Share

.....

last update publish date: 2026-10-13 20:59:52

​كانت السيارة السوداء الفاخرة تشق طريقها بسرعة وسط الشوارع الجانبية المظلمة والمقفرة للحي الصناعي القديم، بعيدًا عن أضواء المدينة وصخبها. وفي داخلها، كانت مريم مستلقية في المقعد الخلفي، غائبة عن الوعي بالكامل بفعل المخدر القوي الذي زرعه الجاسوس في جسدها.

​أما في المقدمة، فكان الجاسوس يقود السيارة بيد واحدة، بينما يمسك بهاتفه ليجري مكالمة مشفرة مع وي تشانغ في شنغهاي، متحدثًا بصوت يملؤه الغرور:

​"سيدي، لقد تم إنجاز المهمة بنجاح تام. الطبيبة أصبحت بحوزتنا الآن، وهي الورقة الرابحة التي ستجبر لينغ على الاستسلام والركوع دون أن نضطر لخوض معركة مباشرة."

​جاءه صوت وي تشانغ البارد والساخر عبر السماعة:

​"ممتاز. أحضرها فورًا إلى المستودع المهجور في المنطقة الصناعية السابعة، وسأرتب طائرة خاصة لنقلها وإياه إلى الصين في أقرب وقت. إياك أن ترتكب أي حماقة وتسمح له بتعقبكم."

​"لا تقلق يا سيدي، لقد قطعت كل مسارات... أوه!"

​لم يكمل الجاسوس جملته؛ ففي تلك اللحظة بالذات، وبدون أي إنذار مسبق، اهتزت السيارة بعنف شديد وكأنها اصطدمت بجدار إسعافي ضخم، وتوقف محركها فجأة وسط صرير إطارات مزعج على الإسفلت المظلم!

​فزع الجاسوس والتفت للخلف بذعر، ليتجمد الدم في عيناه؛ فقد رأى خيالًا بشريًا مهيبًا يقف بكل ثبات فوق غطاء المحرك الأمامي للسيارة! كان لينغ.

​كيف وصل إلى هنا بهذه السرعة المخيفة وبدون سيارة؟ لم يكن ذلك سحرًا، بل هي طاقة التركيز القصوى وسرعة الجري الخارقة التي فجرها لينغ باستخدام الإبر الذهبية في جسده.

​صرخ الجاسوس برعب وهو يحاول تشغيل السيارة مجددًا:

​"كيف... كيف تعقبنا بهذه السرعة؟!"

​لم يجبه لينغ بكلمة واحدة. ببرود أعصاب يشبه الجليد، رفع يده اليمنى وبحركة خاطفة ألقى إبرة ذهبية واحدة بدقة مرعبة نحو الزجاج الأمامي للسيارة. اخترقت الإبرة الزجاج وسقطت مباشرة في لوحة التحكم الإلكترونية للمحرك، لتتعطل السيارة بالكامل في جزء من الثانية وتنطفئ أنوارها.

​قبل أن يتحرك الجاسوس، قفز لينغ من فوق الغطاء وكسر زجاج النافذة الجانبية بضربة يد واحدة خاطفة وحاسمة. سحب الجاسوس من تلابيب ثيابه وأخرجه خارج السيارة بقوة هائلة ألصقته بالحائط الحجري للمستودع المهجور.

​نظر لينغ إليه بعينين سوداوين تشتعلان بشرر الغضب والوعيد، وقال بصوت منخفض ومخيف جعل الجاسوس يرتجف رعبًا:

​"أين هي؟"

​أشار الجاسوس بيده المرتجفة نحو الباب الخلفي للسيارة، وهو يلهث بخوف:

​"في... في الخلف... لم أؤذها، أقسم لك أنها فاقدة للوعي فقط!"

​ترك لينغ الجاسوس ليسقط على الأرض مغشياً عليه من شدة الخوف، واتجه بخطوات واسعة نحو باب السيارة الخلفي، فتحه برفق ولهفة شديدة، ليجد مريم تمدد بسلام على المقعد، غائبة عن الوعي.

​حملها لينغ بحنان بين ذراعيه، وضمه إلى صدره وكأنه يحمي العالم بأسره بين نبضاته، ولسان حاله يقول إن لا قوة على وجه الأرض تستطيع إبعاده عنها بعد اليوم.​في غرفة هادئة وآمنة بعيدة عن صخب المستودع المهجور، كانت الإضاءة خافتة ودافئة. فتحت مريم عينيها ببطء شديد، وكأن جفنيها كانا مثقلين بصخور من التعب. شعرت بغثيان خفيف يتردد في رأسها نتيجة تأثير المادة المخدرة، لكن إحساسًا بالدفء والطمأنينة سرعان ما غمر قلبها حين رأت وجه لينغ يجلس على مقعد مجاور لسريرها، وعيناه السوداوان تتابعانها بقلق بالغ لا يزال يرتسم في ملامحه.

​حاولت مريم الاعتدال، فبادرة لينغ بمد يده برفق ومسك كتفها بلطف، قائلًا بصوت هادئ وعميق تكسوه نبرة ارتياح:

​"لا ترهقي نفسك يا مريم... خذي وقتكِ في الاستيقاظ."

​نظرت إليه مريم بعينين متسعتين قليلاً، واسترجعت ببطء شريط الأحداث الأخيرة: الظلام المفاجئ، المنديل المخدر، الخاطف الغامض، ثم... تلك اللحظة التي شعرت فيها أنها تفقد كل شيء. لمعت الدموع في عينيها وقالت بصوت مهتج:

​"لينغ... هل كنت أنا المستهدفة حقاً؟ من كان هؤلاء الأشخاص؟ ولماذا فعلوا ذلك؟"

​تنهد لينغ عميقاً، وأمسك بيدها الباردة بين كفيه الدافئتين، وكأنه أراد أن ينقل إليها كل طمأنينة الأرض. نظر في عينيها مباشرة وقال بصوت صادق وحازم:

​"نعم... لم يكونوا لصوصاً عادِيّين يا مريم. إنهم أتباع عائلة 'تشين' من وطني القديم، أشخاص يلاحقونني لأنني رفضت أن أكون أداة طائعة في أيديهم، ولأنني اخترت طريق الطب الحقيقي لا طريق السلطة والمال."

​توقف قليلاً، ثم أضاف بصوت مليء بالندم الخفي:

​"والمؤلم حقاً... أنهم استخدموكِ كطعم للوصول إليّ. لو حدث لكِ مكروه، لما سامحت نفسي أبداً."

​ضغطت مريم على يده بقوة، وظهرت على وجهها ملامح القوة والثبات التي اعتاد عليها، وقالت بابتسامة خفيفة تحدت بها كل المخاوف:

​"لا تقل هذا يا لينغ! نحن لسنا وحدنا الآن، ولستَ مضطراً لمواجهة ماضيك بمفردك. لقد أنقذتني طوال هذه الفترة، والآن... أنا هنا لأقف بجانبك، مهما كانت قوة هذا العدو."

​أشرق وجه لينغ بابتسامة دافئة وامتنان عميق لم يره أحدٌ قبلاً على محياه. أدرك في تلك اللحظة أن وجود مريم في حياته لم يعد مجرد صدفة جميلة، بل أصبح درعاً لقلبه وروحه.

​لكن لحظات الهدوء هذه لم تكن سوى استراحة قصيرة قبل العاصفة. ففي تلك الأثناء، وفي مقر قيادة عائلة "تشين" في شنغهاي، كان وي تشانغ يتلقى خبر فشل عملية الاختطاف وضياع الجاسوس، ليشتعل غضباً ويصدر أمره الحاسم:

​"بما أن الأساليب الهادئة لم تفد... فسأتوجه بنفسي إلى هناك لأمحو ذلك المستشفى ومن فيه من الخريطة!"

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • الطبيب المعجزة المتخفي   .....

    ​كانت السيارة السوداء الفاخرة تشق طريقها بسرعة وسط الشوارع الجانبية المظلمة والمقفرة للحي الصناعي القديم، بعيدًا عن أضواء المدينة وصخبها. وفي داخلها، كانت مريم مستلقية في المقعد الخلفي، غائبة عن الوعي بالكامل بفعل المخدر القوي الذي زرعه الجاسوس في جسدها.​أما في المقدمة، فكان الجاسوس يقود السيارة بيد واحدة، بينما يمسك بهاتفه ليجري مكالمة مشفرة مع وي تشانغ في شنغهاي، متحدثًا بصوت يملؤه الغرور:​"سيدي، لقد تم إنجاز المهمة بنجاح تام. الطبيبة أصبحت بحوزتنا الآن، وهي الورقة الرابحة التي ستجبر لينغ على الاستسلام والركوع دون أن نضطر لخوض معركة مباشرة."​جاءه صوت وي تشانغ البارد والساخر عبر السماعة:​"ممتاز. أحضرها فورًا إلى المستودع المهجور في المنطقة الصناعية السابعة، وسأرتب طائرة خاصة لنقلها وإياه إلى الصين في أقرب وقت. إياك أن ترتكب أي حماقة وتسمح له بتعقبكم."​"لا تقلق يا سيدي، لقد قطعت كل مسارات... أوه!"​لم يكمل الجاسوس جملته؛ ففي تلك اللحظة بالذات، وبدون أي إنذار مسبق، اهتزت السيارة بعنف شديد وكأنها اصطدمت بجدار إسعافي ضخم، وتوقف محركها فجأة وسط صرير إطارات مزعج على الإسفلت المظلم!​ف

  • الطبيب المعجزة المتخفي   .....

    ​مرت الأيام التالية في مستشفى "المتطورة" بوتيرة متسارعة مليئة بالإنجازات. بفضل دعم السيد جهاد المنشاوي وإشراف لينغ ومريم المشترك، تحولت الوحدة الصحية البسيطة إلى مركز طب ميداني متطور يخدم مئات المرضى يوميًا مجانًا. ورغم كل ضغوط العمل الشاق، كانت الساعات التي يقضيها لينغ ومريم معًا في مراجعة الحالات وتجهيز المناهج الطبية هي أجمل لحظات يومهما.​لكن في أعماق الليل، كان الجاسوس الذي أرسلته عائلة "تشين" يدرس كل تفصيلة صغيرة عن حياة لينغ في ذلك الحي الشعبي الهادئ. لقد أدرك أن مواجهة لينغ وجهًا لوجه أو اختراق الحراسات المشددة للمستشفى باتت أمرًا مستحيلًا، فقرر اللجوء إلى الخطة البديلة: ضربه في أثمن ما يملك... مريم.​كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل، وكان الهدوء قد خيم على أرجاء المستشفى بعد يوم شاق. كانت مريم جالسة بمفردها في مكتبها الفسيح، تراجع بعض التقارير والملفات الطبية الجديدة وتدون الملاحظات، بينما كان ضوء المصباح الخافت ينعكس على وجهها المجهد الجميل.​أما لينغ، فقد كان في الغرفة الطبية المجاورة يفحص أحدث الأجهزة المستوردة للتأكد من جاهزيتها التامة لصباح اليوم التالي.​فجأة، انقطع ال

  • الطبيب المعجزة المتخفي   ....

    ​لم تكن مرّت سوى أسبوع واحد على ليلة زيارة السيد جهاد المنشاوي التاريخية، حتى انقلبت موازين الأمور رأساً على عقب في مستشفى "المتطورة". التوجيهات الرئاسية وصلت بشكل رسمي وفوري؛ تدفق الملايين لتطوير البنية التحتية، شراء أحدث الأجهزة والمعدات الطبية الحديثة، وتجهيز غرف العمليات بأفضل المعايير العالمية.​لكن التغيير الأهم لم يكن في الحجارة والأجهزة، بل في نفوس العاملين. أصبح اسم "الدكتور لينغ" و"الدكتورة مريم" يتردد في كل زاوية باحترام وإجلال بالغين. أما الدكتور رؤوف، فقد تم تحويله إلى مهام إدارية بحتة بعيداً عن غرف الطوارئ والعلاج، بعد أن تبيّن لجان التحقيق مدى تقصيره وإهماله المستمر.​في صباح يوم مشمس وهادئ، كانت مريم تقف في أروقة القسم الجديد الذي تم تجديده بالكامل، تنظر بابتسامة فخورة إلى اليافطة الكبيرة التي علقت على باب وحدة الطب الميداني الدقيق. سمعت خطوات مألوفة تقترب منها ببطء وثبات.​التفتت لتجد لينغ يقف هناك، مرتدياً معطفه الأبيض الجديد الفاخر، الذي زاد من هيبته وغموضه الجذاب، بينما كانت عيناه السوداوان تبتسمان بدفء خفي.​قالت مريم بابتسامة عريضة ونبرة مشاكسة:​"من يراك اليوم ي

  • الطبيب المعجزة المتخفي   ...

    ساد في غرفة الطوارئ صمت رهيب ومفرغ من الهواء، كأن الزمن توقف فجأة عن الدوران. كان الجمع يراقبون بجسد متصلب تلك الإبر الذهبية الثلاث التي انغرست في جسد السيد جهاد المنشاوي، رئيس مجلس أمناء الصحة، بينما كان ينعكس ضوء الفلورسنت الخافت على سيقانها المعدنية الدقيقة.​أغلق لينغ عينيه لثانية واحدة، وأمسك بطرف الإبرة الرئيسية الغارسة قرب الترقوة بأطراف أصابعه. أدارها بحركة ميكروئية لا تكاد تُرى بالعين المجردة، مستخدماً تقنية "الاهتزاز الصدري الموجه" لإعادة تنظيم التدفق الكهربائي الخافق في الشرايين التاجية للمريض.​وفجأة...​شهق السيد جهاد شهقة حادة وعميقة هزت القفص الصدري بأكمله! فتح عينيه الغائبتين بتشوش، واستعاد القدرة على سحب الهواء بكثافة داخل رئتيه. وفي الوقت نفسه، تحول الصوت المتصلب المزعج على شاشة المراقبة من خطر الصفر إلى دقات متوازنة ورزينة: (بييب... بييب... بييب...)، ومعها ارتفعت نسبة الأكسجين في الدم من مستوى الانهيار القاتل إلى النسبة الآمنة وسط ذهول صعق كل من في الغرفة.​تراجع المساعد الأنيق خطوات إلى الخلف، وسقطت حقيبته الجلدية من يده، متمتماً بصدمة:​"هذا... هذا غير معقول! لقد

  • الطبيب المعجزة المتخفي   ....

    ​بعد انتهاء تلك المواجهة المشحونة مع الدكتور رؤوف، شعرت مريم برغبة عارمة في الابتعاد عن صخب قسم الطوارئ ورائحة المعقمات المزعجة لفترة قصيرة. سحبت نفساً عميقاً والتفتت لتجد لينغ يقف على مقربة منها، وكأنه كان يقرأ أفكارها.​أشار لها برأسه بهدوء نحو الممر الخلفي المؤدي إلى شرفة صغيرة مهملة خلف المستشفى، حيث لا يرتادها أحد إلا نادراً. تبعته مريم بخطوات مترددة، وهناك... كان الهواء نقيًا وخارج دائرة الضغط المستمر.​استند لينغ بيديه على سور الشرفة الحجري، ناظراً إلى أضواء الحي البعيدة التي تتلألأ في عتمة الليل، وقال بصوت خافت تكسوه نبرة حنين غامضة:​"في موطني القديم... كانت الشرفات عالية جدًا، تطل على ناطحات سحاب لا تنام في شنغهاي. لكن الهواء هناك... كان ثقيلاً، مشبعاً برائحة المنافسة، الطمع، والصراع على النفوذ بين عائلات الطب الكبرى."​التفتت مريم إليه، ووقفت إلى جانبه على مسافة قريبة، عيناها معلقتان بملامحه الهادئة التي يحار فيها الفهم، وقالت بصوت دافئ:​"لماذا اخترت هذا المكان إذن؟ مدينة صغيرة، مستشفى متواضع، وظروف صعبة تكاد تقتل طموح أي طبيب عادي؟"​ابتسم لينغ ابتسامة خفيفة، والتفت ليقاب

  • الطبيب المعجزة المتخفي   ....

    ​دخلت غرفة العمليات الصغيرة في مستشفى "المتطورة" وكأنها حلبة صراع مع الموت. لم تكن الغرفة مجهزة بأحدث التقنيات الطبية الموجودة في مستشفيات شنغهاي الفارهة التي اعتاد عليها لينغ، ولم تكن تحتوي على أجهزة المراقبة المتطورة التي تريح أعصاب الجراحين. كانت مجرد جدران متهالكة، وإضاءة صفراء باهتة، وأدوات جراحية تقليدية تكاد تكون مهترئة.​لكن بالنسبة لـ "سيد الإبر الذهبية"، لم تكن الأجهزة هي ما يصنع المعجزة، بل المهارة المطلقة والتحكم الكامل في الجسد والطاقة.​وقفت مريم بجانبه ترتدي قفازاتها المعقمة، وكانت يدها ترتجف قليلاً من رهبة الموقف، ليس خوفًا على نفسها، بل خوفًا على الشاب الراقد أمامها والذي يعتمد مصيره الآن على رجل غامض ظهر فجأة في حياتها. نظر إليها لينغ بنظرة هادئة ومطمئنة، وقال بصوت خافت وسط أزيز الأجهزة:​"خذي عميقًا يا مريم. أنامله الآن تحت إمرتكِ، ونحن نعمل كفريق واحد."​تنفست مريم بعمق، وشعرت أن صوت هدوئه وثقته تسرب إلى عروقها فبدد رجفتها. هزت رأسها بثبات وقالت:​"أنا جاهزة، أين نبدأ؟"​"الإبر التي غرستها حول قفصه الصدري ستمنحنا بالضبط خمس عشرة دقيقة لا تتسع للخطأ، لقد جمدت النزيف

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status