لأول مرة بارتباك طفيف لم يعهده. عاد إلى كرسيه المهترئ، وأخرج من جيبه الداخلي القريب من قلبه محفظة جلدية قديمة، أخرج منها صورة لفتاة شقراء ناعمة الملامح تُدعى "سما". تنهد بعمق، وهو يلمس الصورة وكأنها طوق نجاته الوحيد.

​ـ "سأعيدها غداً.." همس لنفسه وهو يحدق في صورة سما، "هذا المكان لا يليق بالياسمين، ولا أريد أن أعتاد على وجود عطرٍ يذكرني بما فقدته."

​لم يكن يعلم ليث أن هذه الطبيبة "الناعمة" التي يحاول طردها، تمتلك روحاً أقوى من صخر جبالهم، وأنها ستكون هي الشخص الوحيد الذي سيشهد انهيار حصونه الواحد تلو الآخر. لم يكن يدرك أن تلك الليلة كانت بداية النهاية لرسائل سما، وبداية لترتيلة جديدة سيكتبها الرصاص وتفوح منها رائحة الياسمين الصامد وسط الركام.

​انتهى اليوم الأول، وبينما كان ليث غارقاً في خرائط الحرب، كانت ندى في القبو السفلي، ترتب أدواتها الجراحية تحت ضوء شمعة خافت، وعيناها الواسعتان تعكسان تصميماً لا يلين، وكأنها كانت تعد نفسها لاقتحام قلب القائد قبل أن تقتحم جراح الجنود.

Expand
Next Chapter
Download

Latest chapter

More Chapters
No Comments
9 Chapters
الفصل الأول: زائر الهدوء وسط ضجيج الرماد
​كانت الشمس تلملم بقايا خيوطها الشاحبة من أفق "قطاع الجحيم"، تاركةً وراءها سماءً بلون الجروح المفتوحة. في ذلك الممر الضيق المؤدي إلى مقر القيادة، كانت المدرعة العسكرية تئن تحت وطأة الطريق الوعر، قبل أن تتوقف بنفضةٍ عنيفة قذفت بالغبار في كل اتجاه. انفتح الباب الثقيل بصريرٍ حاد، وخرجت منه "ندى".​وقفت لثوانٍ تستنشق ذلك الهواء المثقل برائحة البارود والتراب. لم تكن ندى تشبه المكان في شيء؛ كانت بجمالها الساحر ونعومتها الظاهرة تبدو كزهرة ياسمين نبتت فجأة وسط حقل من الألغام. ملامحها مرسومة بدقة مذهلة، وعيناها الواسعتان العميقتان تحملان نظرة ناضجة، هادئة، وكأنها رأت من أوجاع الدنيا ما يكفي لتصمت وتراقب. لم تكن هنا بمحض إرادتها، فقد رُميت في هذا القطاع المعزول بقرار إداري جائر أخرجها من مختبرها الهادئ في المدينة ليضعها أمام فوهات المدافع.​أصلحت معطفها الأبيض الذي كانت تحمله على ذراعها، وتحركت بخطوات واثقة، غير آبهة بنظرات الجنود المتعبة والفضولية التي لاحقتها. كانت تشعر بثقل الحقيبة الطبية في يدها، لكن ثقل المسؤولية في قلبها كان أعظم.​داخل الغرفة القاتمة التي اتخذها القائد "ليث" مكتباً له، ك
Read more
الفصل الثاني: رماد الأماني ونور المشرط
​مرت الساعات الأولى من الليل على "ندى" في ذلك القبو الطبي الموحش كأنها دهرٌ كامل. كان المكان تفوح منه رائحة الرطوبة الممزوجة بالمعقمات القوية، جدرانه رمادية كئيبة تآكلت أطرافها بفعل الزمن والقصف. لكن ندى، ببرودها المعهود ونضجها الذي يسبق سنوات عمرها، لم تمنح نفسها ترف الشكوى. خلعت معطفها الأبيض، ولفّت أكمام قميصها بهدوء، ثم بدأت بحركة آلية ومنظمة في ترتيب أدواتها الجراحية فوق طاولة معدنية صدئة. كانت تلمس المشارط والملاقط وكأنها تعيد ترتيب أفكارها؛ فكل قطعة سلاح في يدها كانت مشروع حياةٍ جديدة لجنودٍ لا تعرفهم، لكنها أُجبرت على مقاسمتهم هذا الجحيم.​في الطابق العلوي، كان ليث يقف أمام النافذة الوحيدة في مكتبه، يراقب الظلام الدامس الذي يلف القطاع. كان التوتر ينهش أعصابه، ليس بسبب التهديد العسكري المستمر، بل بسبب تلك "الياسمينة" التي زُرعت في قبو منزله العسكري رغماً عنه. استفزه هدوؤها؛ كان يتوقع أن يرى في عينيها انكساراً أو رغبة في التوسل للعودة إلى ترف المدينة، لكنه وجد جداراً صلباً من الكبرياء الأنثوي الذي لم يعهده. أخرج من جيبه سيجارة، أشعلها بيده الخشنة، ونفث دخانها في وجه الريح البارد
Read more
الفصل الثالث: شظايا الأمس.. ونيران الغد
​استيقظت "ندى" في قبوها الطبي على صوت زخات المطر وهي تضرب السقف المعدني بعنف، وكأن السماء تقرع طبول حربٍ جديدة. قامت ببطء، لفت شالها الصوفي حول كتفيها لتتقي برودة المكان، وقررت الصعود للمطبخ العلوي بحثاً عن كوب شاي يطرد هذا الخمول. عند زاوية الممر المظلم المؤدي للمكاتب، تجمدت في مكانها؛ كان "ليث" يجلس خلف مكتبه، المصباح الزيتي يلقي بظلاله الحادة على وجهه المرهق. لم يكن يلحظ وجودها، كان يمسك بورقةٍ مجعدة، يقرأها ويعيد قراءتها وعيناه تلمعان ببريقٍ منكسر لم تعهده فيه من قبل، ثم فجأة، وبحركة يائسة، مزق الورقة إلى أشلاء صغيرة ونثرها فوق الخريطة العسكرية كأنها بقايا حلمٍ محطم.​انسحبت ندى بهدوء نحو المطبخ، حيث وجدت "عمر" يغلي الماء. نظر إليها عمر بحزنٍ لم يستطع إخفاءه، وقال بهمس: "لقد عرفتِ، أليس كذلك؟ الرسالة كانت من البلدة.. سما، الفتاة التي انتظرها ليث ثلاث سنوات وسط الموت، تزوجت بالأمس من تاجر غني. الحرب سرقت منه سنواته، والآن سرقت منه أمله الوحيد في العودة."​هزت ندى رأسها بصمت، والآن فقط فهمت سر القسوة المفرطة التي يعامل بها الجميع؛ إنه ليس شريراً، بل هو إنسان يحاول التمسك بآخر ذرة كب
Read more
الفصل الرابع: نبضٌ في عتمة الروح
​ساد صمتٌ مرعب لثوانٍ أعقب دوي الانفجار وانقطاع الأنوار. لم يكن يُسمع في القبو سوى أنفاس الجرحى المتهدجة وصوت قطرات الماء التي تسربت من سقف الغرفة المهتز. "ندى!" صرخ ليث في الظلام، ونبرة صوته كانت تحمل ذعراً لم يسبق له مثيل، ذعراً ليس على حياته، بل على تلك الروح الصغيرة التي وضعها بين يديها.​"أنا هنا يا ليث.. لا تتحرك!" ردت ندى بصوتٍ رخيم، هادئ بشكلٍ عجيب وسط هذه الفوضى. شعرت بيده الخشنة تمسك بكتفها في العتمة، كانت يده ترتجف، وهي المرة الأولى التي يلمسها فيها، لمسة لم تكن مقصودة بقدر ما كانت بحثاً عن مرساة في بحر من الضياع.​أخرج ليث ولاعته المعدنية، أشعلها بضغطةٍ مرتجفة، ليرتسم ظلهما الضخم على الجدران الرمادية. كان وجه ندى في ذلك الضوء البرتقالي الخافت يبدو كوجه قديسة؛ لم يظهر عليها أثر الخوف، بل كانت عيناها الواسعتان مركزتين تماماً على جسد الطفلة الصغير.​"أمسك الولاعة جيداً، وقرب الضوء من صدرها.. الآن!" أمرته ندى بنبرة حادة لا تقبل التردد.​أطاعها القائد مستنكرا ووقف بجانبها يحمل تلك الشعلة الصغيرة وكأنه يحمل حياته كلها. بدأت ندى بالعمل بمشرطها الصغير، يداها الناعمتان تتحركان بسرع
Read more
الفصل الخامس: حصار الأرواح
​لم يكد "ليث" يغلق باب القبو خلفه حتى اهتزت الأرض تحت قدميه بدوي انفجارٍ زلزل أركان المقر القديم. الغبار الكثيف ملأ الممرات، وصوت الرصاص صار قريباً لدرجة أنه يخترق الجدران. لم يكن هجوماً عادياً هذه المرة، بل كان محاولة اقتحام صريحة.​"عمر! أين سلمان؟" صرخ ليث وهو يلقم سلاحه ببراعة جندي لا يعرف الخوف.ظهر "سلمان" من خلف حاجز ترابي؛ وهو قناص الكتيبة، رجلٌ صامت كالقبر، ذو عينين صقريتين لا تخطئان الهدف، كان هو "عين" ليث في المهمات المستحيلة.ـ "سيدي! لقد طوقوا الجهة الغربية، والقناصة اعتلوا المبنى المقابل للمستشفى الميداني!" قال سلمان بنبرة هادئة مرعبة.​تصلبت ملامح ليث. القناصة يعني أن أي جندي أو مصاب يتحرك نحو القبو سيكون صيداً سهلاً. نظر نحو الدرج المؤدي لأسفل حيث تقبع ندى مع الطفلة والجرحى، وشعر بنارٍ تأكل صدره. "سلمان.. لا تدع أحداً منهم يرمق باب القبو بنظرة. احمِ الدكتورة والجرحى بروحك!"​في الأسفل، كانت "ندى" تعيد ربط شاشٍ حول ذراع جندي مصاب حين انهمرت الأتربة من السقف. لم تصرخ، بل ضغطت على يد الجندي المذعور وقالت بصوتٍ ثابت: "اثبت.. نحن بأمان ما دام السقف فوقنا." لكن داخلها كان يغ
Read more
الفصل السادس: جحيمُ الوادي وصمتُ الياسمين
​ساد سكونٌ ثقيل داخل القبو بعد تهديد مكبرات الصوت، لم يقطعه سوى أنينٍ خافت لواحد من الجرحى وصوت احتكاك السلاح بملابس الجنود. وقف "ليث" خلف الباب الحديدي، عيناه تلمعان في العتمة كذئبٍ يحمي عرينه. تلمس كتفه المضمد بشاش "ندى" الأبيض، وشعر بحرارة يدها لا تزال عالقة بجسده، مما أعطاه قوةً لم يدرك مصدرها.​ـ "سيدي.. النيران تأتي من المبنى الإداري القديم المهجور في جهة الشمال، ومن خلف أكوام الحطام عند المدخل الرئيسي،" همس سلمان القناص وهو يضبط عدسة منظاره من شقٍ صغير في الجدار العلوي، "لقد نصبوا لنا فخاً مُحكماً، إنهم يسيطرون على المرتفعات المحيطة بالساحة."​قبض ليث على بندقيته بقوة، والآن فهم الخطة؛ العدو لم يكن يهاجم عشوائياً، بل كان يطبق الحصار من "النقطة العمياء" التي يصعب الرد عليها. التفت نحو ندى التي كانت تجلس القرفصاء بجانب الطفلة، ملامحها هادئة بشكلٍ مرعب، لكن قبضتها على "المشرط الجراحي في جيبها كانت تخبره أنها مستعدة للموت قبل الاستسلام.​ـ "عمر.. سلمان.. استعدوا للالتفاف،" قال ليث بصوتٍ مبحوح مشحون بالخطر، "سأخرج من الفتحة الخلفية لأجذب نيرانهم نحو الحاجز الترابي، وعندما يبدأون بال
Read more
الفصل السابع: عبقُ البارود.. وعناد الياسمين
​خرجت "ندى" من بوابة القبو الحديدية كأنها طيفٌ انبعث من وسط الركام. لم يكن خروجها انتحاراً، بل كان تمرداً صاعقاً على منطق الحرب الذي يفرض على النساء الاختباء. كان الغبار يلف جسدها الممشوق، ومعطفها الأبيض الملطخ بدماء الجرحى يرفرف خلفها كراية استسلامٍ رفضت أن تُرفع.​في الجهة المقابلة، عند الحاحز الترابي المنهار، كان "ليث" يحاول استعادة توازنه، الدماء تسيل من ساقه بغزارة، وعينه لا تفارق المهاجمين اللذين اقتربا منه بخطواتٍ واثقة، ظناً منهما أنه صيدٌ سهل. صرخ ليث بصوتٍ مبحوح وهو يرى ندى تتقدم في العراء: "ارجعي يا ندى! ادخلي فوراً!"​لكن ندى لم تسمع، أو ربما تظاهرت بذلك. رفعت المسدس بيدٍ ثابتة لم يظن أحد أنها تملكها، وأطلقت رصاصةً أصابت الساتر الخشبي بجانب المهاجم الأول، مما أجبرهما على الانحناء خلف الحطام. استغل "سلمان" القناص هذه الثواني الذهبية من موقعه العلوي، ليحصد أحدهما برصاصةٍ دقيقة سكنت رأسه.​وصلت ندى إلى ليث، ألقت بنفسها خلف الحاجز بجانبه والبارود يملأ رئتيهما. نظرت في عينيه المشتعلة بالغضب والذهول، وقالت وهي تلهث بجمالٍ أربك حواسه: "ألم أقل لك أن تعود حياً؟ القادة لا يسقطون ي
Read more
الفصل الثامن: أنينُ الوادي.. وقسمُ الأطباء
​استعادت "ندى" وعيها ببطء على صوت أزيزٍ حاد في أذنيها. كان الدخان الكثيف يملأ مقصورة المدرعة المقلوبة، ورائحة الزيت المحترق تخنق الأنفاس. حاولت تحريك يدها، لتجدها عالقة تحت مقعد "ليث" الذي كان يميل بجسده الضخم فوقها، فاقداً للوعي والدماء تغطي جبينه الأسمر. لم تبكِ ولم تصرخ؛ بل استجمعت كل ذرة نضجٍ في روحها، وبدأت بسحب جسدها من بين الحطام بمرونةٍ أدهشتها هي شخصياً.​خارج المدرعة، كان "وادي الصمت" يغرق في ضبابٍ كثيف، وأضواء الكشافات البعيدة تقترب ببطء كعيون وحوشٍ جائعة. التفتت ندى نحو "جواد" الذي كان يحاول فتح الباب الخلفي المهشم، وجهه ملطخ بالتراب لكنه لا يزال متمسكاً بسلاحه.ـ "جواد يا جواد! ساعدني.. القائد لا يتنفس بانتظام!" نادته بصوتٍ هامس ضعيف ​هرع جواد إليها، ومعاً استطاعا سحب ليث من المدرعة ووضعه خلف حاجزٍ صخري ضخم يحميهم من الرياح الباردة ومن أعين المتسللين. جثت ندى على ركبتيها بجانبه، لم تمسك سلاحاً، بل فتحت حقيبتها الطبية التي لم تتركها حتى في لحظة الانقلاب. بدأت أصابعها تتحرك بسرعة وبحذر ، تفحص نبضه، وتوقف نزيف رأسه بقطع شاشٍ نظيفة. كانت في تلك اللحظة تجسد معنى "الطبيبة"؛ قو
Read more
الفصل التاسع: أرشيفُ الظل
​دفع ليث الباب الحديدي بكل ثقله، كان صوت احتكاك المعدن بالأرض الصخرية يثقب الأذن وسط سكون الوادي. بمجرد أن صاروا في الداخل، أطبق المزلاج بقوة، وساد صمتٌ مفاجئ قطع صدى الانفجارات في الخارج. رائحة المكان لم تكن مجرد غبار؛ كانت رائحة "زمن متوقف"، هواء ثقيل لم يتجدد منذ سنوات طويلة.​"ندى.. تحركي بعيداً عن الباب،" قال ليث وهو ينهج، صوته كان يخرج بصعوبة وكأن الرصاصة في ساقه تسحب أنفاسه من صدره. تعثر في خطوته، وكاد يسقط لولا أن ندى أسندته بسرعة، كتفها الصغير حمل ثقله المنهك دون تردد.​"اجلس هنا يا ليث، لا تضغط على ساقك أكثر،" قالت ندى بصوتٍ منخفض لكنه حاد من فرط التركيز. أخرج جواد قداحة صغيرة، أشعلها ليرتعش ضوء ضئيل كشف عن ممر خرساني عريض. لم يكن ملجأً عادياً، بل كان يبدو كقاعدة إمداد عسكرية محصنة بعناية فائقة.​بينما كانت ندى تحاول فحص جرح ليث في ذلك الضوء الشحيح، سمعوا وقع أقدامٍ منتظمة تأتي من عمق الممر. تجمد ليث، يده تحركت آلياً نحو مسدسه الفارغ، لكن جواد سبقه برفع سلاحه نحو الظلال.​"لا داعي للسلاح.. الرصاص لا ينفع مع الموتى،" خرج الصوت هادئاً، رزيناً، ومن خلف الزاوية ظهر رجلٌ خمسيني،
Read more
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status