LOGINمرت الأيام التالية في مستشفى "المتطورة" بوتيرة متسارعة مليئة بالإنجازات. بفضل دعم السيد جهاد المنشاوي وإشراف لينغ ومريم المشترك، تحولت الوحدة الصحية البسيطة إلى مركز طب ميداني متطور يخدم مئات المرضى يوميًا مجانًا. ورغم كل ضغوط العمل الشاق، كانت الساعات التي يقضيها لينغ ومريم معًا في مراجعة الحالات وتجهيز المناهج الطبية هي أجمل لحظات يومهما.
لكن في أعماق الليل، كان الجاسوس الذي أرسلته عائلة "تشين" يدرس كل تفصيلة صغيرة عن حياة لينغ في ذلك الحي الشعبي الهادئ. لقد أدرك أن مواجهة لينغ وجهًا لوجه أو اختراق الحراسات المشددة للمستشفى باتت أمرًا مستحيلًا، فقرر اللجوء إلى الخطة البديلة: ضربه في أثمن ما يملك... مريم. كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل، وكان الهدوء قد خيم على أرجاء المستشفى بعد يوم شاق. كانت مريم جالسة بمفردها في مكتبها الفسيح، تراجع بعض التقارير والملفات الطبية الجديدة وتدون الملاحظات، بينما كان ضوء المصباح الخافت ينعكس على وجهها المجهد الجميل. أما لينغ، فقد كان في الغرفة الطبية المجاورة يفحص أحدث الأجهزة المستوردة للتأكد من جاهزيتها التامة لصباح اليوم التالي. فجأة، انقطع التيار الكهربائي عن ممر القسم بأكمله بشكل مفاجئ وغريب! خيم الظلام الدامس، وتوقفت أجهزة التكييف عن العمل، ولم يضيء سوى نور مصابيح الطوارئ الاحتياطية الخافت والصفراء. رفعت مريم رأسها عن الأوراق بتوتر، وعقدت حاجبيها بحيرة، فقالت بصوت منخفض لنفسها: "انقطاع مفاجئ للكهرباء في هذا القسم الذي تم تجديده حديثًا بكل هذه التقنيات المتقدمة؟ هذا غير منطقي على الإطلاق!" وقفت مريم من خلف مكتبها، وتلمست الطريق بحذر نحو باب المكتب المفتوح جزئيًا على الممر المظلم والموحش. أخرجت الهاتف المحمول واستخدمت كشاف الإضاءة الخاص به لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. في تلك اللحظة بالذات، ومن بين عتمة الممر المظلم، ظهر شخص غامض يرتدي ملابس سوداء بالكامل وقناعًا قماشيًّا يخفي معالم وجهه. خطا خطوات سريعة وصامتة نحو مكتب مريم، وفي يده حقيبة صغيرة تبدو مريبة. شعرت مريم بحركة غريبة، والتفتت بسرعة لترى الخيال يتقدم نحوها. وقبل أن تصرخ مستنجدة، انقض عليها الشخص الغامض ووضع منديلًا مشبعًا بمادة كيميائية مخدرة قوية على فمها وأنفها بقوة! حاولت مريم مقاومته بضراوة، وأسقطت الأوراق والملفات على الأرض، لكن تأثير المادة المخدرة كان أسرع بكثير من قواها. بدأت رؤيتها تغمض بالتدريج، وصوت أنفاسها يضعف، حتى سقطت غائبة عن الوعي بين ذراعي المهاجم المجهول الذي سحبها بسرعة فائقة نحو مخرج الطوارئ الخلفي المظلم!انتهى لينغ من فحص الأجهزة الطبية في الغرفة المجاورة، وأخذ نفساً عميقاً متوجهاً بخطوات هادئة نحو مكتب مريم ليخبرها باكتمال التجهيزات قبل بدء مناوبة صباح الغد. لكن بمجرد أن خطا قدمه داخل ممر القسم، لاحظ شيئًا غير معتاد: الظلام الدامس الذي غطى المكان، وباب مكتب مريم المفتوح على مصراعيه بشكل مريب. شعر أنفاسه تختفي فجأة، وحواسه الطبية الدقيقة التي طالما أنقذته في أصعب معارك شنغهاي صرخت محذرة من خطر داهم. ركض بخطوات واسعة نحو المكتب، وهناك وجد الأوراق مبعثرة على الأرض، وقلم مريم المفضل مقسوراً بجانب مكتبها الخاوي. انحنى لينغ والتقط القلم، وشعر ببرودة تسري في أطرافه. صرخ بصوت مخنوق وخافت كأنه جرح غائر: "مريم...!" تأمل الزوايا المظلمة، ولاحظ باب مخرج الطوارئ الخلفي مواربًا والهواء البارد يتسلل منه. لم يتردد ثانية واحدة؛ ركض بكل سرعة نحو الخارج، مستخدماً مهاراته الفائقة في تتبع الآثار والطاقة المحيطة. في الفناء الخلفي المهجور للمستشفى، وجد آثار أقدام حديثة وقطعة قماش صغيرة سقطت من معطف مريم أثناء صراعها مع الخاطف. أدرك لينغ حينها الحقيقة المرة: لم يكن الهجوم عشوائياً، ولم يكن اللصوص العاديون من استهدفوا المستشفى. إنه استهداف مباشر ومقصود له هو شخصياً، عبر ضرب أثمن إنسانة دخلت قلبه وأعادت له نبض الحياة في هذا المنفى الجميل. أغلق عينيه بشدة، وفتحهما لتشع منهما نظرة مرعبة، حادة، ولا رحمة فيها. تحول الطبيب الهادئ والمسالم في تلك اللحظة إلى "سيد الإبر الذهبية" المنتقم؛ الاسمي القديم الذي خافه الجميع في دوائر الطب الصينية الكبرى. أخرج حافظة الإبر من جيبه ببطء، وأخرج إبرة ذهبية خاصة وطويلة للغاية—إبرة التتبع والتحفيز القصوى التي لا يستخدمها إلا في حالات الطوارئ القاتلة. غرزها في نقطة محددة في رسغ يده اليسرى لرفع معدل الأدرينالين والتركيز البصري والشمي لديه إلى مستويات خارقة تتجاوز طاقة البشر العاديين. في تلك اللحظة الفائقة الحواس، شمّ لينغ رائحة المادة الكيميائية المخدرة المتبقية في الهواء، واستمع إلى أصوات سيارة تسرع ببطء في الشارع الخلفي المظلم على بعد مئات الأمتار. ابتسم ببرود جليدي، وقال بصوت هامس يحمل وعيداً شديداً لم يسمعه أحد سواهما: "أقسم بأن من تجرأ على لمسها... لن يرى شروق شمس الغد." انطلق كورقة توت ترقص في مهب الريح، متبعاً أثر السيارة الفاخرة في عتمة الليل، ليبدأ رحلة إنقاذ شرسة لا رجعة فيها.كانت السيارة السوداء الفاخرة تشق طريقها بسرعة وسط الشوارع الجانبية المظلمة والمقفرة للحي الصناعي القديم، بعيدًا عن أضواء المدينة وصخبها. وفي داخلها، كانت مريم مستلقية في المقعد الخلفي، غائبة عن الوعي بالكامل بفعل المخدر القوي الذي زرعه الجاسوس في جسدها.أما في المقدمة، فكان الجاسوس يقود السيارة بيد واحدة، بينما يمسك بهاتفه ليجري مكالمة مشفرة مع وي تشانغ في شنغهاي، متحدثًا بصوت يملؤه الغرور:"سيدي، لقد تم إنجاز المهمة بنجاح تام. الطبيبة أصبحت بحوزتنا الآن، وهي الورقة الرابحة التي ستجبر لينغ على الاستسلام والركوع دون أن نضطر لخوض معركة مباشرة."جاءه صوت وي تشانغ البارد والساخر عبر السماعة:"ممتاز. أحضرها فورًا إلى المستودع المهجور في المنطقة الصناعية السابعة، وسأرتب طائرة خاصة لنقلها وإياه إلى الصين في أقرب وقت. إياك أن ترتكب أي حماقة وتسمح له بتعقبكم.""لا تقلق يا سيدي، لقد قطعت كل مسارات... أوه!"لم يكمل الجاسوس جملته؛ ففي تلك اللحظة بالذات، وبدون أي إنذار مسبق، اهتزت السيارة بعنف شديد وكأنها اصطدمت بجدار إسعافي ضخم، وتوقف محركها فجأة وسط صرير إطارات مزعج على الإسفلت المظلم!ف
مرت الأيام التالية في مستشفى "المتطورة" بوتيرة متسارعة مليئة بالإنجازات. بفضل دعم السيد جهاد المنشاوي وإشراف لينغ ومريم المشترك، تحولت الوحدة الصحية البسيطة إلى مركز طب ميداني متطور يخدم مئات المرضى يوميًا مجانًا. ورغم كل ضغوط العمل الشاق، كانت الساعات التي يقضيها لينغ ومريم معًا في مراجعة الحالات وتجهيز المناهج الطبية هي أجمل لحظات يومهما.لكن في أعماق الليل، كان الجاسوس الذي أرسلته عائلة "تشين" يدرس كل تفصيلة صغيرة عن حياة لينغ في ذلك الحي الشعبي الهادئ. لقد أدرك أن مواجهة لينغ وجهًا لوجه أو اختراق الحراسات المشددة للمستشفى باتت أمرًا مستحيلًا، فقرر اللجوء إلى الخطة البديلة: ضربه في أثمن ما يملك... مريم.كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل، وكان الهدوء قد خيم على أرجاء المستشفى بعد يوم شاق. كانت مريم جالسة بمفردها في مكتبها الفسيح، تراجع بعض التقارير والملفات الطبية الجديدة وتدون الملاحظات، بينما كان ضوء المصباح الخافت ينعكس على وجهها المجهد الجميل.أما لينغ، فقد كان في الغرفة الطبية المجاورة يفحص أحدث الأجهزة المستوردة للتأكد من جاهزيتها التامة لصباح اليوم التالي.فجأة، انقطع ال
لم تكن مرّت سوى أسبوع واحد على ليلة زيارة السيد جهاد المنشاوي التاريخية، حتى انقلبت موازين الأمور رأساً على عقب في مستشفى "المتطورة". التوجيهات الرئاسية وصلت بشكل رسمي وفوري؛ تدفق الملايين لتطوير البنية التحتية، شراء أحدث الأجهزة والمعدات الطبية الحديثة، وتجهيز غرف العمليات بأفضل المعايير العالمية.لكن التغيير الأهم لم يكن في الحجارة والأجهزة، بل في نفوس العاملين. أصبح اسم "الدكتور لينغ" و"الدكتورة مريم" يتردد في كل زاوية باحترام وإجلال بالغين. أما الدكتور رؤوف، فقد تم تحويله إلى مهام إدارية بحتة بعيداً عن غرف الطوارئ والعلاج، بعد أن تبيّن لجان التحقيق مدى تقصيره وإهماله المستمر.في صباح يوم مشمس وهادئ، كانت مريم تقف في أروقة القسم الجديد الذي تم تجديده بالكامل، تنظر بابتسامة فخورة إلى اليافطة الكبيرة التي علقت على باب وحدة الطب الميداني الدقيق. سمعت خطوات مألوفة تقترب منها ببطء وثبات.التفتت لتجد لينغ يقف هناك، مرتدياً معطفه الأبيض الجديد الفاخر، الذي زاد من هيبته وغموضه الجذاب، بينما كانت عيناه السوداوان تبتسمان بدفء خفي.قالت مريم بابتسامة عريضة ونبرة مشاكسة:"من يراك اليوم ي
ساد في غرفة الطوارئ صمت رهيب ومفرغ من الهواء، كأن الزمن توقف فجأة عن الدوران. كان الجمع يراقبون بجسد متصلب تلك الإبر الذهبية الثلاث التي انغرست في جسد السيد جهاد المنشاوي، رئيس مجلس أمناء الصحة، بينما كان ينعكس ضوء الفلورسنت الخافت على سيقانها المعدنية الدقيقة.أغلق لينغ عينيه لثانية واحدة، وأمسك بطرف الإبرة الرئيسية الغارسة قرب الترقوة بأطراف أصابعه. أدارها بحركة ميكروئية لا تكاد تُرى بالعين المجردة، مستخدماً تقنية "الاهتزاز الصدري الموجه" لإعادة تنظيم التدفق الكهربائي الخافق في الشرايين التاجية للمريض.وفجأة...شهق السيد جهاد شهقة حادة وعميقة هزت القفص الصدري بأكمله! فتح عينيه الغائبتين بتشوش، واستعاد القدرة على سحب الهواء بكثافة داخل رئتيه. وفي الوقت نفسه، تحول الصوت المتصلب المزعج على شاشة المراقبة من خطر الصفر إلى دقات متوازنة ورزينة: (بييب... بييب... بييب...)، ومعها ارتفعت نسبة الأكسجين في الدم من مستوى الانهيار القاتل إلى النسبة الآمنة وسط ذهول صعق كل من في الغرفة.تراجع المساعد الأنيق خطوات إلى الخلف، وسقطت حقيبته الجلدية من يده، متمتماً بصدمة:"هذا... هذا غير معقول! لقد
بعد انتهاء تلك المواجهة المشحونة مع الدكتور رؤوف، شعرت مريم برغبة عارمة في الابتعاد عن صخب قسم الطوارئ ورائحة المعقمات المزعجة لفترة قصيرة. سحبت نفساً عميقاً والتفتت لتجد لينغ يقف على مقربة منها، وكأنه كان يقرأ أفكارها.أشار لها برأسه بهدوء نحو الممر الخلفي المؤدي إلى شرفة صغيرة مهملة خلف المستشفى، حيث لا يرتادها أحد إلا نادراً. تبعته مريم بخطوات مترددة، وهناك... كان الهواء نقيًا وخارج دائرة الضغط المستمر.استند لينغ بيديه على سور الشرفة الحجري، ناظراً إلى أضواء الحي البعيدة التي تتلألأ في عتمة الليل، وقال بصوت خافت تكسوه نبرة حنين غامضة:"في موطني القديم... كانت الشرفات عالية جدًا، تطل على ناطحات سحاب لا تنام في شنغهاي. لكن الهواء هناك... كان ثقيلاً، مشبعاً برائحة المنافسة، الطمع، والصراع على النفوذ بين عائلات الطب الكبرى."التفتت مريم إليه، ووقفت إلى جانبه على مسافة قريبة، عيناها معلقتان بملامحه الهادئة التي يحار فيها الفهم، وقالت بصوت دافئ:"لماذا اخترت هذا المكان إذن؟ مدينة صغيرة، مستشفى متواضع، وظروف صعبة تكاد تقتل طموح أي طبيب عادي؟"ابتسم لينغ ابتسامة خفيفة، والتفت ليقاب
دخلت غرفة العمليات الصغيرة في مستشفى "المتطورة" وكأنها حلبة صراع مع الموت. لم تكن الغرفة مجهزة بأحدث التقنيات الطبية الموجودة في مستشفيات شنغهاي الفارهة التي اعتاد عليها لينغ، ولم تكن تحتوي على أجهزة المراقبة المتطورة التي تريح أعصاب الجراحين. كانت مجرد جدران متهالكة، وإضاءة صفراء باهتة، وأدوات جراحية تقليدية تكاد تكون مهترئة.لكن بالنسبة لـ "سيد الإبر الذهبية"، لم تكن الأجهزة هي ما يصنع المعجزة، بل المهارة المطلقة والتحكم الكامل في الجسد والطاقة.وقفت مريم بجانبه ترتدي قفازاتها المعقمة، وكانت يدها ترتجف قليلاً من رهبة الموقف، ليس خوفًا على نفسها، بل خوفًا على الشاب الراقد أمامها والذي يعتمد مصيره الآن على رجل غامض ظهر فجأة في حياتها. نظر إليها لينغ بنظرة هادئة ومطمئنة، وقال بصوت خافت وسط أزيز الأجهزة:"خذي عميقًا يا مريم. أنامله الآن تحت إمرتكِ، ونحن نعمل كفريق واحد."تنفست مريم بعمق، وشعرت أن صوت هدوئه وثقته تسرب إلى عروقها فبدد رجفتها. هزت رأسها بثبات وقالت:"أنا جاهزة، أين نبدأ؟""الإبر التي غرستها حول قفصه الصدري ستمنحنا بالضبط خمس عشرة دقيقة لا تتسع للخطأ، لقد جمدت النزيف







