Share

.....

last update publish date: 2026-10-11 00:16:14

​في صباح اليوم التالي، كانت أشعة الشمس الباهتة تخترق نوافذ مستشفى "المتطورة" القديمة، لكن الأجواء داخل القسم كانت أشبه بساحة معركة صامتة. لم تستطع مريم أن تغمض عينها طوال الليل؛ كانت صورة الشاب الصيني "لينغ" وهو يغرس تلك الإبر الذهبية بدقة مرعبة تنقش نفسها في عقلها دون انقطاع.

​دخلت مريم إلى غرفة الاستراحة الخاصة بالممرضين والمتدربين، وكانت عيناها تبحثان بلهفة بين الوجوه حتى وجدته. كان جالسًا في زاويته المعتادة، يعيد ترتيب أدواته البسيطة بملامح وجه هادئة تخلو من أي توتر، وكأن شيئًا لم يكن البارحة.

​اقتربت منه بخطوات سريعة وحاسمة، ووقفت أمامه مباشرة، مسبعة ذراعيها صدرها وقالت بصوت خفيض لكنه حاد:

​"إلى متى ستستمر في تمثيل دور المتدرب الأبكم يا سيد لينغ؟"

​رفع لينغ عينيه السوداوين بهدوء، ولم تظهر على وجهه أي علامة ذعر أو ارتباك. نظر إليها ببساطة وقال بنبرته الهادئة:

​"صباح الخير يا دكتورة مريم. هل النوم لم يكن كافيًا الليلة الماضية؟ وجهكِ يبدو متعبًا."

​تنهدت مريم بغضب مكتوم وقالت:

​"لا تحاول تغيير الموضوع وتجنب حديثي! البارحة، تلك الطفلة... ما فعلته لم يكن طبًا حديثًا معروفًا، ولا حتى حظًا صدفة. إنها تقنية متقدمة جداً من الوخز بالإبر التقليدي، ولا يقدر عليها سوى معالج محترف أمضى عقودًا في دراسة مسارات الطاقة البشرية! من أنت حقًا ولماذا تختبئ هنا في مستشفى شعبي يكاد يسقط فوق رؤوسنا؟"

​نظر إليها لينغ لفترة طويل, كأنه يقيس مدى صدقها ونقاء نيتها، ثم تنهد تنهيدة خفيفة خرجت من أعماقه، وقال بصوت هامس لا يسمعه سواهما:

​"بعض الأسرار يا مريم، إن كُشِفت باكرًا، جلبت معها رياحًا لا تقوى جدران هذا المكان على تحمّلها. في وطني القديم، تركت خلفي اسماً كبيرًا، وصراعات عائلية لا تنتهي حول مناصب وسلطة مزيفة. جئت إلى هنا لأبحث عن شيء واحد فقط: طب حقيقي، يداوي جروح البشر بصدق، لا ليزين ألقاب الأثرياء."

​أثّرت كلماته في قلب مريم بعمق. شعرت أن خلف هذا الغموض قصة ألم وقهر لم تكتمل فصولها بعد. فتحت فخها لترد، لكن قاطع صوت مكبر الصوت المزعج في أرجاء المستشفى صراخ الطوارئ:

​"حالة طارئة في الاستقبال! حادث سيارة مروع، مصابان بحالة خطيرة، والدكتور رؤوف غير موجود!"

​تقلص وجه مريم بالتوتر، والتفتت فورًا نحو الباب، لكن لينغ وقف بهدوء ووضع يده على كتفها بحركة خفيفة وواثقة، وقال ونظرات الحسم تلمع في عينيه:

​"لا تقلقي... هذه المرة، لن نعمل في الظل وحدنا."

​لم تكن عبارة لينغ الأخيرة مجرد وعد عادي؛ فبمجرد أن انفتح باب الطوارئ على مصراعيه، هبّ عصف من الصراخ والفوضى ليغرق المكان. دفع المسعفون نقالتين متجاورتين تعلوهما آثار الدماء والتراب، وسط صرخات أهل المصابين الذين لحقوا بسيارة الإسعاف.

​كان الحادث مروعًا؛ تصادم مروع بين شاحنة وسيارة نقل صغيرة على الطريق السريع القريب من الحي الشعبي. المصاب الأول كان شابًا في العقد الثاني من عمره، يعاني من إصابة حرجة في منطقة الصدر ونزيف داخلي حاد تسبب في هبوط مفاجئ في الدورة الدموية، بينما كان المصاب الثاني يعاني من كسور مضاعفة.

​تجمدت الدموع في عيون الممرضين لحظة رؤيتهم لحالة الشاب الأول؛ فقد كان شاحب الوجه، وجهاز قياس نبضات القلب يُصدر ذلك الصوت المستمر والمزعج الذي يعلن قرب توقف الحياة: (بيییییيب...).

​صرخت إحدى الممرضات بذعر وهي تنظر للشاشة:

​"الضغط ينهار تمامًا! النزيف الداخلي في الصدر سريع جدًا ولا توجد وحدات دم مطابقة في بنك الدم القريب! سنفقده خلال دقائق!"

​تقدمت مريم بسرعة البرق، محاولة إجراء إنعاش قلبي رئوي (CPR)، لكن الوضع كان أكبر من إمكانيات الوحدة البسيطة، ولم يكن الدكتور رؤوف قد وصل بعد من غرفته. شعرت مريم بعرق سردي يغطي جبينها، ويأس حارق يمزق قلبها؛ فهي لا تملك الوقت الكافي لانتظار سيارة إسعاف أخرى تنقله لمستشفى مركزي.

​في تلك اللحظة الحاسمة، ظهر لينغ بجانبها. لم يكن يرتدي كمامته بالطريقة العادية هذه المرة، بل كانت نظراته حاسمة، باردة كصقيع الشتاء، وتكشف عن ثقة مطلقة وثقل شخصية لا يمت للتدريب بصلة.

​وضع يده على كتف مريم بقوة خفيفة لكنها واثقة، وقال بصوت عميق اخترق فوضى المكان:

​"تنحي قليلاً يا دكتورة... الآن دوري."

​رفعت مريم عينيها إليه، ورغم رعب الموقف، رأت في عينيه وميضًا غريبًا طمأن قلبها بشكل لا تفسير له. ابتعدت خطوة للوراء وهي تومئ برأسها.

​لم يضيّع لينغ ثانية واحدة. بمهارة خارقة تشبه جراحًا ماهرًا يعمل في ظروف ميدانية قاسية، أخرج حافظة الإبر الذهبية الكبرى. وبحركات أشبه بضربات البرق، غرس أربع إبر طويلة ودقيقة في مسارات محددة حول القفص الصدري ورقبة الشاب.

​لم تكن مجرد إبر، بل كان يضغط بإبهامه برفق على نقاط طاقة معينة في توقيتات محسوبة بدقة مذهلة. استخدم تقنية "الضغط الإباري المغناطيسي الداخلي" لإبطاء تدفق الدم نحو الشرايين المتضررة وإيقاف النزيف الداخلي المؤقت عبر تحفيز الجهاز العصبي الذاتي للمريض.

​مرت خمس ثوانٍ وكأنها دهر كامل...

​وفجأة، توقف صوت الإنذار المزعج لجهاز القلب! اهتزت الشاشة، وعادت الخطوط الخضراء ترتفع وتنخفض بانتظام مذهل وثابت! انخفض معدل النزيف الداخلي بشكل شبه سحري، واستعاد الشاب لونه الطبيعي تدريجيًا.

​صعق الممرضون في الغرفة وسقطت أوراق المتابعة من يد أحدهم من شدة الذهول. أما مريم، فوقفت فاغرة الفم، غير مصدقّة لما تراه عيناها: لقد أوقف نزيفًا داخليًا قاتلًا في أقل من دقيقة وبضع إبر معدنية!

​التفت لينغ نحو مريم بملامح هادئة، وقال بصوت حازم:

​"النزيف توقف مؤقتاً والضغط استقر، هذا يمنحنا عشرين دقيقة فقط لإجراء الجراحة اللازمة وخياطة الشريان الممزق هنا في غرفة العمليات البسيطة. هل تساعدينني؟"

​ابتلعت مريم لعابها ببطء، وشعرت أن الخوف اختفى ليحل محله إعجاب عميق وجارف بهذا الطبيب الغامض، فهزت رأسها بحماس وقالت بصوت ثابت:

​"لنبدأ فورًا!"

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • الطبيب المعجزة المتخفي   .....

    ​كانت السيارة السوداء الفاخرة تشق طريقها بسرعة وسط الشوارع الجانبية المظلمة والمقفرة للحي الصناعي القديم، بعيدًا عن أضواء المدينة وصخبها. وفي داخلها، كانت مريم مستلقية في المقعد الخلفي، غائبة عن الوعي بالكامل بفعل المخدر القوي الذي زرعه الجاسوس في جسدها.​أما في المقدمة، فكان الجاسوس يقود السيارة بيد واحدة، بينما يمسك بهاتفه ليجري مكالمة مشفرة مع وي تشانغ في شنغهاي، متحدثًا بصوت يملؤه الغرور:​"سيدي، لقد تم إنجاز المهمة بنجاح تام. الطبيبة أصبحت بحوزتنا الآن، وهي الورقة الرابحة التي ستجبر لينغ على الاستسلام والركوع دون أن نضطر لخوض معركة مباشرة."​جاءه صوت وي تشانغ البارد والساخر عبر السماعة:​"ممتاز. أحضرها فورًا إلى المستودع المهجور في المنطقة الصناعية السابعة، وسأرتب طائرة خاصة لنقلها وإياه إلى الصين في أقرب وقت. إياك أن ترتكب أي حماقة وتسمح له بتعقبكم."​"لا تقلق يا سيدي، لقد قطعت كل مسارات... أوه!"​لم يكمل الجاسوس جملته؛ ففي تلك اللحظة بالذات، وبدون أي إنذار مسبق، اهتزت السيارة بعنف شديد وكأنها اصطدمت بجدار إسعافي ضخم، وتوقف محركها فجأة وسط صرير إطارات مزعج على الإسفلت المظلم!​ف

  • الطبيب المعجزة المتخفي   .....

    ​مرت الأيام التالية في مستشفى "المتطورة" بوتيرة متسارعة مليئة بالإنجازات. بفضل دعم السيد جهاد المنشاوي وإشراف لينغ ومريم المشترك، تحولت الوحدة الصحية البسيطة إلى مركز طب ميداني متطور يخدم مئات المرضى يوميًا مجانًا. ورغم كل ضغوط العمل الشاق، كانت الساعات التي يقضيها لينغ ومريم معًا في مراجعة الحالات وتجهيز المناهج الطبية هي أجمل لحظات يومهما.​لكن في أعماق الليل، كان الجاسوس الذي أرسلته عائلة "تشين" يدرس كل تفصيلة صغيرة عن حياة لينغ في ذلك الحي الشعبي الهادئ. لقد أدرك أن مواجهة لينغ وجهًا لوجه أو اختراق الحراسات المشددة للمستشفى باتت أمرًا مستحيلًا، فقرر اللجوء إلى الخطة البديلة: ضربه في أثمن ما يملك... مريم.​كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل، وكان الهدوء قد خيم على أرجاء المستشفى بعد يوم شاق. كانت مريم جالسة بمفردها في مكتبها الفسيح، تراجع بعض التقارير والملفات الطبية الجديدة وتدون الملاحظات، بينما كان ضوء المصباح الخافت ينعكس على وجهها المجهد الجميل.​أما لينغ، فقد كان في الغرفة الطبية المجاورة يفحص أحدث الأجهزة المستوردة للتأكد من جاهزيتها التامة لصباح اليوم التالي.​فجأة، انقطع ال

  • الطبيب المعجزة المتخفي   ....

    ​لم تكن مرّت سوى أسبوع واحد على ليلة زيارة السيد جهاد المنشاوي التاريخية، حتى انقلبت موازين الأمور رأساً على عقب في مستشفى "المتطورة". التوجيهات الرئاسية وصلت بشكل رسمي وفوري؛ تدفق الملايين لتطوير البنية التحتية، شراء أحدث الأجهزة والمعدات الطبية الحديثة، وتجهيز غرف العمليات بأفضل المعايير العالمية.​لكن التغيير الأهم لم يكن في الحجارة والأجهزة، بل في نفوس العاملين. أصبح اسم "الدكتور لينغ" و"الدكتورة مريم" يتردد في كل زاوية باحترام وإجلال بالغين. أما الدكتور رؤوف، فقد تم تحويله إلى مهام إدارية بحتة بعيداً عن غرف الطوارئ والعلاج، بعد أن تبيّن لجان التحقيق مدى تقصيره وإهماله المستمر.​في صباح يوم مشمس وهادئ، كانت مريم تقف في أروقة القسم الجديد الذي تم تجديده بالكامل، تنظر بابتسامة فخورة إلى اليافطة الكبيرة التي علقت على باب وحدة الطب الميداني الدقيق. سمعت خطوات مألوفة تقترب منها ببطء وثبات.​التفتت لتجد لينغ يقف هناك، مرتدياً معطفه الأبيض الجديد الفاخر، الذي زاد من هيبته وغموضه الجذاب، بينما كانت عيناه السوداوان تبتسمان بدفء خفي.​قالت مريم بابتسامة عريضة ونبرة مشاكسة:​"من يراك اليوم ي

  • الطبيب المعجزة المتخفي   ...

    ساد في غرفة الطوارئ صمت رهيب ومفرغ من الهواء، كأن الزمن توقف فجأة عن الدوران. كان الجمع يراقبون بجسد متصلب تلك الإبر الذهبية الثلاث التي انغرست في جسد السيد جهاد المنشاوي، رئيس مجلس أمناء الصحة، بينما كان ينعكس ضوء الفلورسنت الخافت على سيقانها المعدنية الدقيقة.​أغلق لينغ عينيه لثانية واحدة، وأمسك بطرف الإبرة الرئيسية الغارسة قرب الترقوة بأطراف أصابعه. أدارها بحركة ميكروئية لا تكاد تُرى بالعين المجردة، مستخدماً تقنية "الاهتزاز الصدري الموجه" لإعادة تنظيم التدفق الكهربائي الخافق في الشرايين التاجية للمريض.​وفجأة...​شهق السيد جهاد شهقة حادة وعميقة هزت القفص الصدري بأكمله! فتح عينيه الغائبتين بتشوش، واستعاد القدرة على سحب الهواء بكثافة داخل رئتيه. وفي الوقت نفسه، تحول الصوت المتصلب المزعج على شاشة المراقبة من خطر الصفر إلى دقات متوازنة ورزينة: (بييب... بييب... بييب...)، ومعها ارتفعت نسبة الأكسجين في الدم من مستوى الانهيار القاتل إلى النسبة الآمنة وسط ذهول صعق كل من في الغرفة.​تراجع المساعد الأنيق خطوات إلى الخلف، وسقطت حقيبته الجلدية من يده، متمتماً بصدمة:​"هذا... هذا غير معقول! لقد

  • الطبيب المعجزة المتخفي   ....

    ​بعد انتهاء تلك المواجهة المشحونة مع الدكتور رؤوف، شعرت مريم برغبة عارمة في الابتعاد عن صخب قسم الطوارئ ورائحة المعقمات المزعجة لفترة قصيرة. سحبت نفساً عميقاً والتفتت لتجد لينغ يقف على مقربة منها، وكأنه كان يقرأ أفكارها.​أشار لها برأسه بهدوء نحو الممر الخلفي المؤدي إلى شرفة صغيرة مهملة خلف المستشفى، حيث لا يرتادها أحد إلا نادراً. تبعته مريم بخطوات مترددة، وهناك... كان الهواء نقيًا وخارج دائرة الضغط المستمر.​استند لينغ بيديه على سور الشرفة الحجري، ناظراً إلى أضواء الحي البعيدة التي تتلألأ في عتمة الليل، وقال بصوت خافت تكسوه نبرة حنين غامضة:​"في موطني القديم... كانت الشرفات عالية جدًا، تطل على ناطحات سحاب لا تنام في شنغهاي. لكن الهواء هناك... كان ثقيلاً، مشبعاً برائحة المنافسة، الطمع، والصراع على النفوذ بين عائلات الطب الكبرى."​التفتت مريم إليه، ووقفت إلى جانبه على مسافة قريبة، عيناها معلقتان بملامحه الهادئة التي يحار فيها الفهم، وقالت بصوت دافئ:​"لماذا اخترت هذا المكان إذن؟ مدينة صغيرة، مستشفى متواضع، وظروف صعبة تكاد تقتل طموح أي طبيب عادي؟"​ابتسم لينغ ابتسامة خفيفة، والتفت ليقاب

  • الطبيب المعجزة المتخفي   ....

    ​دخلت غرفة العمليات الصغيرة في مستشفى "المتطورة" وكأنها حلبة صراع مع الموت. لم تكن الغرفة مجهزة بأحدث التقنيات الطبية الموجودة في مستشفيات شنغهاي الفارهة التي اعتاد عليها لينغ، ولم تكن تحتوي على أجهزة المراقبة المتطورة التي تريح أعصاب الجراحين. كانت مجرد جدران متهالكة، وإضاءة صفراء باهتة، وأدوات جراحية تقليدية تكاد تكون مهترئة.​لكن بالنسبة لـ "سيد الإبر الذهبية"، لم تكن الأجهزة هي ما يصنع المعجزة، بل المهارة المطلقة والتحكم الكامل في الجسد والطاقة.​وقفت مريم بجانبه ترتدي قفازاتها المعقمة، وكانت يدها ترتجف قليلاً من رهبة الموقف، ليس خوفًا على نفسها، بل خوفًا على الشاب الراقد أمامها والذي يعتمد مصيره الآن على رجل غامض ظهر فجأة في حياتها. نظر إليها لينغ بنظرة هادئة ومطمئنة، وقال بصوت خافت وسط أزيز الأجهزة:​"خذي عميقًا يا مريم. أنامله الآن تحت إمرتكِ، ونحن نعمل كفريق واحد."​تنفست مريم بعمق، وشعرت أن صوت هدوئه وثقته تسرب إلى عروقها فبدد رجفتها. هزت رأسها بثبات وقالت:​"أنا جاهزة، أين نبدأ؟"​"الإبر التي غرستها حول قفصه الصدري ستمنحنا بالضبط خمس عشرة دقيقة لا تتسع للخطأ، لقد جمدت النزيف

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status