分享

102

作者: Faten Aly
last update publish date: 2026-06-25 11:29:41

طريق العودة... الطريق الذي طالما كان طيفًا يراود جفونهم في ليالي الاغتراب، ويسري في عروقهم كأملٍ مستحيل، صار أخيرًا حقيقة صلبة تحت أقدامهم المجهدة.

وعلى عتبات هذا الطريق، بدأت المتاعب تتلاشى وتتساقط عن كاهلهم واحدة تلو الأخرى، وكأن عناء السنين الطويلة قد انسكب على جنباته بلا رجعة، مفسحًا المجال لدفء الوطن. لم يعد يهمهم الآن ما الذي تغيّر في غيابهم، أو كيف تبدلت ملامح الشوارع؛ فالأهم والأعظم أنهم عادوا... عادوا إلى أرضٍ احتضنت صرخاتهم الأولى، وإلى أهلٍ ورُفقاء ما زالوا ينبضون في ثنايا الذاكرة ا
在 APP 繼續免費閱讀本書
掃碼下載 APP
已鎖定章節

最新章節

  • الرحلة 301   110

    استيقظت نهى على دفءٍ غامر وسحرٍ مباغت لم تعتده بمثل هذه الكثافة الفطرية من قبل، لتجد جسدها الصغير مستلقيًا بالكامل بين ذراعي عمر القويتين، محاطة بحضنه الجارف الذي كان يطوّقها بإحكام وشغف، كما لو كان يحميها من مخاوفها الدفينة ومن صخب العالم كله. فور تذكّرها تفاصيل ما حدث ليلة البارحة من استسلامٍ رقيق، اشتعل وجهها بحمرة الخجل القانية؛ لم تقاومه الأمس، بل كانت تذوب بين يديه شوقًا حارقًا تغلغل في عروقها، بل وربما كانت في سريرة نفسهاأكثر شبقًا وشوقًا منه لنيل هذا الخلاص. تململت بخفة ودلال محاولة الانسحاب بنعومة من بين ذراعيه، لكن ذراعه اشتدت على خصرها بحسمٍ عاشق، وصوته الناعس الرخيم تسلّل إلى أذنها ليفترش وجدانها: – "رايحة فين بالسرعة دي وفي أول الصباح؟" تلعثمت وتبدلت نبرتها كأن الكلمات تسقط من شفتيها المرتجفتين - يقوم… أجهز عشان ألحق الشغل. فتح عمر عينيه نصف فتحة، وارتسمت على ثغره ابتسامة دافئة وهو يهمس بنبرة تقطر حنانًا - لا يا روحي... مفيش نزول، إحنا واخدين إجازة رسمية من الدنيا كلها النهاردة… ساد الصمت أرجاء الغرفة لثوانٍ معدودات، لكنه لم يكن صمت راحة، بل صراع طاحن بين قلبٍ يتمن

  • الرحلة 301   109

    مرت عليهم أول ليلة في كنف الوطن، ليلة ربتت فيها الجدران المألوفة على قلوبهم المجهدة بعد رحلة شتات كادت تودي بأعمارهم. ورغم كل ما تتميز به جزيرة "كالاتيا" الأسطورية من جمالٍ ساحر، وطبيعة بكر، وعزلة غامضة، إلا أن عبير تراب الوطن كانت له نكهة مغايرة لا تضاهيها أرض في الكون، ولا يُضاهي حضنه حضنٌ آخر. فالوطن في وعيهم العائد لم يكن مجرد رقعة جغرافية يخطون عليها، بل هو حنان الأمهات المنتظرات، وشقاوة الطفولة المخبأة في الحارات، والأمان المطلق الخالص الذي عجزت غياهب الغربة عن منحه لهم ولو لدقيقة واحدة. وفي صباح اليوم التالي، انقشع ظلام تلك الليلة الطويلة، واستيقظ الجميع على خيوط ضوء الشمس الدافئة وهي تتسلل برقة ودلال من بين شقوق نوافذ البيوت العتيقة، لتمسح عن أجفانهم غبار الماضي، وكأنها تبشرهم ببعثٍ جديد وبداية مشرقة لطالما حلموا بها. كان هذا هو أول يوم حقيقي لهم على أرض الوطن؛ يومٌ جاء محمَّلاً بفيضٍ من الذكريات المنسية والمفاجآت المؤجلة. يومٌ بدا واضحًا أنه سيحمل لبعضهم حلاوة الشوق وعناق الخلاص، بينما سيحمل للبعض الآخر مرارة المواجهة وصدمة الواقع الذي تبدل في غيابهم. لكن الأكيد الذي لم يخ

  • الرحلة 301   108

    - خطيبتك؟... جيلان؟ سقطت الكلمة من فم بهاء كأنها نصلٌ ثقيل شقّ هدوء المقصورة. كانت الصدمة مرسومة بوضوح على ملامحه التي شحب لونها، وكأن الحياة قد استنزفت من عروقه في لحظة. تابع بمرارة ولسانٍ ثقيل، وكأن الحروف تُنتزع قسراً من بين ضلوعه - آخر حاجة كنت أتوقعها في دنيتي... إيه، جيت تواسيها على غيابي، فحبيتها يا صاحبي؟ ياريتني ما رجعت... ياريتني فضلت مدفون في رمال الجزيرة ولا إني أرجع أشوفك إنت وهي... كانت عيناه المتقدتان بخيبة أملٍ لا توصف تتأملان الفراغ، بينما الأرض من تحته تبدو وكأنها تتصدع وتنشق لتبتلعه. شعر بهاء وكأن ستارة سوداء مخملية ثقيلة قد أُسدلت على عالمه بفظاظة، حاجزةً خلفها كل أملٍ في حياةٍ طبيعية. بدأ قلبه يخفق ببطء شديد، نبضاتٍ متثاقلة كأنها تعلن انسحاب الحياة من جسده نحو ظلامٍ أبدي. حاول أن يشهق بحثاً عن الأكسجين، لكن الهواء خان صدره الضيق، وأصبح وجوده في تلك اللحظة عبئاً ثقيلاً لا يطاق. أما أمجد، فقد كان يتطلع إليه بهدوء مريب هدوء العارف بمرارة المواقف ثم فجأة، أطلق ضحكة خفيفة، غريبة التوقيت، كانت كفيلة بأن توقع بهاء في حيرة أعظم. لم يكن ذلك رد فعلٍ انتظره بهاء؛ لا تبري

  • الرحلة 301   107

    سادت في تلك اللحظة الرهيبة لحظة من الصمت الثقيل، صمت خانق تكاد تسمع فيه دقات القلوب الواجفة. حدّقت وفاء في عينيه المشتعلتين بالغل والرفض، وللمرة الأولى تراجعت خطوة؛ لم تعد ترى في هذه اللحظة رجلاً ضعيفًا عائدًا من الغياب يستجدي رضاها، بل بدأت ترى بذكائها الحربي وجوه الجيران المتربصة على الأبواب، ولمحت النظرات الشامتة، والكلام الذي سيُقال في ظهرها، والأحاديث التي ستنمو كالأورام الخبيثة في الحارة. لن يسمح كبرياؤها الأنثوي الطاغي بأن تُرى أمام المجتمع كمن لفظت زوجها وطردته في ليلة عودته من الموت، ولا كمن ماتت غيرة من امرأة صامتة مكسورة وقفت بلا كلمة واحدة. فتنفست الصعداء بقوة... وغيرت نبرة صوتها الحادة في ثانية واحدة كما يبدّل الثعبان جلده المرقط بالسم. وبصوت زائف، مغلّف برداء الطيبة والمسكنة المصطنعة، قالت وهي تخفض يديها - حقك عليا يا حسن... أنا بس اتخضّيت ومبقتش في وعيي... الوضع مش سهل علينا كلنا والصدمة كانت شديدة. خلاص... كفاية كلام وزعل لحد كده، خلينا نرتاح الليلة دي وكل حاجة هتتفاهم وتتحل بعدين . هدومكم الغريبة دي مش مناسبة خالص، ادخلوا غيروها، وأنا هطلع لها حالا حاجة من دولابي ت

  • الرحلة 301   106

    الرحلة بدت في عيونهم أطول وأكثر إنهاكًا مما توقّعوا بمراحل، وكأن الإسفلت الأسود يمطّ نفسه تحت عجلات السيارة، ويلفّ خيوطه الأبدية حول مصائرهم بلا نهاية مأجورة. ألقى بهاء بجسده المتهالك المتعب إلى الخلف فوق مقعد السيارة، فأنّ ظهره وعموده الفقري من فرط الإجهاد المتراكم طوال رحلة الغياب العاتية، وفضحت عيناه الغائرتان رغبة شديدة، بل جوعًا جارفًا في الانسحاب التام من مشهد العودة الصاخب. لم يعد الرجل يملك طاقة ضئيلة للاستمرار أو قيادة الدفة، لا جسدًا أضنته الغربة، ولا ذهنيًا تشتت بين الوجوه والمقابر. لقد بدأت أنفاسه تتثاقل في صدره، وأعلن جسده العصيان الشامل مستسلمًا للراحة، أما العقل المنهك فقد رفع راية الاستسلام البيضاء، مطالبًا بهدنة حتمية وعاجلة من التفكير، والتوتر، والسيناريوهات المفتوحة التي قد تنفجر في وجهه عند كل منعطف. أغمض بهاء عينيه لثوانٍ معدودات، يرجو غفوة تسرق عقله، ثم تمتم بصوت واهن، خفيض ومبحوح - أنا كده جبت آخري... لازم أروّح بيتي بقى النهاردة... وأكمّل بقية المشاوير والأمانات بكرة... بجد مش قادر، حاسس إني بموت ساد الصمت أرجاء السيارة للحظة قصيرة، صمت ثقيل غلّف الأنفاس، ق

  • الرحلة 301   105

    في ذات اللحظة، كان حسن يجلس في المقعد الخلفي للسيارة، محاطًا بصمتٍ ثقيل خانق، وعيناه شاردتان تراقبان المجهول عبر زجاج النافذة الموشى بظلال الليل. شعر وكأن عقارب الساعة تتثاءب بكسل، تسير ببطء سلحفاة عجوز فقدت شغفها بالحياة، وكأن الزمن نفسه يتواطأ ضده ليؤجّل تلك اللحظة الفاصلة... لحظة عودته إلى عالم الأحياء. كان في طريقه إلى بيته، إلى زوجته، لكنه مع كل متر تقطعه السيارة، لم يعد واثقًا من قراره. رأسه يعج بأسئلة معلّقة ومخاوف تأبى الصمت، تنهش عقله بضراوة.... ماذا لو تزوجت؟ ماذا لو فعلت مثل زوجة محمود وبدأت حياة جديدة مع غيري؟ ماذا لو أصبحت غريبة عني ولم أعد أعرفها؟ حاول حسن أن يطرد أشباح شكوكه السوداء، فتحدث بصوت خافت مسموع كمن يقنع نفسه بوهم الأمان - مستحيل وفاء تعمل كده... مش عشان بتحبني وبس، لا... بس دي ست أصيلة وعارفة تقاليدنا كويس، وبتعمل ألف حساب لكلام الناس والمجتمع... دي بتخاف من خيالها لو اتحرك رعبًا من القيل والقال.... أكيد عاشت الفترة دي كلها بتربي العيال وبس، عشان تقف قدام المراية وتقول أنا صنت العِشرة وما اتجوزتش بعده. انتزعته صرخة بهاء القوية من عمق شروده وهو يضغط على ال

  • الرحلة 301   البارت الرابع والأربعون

    كانت الكلمة الأخيرة صاعقة مدمّرة، لم يتوقع أشرف أبدًا أن تجرؤ على نطقها؛ تجمد في مكانه لثوانٍ بدت كالأزل، وعيناه تتأرجحان بعنف بين ألم داخلي دفين واستغراب مميت. انطفأت شعلة الغضب في عينيه ليحل محلها انكسار رجل جُرح في أعمق نقطة من كبريائه، ثم ردد بنبرة متمردة، خافتة، وكأنه يحاول استيعاب حجم صدمته ف

  • الرحلة 301   البارت الثالث والأربعون

    - أبي قال لي إن الناس كلها الليلة كانت مبهورة ومذهولة بالأكل... وكانوا بيلفوا ويسألوا في كل مكان مين الطباخ العبقري اللي طهاه قالتها مشمشة بفرح طفولي عارم وهي تلوّح بكفيها الصغيرتين في الهواء كالفراشة، فكأنما بكلماتها العفوية تلك قد أهدته قطعة غالية من السماء. لم يملك يوسف نفسه من فرط الغبطة؛ تلاش

  • الرحلة 301   البارت الثانى والأربعون

    انتهت للتو من آخر محاضراتها الثقيلة، وضعت سماعات الهاتف في أذنيها بآلية دون أن تُشغّل أي مادة صوتية، فقط لتمنح نفسها درعًا واقيًا وعزلة مؤقتة تفصلها عن ضجيج العالم الخارجي الصاخب. خرجت من القاعة بخطى هادئة، رصينة، وهي تحكم قبضتها على كتبها الجامعية وتضمها إلى صدرها بقوة وكأنها تتشبث بالورق كرفيق وح

  • الرحلة 301   البارت الحادى والأربعون

    كانت تسير مع الفتيات في طريق العودة، لكن روحها غادرت جسدها لتظل معلقة هناك، في المدى الفاصل بين الحلم والواقع. كانت شاردة تماماً، مأخوذة بزلزال داخلي يبعثر طمأنينتها، وتتساءل في سرها بجنون هل ما رأيته في ساحة الدار كان حقيقة ملموسة، أم أن الشوق استبدّ بي فخلق لي من السراب طيفاً؟ حاولت جاهدة أن تنفض

更多章節
探索並免費閱讀 優質小說
GoodNovel APP 免費暢讀海量優秀小說,下載喜歡的書籍,隨時隨地閱讀。
在 APP 免費閱讀書籍
掃碼在 APP 閱讀
DMCA.com Protection Status