LOGINسأل الراهب بوجل:«مُرني يا مولاي، أنا طوع أمرك.»أجابه آرثر بصوت قاطع:«أريدك أن تزوجنا الآن... وفي سرية تامة!»التفت الراهب العجوز إلى الفتاة المحصنة باللحاف، ونظر إليها بإعجاب مكتوم وقال:«أحسنتِ صنعاً يا ابنتي... لا تهبي هذا الجسد الطاهر إلا بثمنه الشرعي. اجلس بجانبها يا مولاي لنتلو عليكما عقد الزواج المقدّس.»جلس آرثر بجوارها والشرار يطير من عينيه رغبة وحباً، بينما بدأ الراهب بتلاوة تراتيل العقد وشروطه. كان لوقوع تلك الكلمات الأثر الصاعق في نفس الفتاة؛ كانت تنبض فرحاً بالنصر العظيم والتتويج الخفي، لكن قلباً آخر داخلها كان يرتعد رعباً...تذكرت الملكة مارثا—والدة الملك—وجواسيسها المنثورين في كل زاوية من زوايا القصر. ماذا سيحدث لو علمت تلك المرأة القاسية بما جرى في هذه الغرفة المظلمة؟ كيف ستواجه بطش العرش عندما ينجلي غبار هذه الليلة المشتعلة؟سكت الراهب معلناً تمام الزواج، وغادر الصمت المكان، لتبقى الفتاة في أحضان الملك... بين نشوة امتلاك العرش، ورعب العاصفة القادمة.ما إن غادر الراهب وأغلق الباب خلفه، حتى انقض آرثر بشغف جارف نحو عروسه، متلهفاً لتذوق ذلك الكنز المحرم الذي جازف بتاجه
— «أمي... لقد ترك الحريق أثراً مرعباً، والملكة الأم مارثا تحقق بنفسها مع كل من كان قرب الجناح. والأمر الأكثر جنوناً... أن خادم الأمير آرثر عاد للتو وأبلغني أن الأمير يطلب رؤيتي سراً في الحديقة الخلفية قبل غروب الشمس!» رفعت مارغريت رأسها ببطء، وابتسمت ابتسامة هادئة وخبيثة، ثم مسحت وجهها بظهر يدها الملطخة بالغبار، وقالت بصوت خفيض: — «هذا يعني أن الطعم قد ابتلعه بالكامل. الخوف الذي زرعناه في قلبه أمس لم يكن سوى طعم للسيطرة؛ فهو الآن لا يرى فيكِ مجرد خادمة جميلة، بل فريسة بريئة تضطهدها أمه العجوز. اذهبي إليه، ولكن كوني أثقل خطىً وأكثر غموضاً... اجعليه يوقن أن حمايتكِ هي واجبه الأسمى.» مع اقتراب الغروب، حيث كانت ظلال الأشجار العتيقة تمتد في حديقة القصر الخلفية المحاطة بالأسوار العالية، كانت الفتاة تقف بجانب نافورة حجرية قديمة، تطأطئ رأسها بحياء مفتعل. ظهر الأمير آرثر من بين الممرات المزينة بزهور الياسمين، عيناه تشتعلان بشهوة جامحة وقلق حقيقي لم يعهده في حياته كحاكم مستقبلي. اقترب منها بخطوات سريعة، وأحاط بذراعيها برفق شديد، متفحصاً ملامحها الخائفة: — «هل أزعجكِ أحد بعد حادثة الأمس؟ ه
كانت المطابخ الخلفية لقصر الجنوب تشبه أمعاء وحش حجري غارق في الرطوبة والدخان. امتلأت الجدران بسخام الخشب المشتعل، وكان الهواء ثقيلاً برائحة الشحم المذاب والأعشاب المغلية. وضعت الملكة الأم «مارثا» مارغريت وابنتها الصورية في أدنى درجات السلم الهرمي للخدم: غسيل الأواني النحاسية الثقيلة في مياه المطابخ الباردة.لم تكن تلك عقوبة بالنسبة لمارغريت، بل كانت الفرصة المثالية.في المطابخ، تجتمع أدق تفاصيل الحصن. تعلمت مارغريت من أول يومين جدول وجبات الأمير آرثر، ونوع الخمر الذي يحتسيه، والأوقات التي يغادر فيها جناحه للتدريب أو الاجتماعات العسكرية. وبينما كانت يداها الناعمتان تتحملان خشونة الحجارة والأواني، كانت عينها ترصد مسارات الحراس، وأوقات تبديل الحراسات الليلية، والفتيات اللاتي يدخلن جناح الأمير.جثت الفتاة الشابة بجانبها، وقد شحبت ملامحها وتورمت أصابعها الطرية من الماء البارد، وهمست بنبرة خافضة:— «أمي... العين الحادة التي كانت تنظر إلينا بالأمس ما زالت تلاحقنا. هناك رجل يرتدي زي الحرس الإمبراطوري يراقب المخرج الخلفي طوال الوقت.»لم ترفع مارغريت رأسها، بل استمرت في فرك الإناء النحاسي بثبات
في منتصف الليل، وحين أطبقت عتمة الشتاء على قلاع الشمال ككفن ثقيل، كانت غرف الخلوة الداخلية تشهد تحولاً صامتاً رهيباً. خلعت مارغريت رداء الملكة المصنوع من الحرير الأرجواني والمطرز بخيوط الذهب، لتستبدل به ثوباً خشناً بالياً من الصوف الرمادي، تخفي تحته خناجرها الفولاذية ونظراتها التي تقطر دهاءً. أسدلت غطاء الرأس الداكن فوق شعرها الأسود الفاحم، وخطت بخطوات واثقة نحو ركن الغرفة حيث كانت الفتاة تنتظرها.كانت المحظية الشابة ترتجف برعب مكتوم، مرتديةً زي الخادمات الفقيرات ذاته؛ عباءة رثة تخفي جسدها الغض ومفاتنها الفاتنة التي ستكون سلاح المعركة. اقتربت منها مارغريت، وعدلت بيديها غطاء رأس الفتاة بحركة حازمة، هامسة بصوت يشبه فحيح الأفعى:— «امسحي هذا الخوف من عينيكِ الآن... نحن لسن ملكة وجارية، نحن الآن أم وابنة بائستان تبحثان عن لقمة عسيرة في بلاط الجنوب. إن تركتِ الخوف يهزيمك هناك، فلن تكون الموت نهايتك وحدك، بل سنحترق معاً.»انسلّتا عبر ممرات الخدم السرية، متجنبتين أبواب الحرس الرئيسية، بخطوات شبحية لا تكاد تُسمع على الأرضيات الحجرية الباردة. وفي أعلى الشرفة الحجرية الشاهقة، كان ألكسندر يراقب
ما إن غادر الراهب وأغلق الباب خلفه، حتى انقض آرثر بشغف جارف نحو عروسه، متلهفاً لتذوق ذلك الكنز المحرم الذي جازف بتاجه لأجله. لكنه تفاجأ بها تبتعد عنه، وتغرق في موجة من الدموع المزيفة التي تحمل طابع الدلال والخبث في آن واحد.توقف الملك مرتبكاً، وهتف بصوت تملؤه الحيرة:«ما الأمر الآن؟ لماذا تبكين مجدداً وقد أصبحتِ زوجتي أمام الله والتاريخ؟»التفتت إليه ببطء، ناظرة في عينيه بنظرة أفعى استطلعت طريدتها تماماً:«أحقاً حبك لي هو ما دفعك للزواج، أم هي شهوتك العارمة لامتلاك هذا الجسد وتذوق ما بين فخذي؟»تنهد آرثر بعمق وأجاب بصراحة المطلق:«لأكون صريحاً معك... قبل أن تضعي الخنجر على عنقك، كنت أشتهي جسدك فحسب. أما الآن... فأنا غارق في حبك، لقد تملكتِ روحي وعقلي بالكامل!»ردت بقسوة مصطنعة:«أنت تكذب...»اشتعل الغضب في عيني الملك، وارتفع صوته بحدة:«ماذا؟! كيف تجرؤين على نعتي بالكذب؟!»انتفض واقفاً، ورفع يده الضخمة بغريزة البطش والسطوة ليأدبها على جرأتها. لكنها انكمشت على نفسها بجسدها الضئيل المرتجف، مجهشة بالبكاء وكأنها طفلة خائفة:«أرايت؟! أنت لا تحبني حقاً... أنت مجرد طاغية، لكنني اليوم زوجتك،
في منتصف الليل، حين غرق القصر في صمت مطبق إلا من صرير الرياح الباردة، امتدت يد الفتاة المرتجفة لتطرق باب مخدع الملك آرثر ثلاث طرقات بطيئة، هادئة، لكنها كانت أشبه بضربات القدر على جدار العرش.فتح آرثر الباب ببطء، فتراجع خطوة إلى الخلف من هول المنظر. كانت تقف أمامه كأنها أرض خصبة يرويها ماء عذب، تتلفح بقطعة قماش بالية وممزقة لا تكاد تستر نضارة شبابها. كانت تمشي بخطوات حذرة متثاقلة، تنكس رأسها بخجل مصطنع وذل الخدم، مسقطةً نظراتها نحو الأرض.تقدمت نحو عمق الغرفة المظلمة المضاءة بشموع خافتة، وفي لحظة خاطفة تتسم بالقلة والحيلة، أفلتت القماش البالي بحركة واحدة شاردة. سقط الثوب على الأرض، ليتعرى جسدها الذهبي بالكامل في عتمة الغرفة، متألقاً بمنحنيات مبهرة؛ ظهرت مؤخرتها البيضاء المدورة ككنز أثري يلمع في الظلام، مما جعل أنفاس آرثر تتوقف وحواسه تشتعل.قالت بصوت متهدج يقطر انكساراً:«أنا هنا طوع أمرك يا مولاي... أنت الملك، وأنا لستُ إلا خادمة وضيعة عند أقدامك، جئت لأمنحك ما طلبت الحضور لأجله...»سقطت دموعها المزيفة على البلاط البارد كقطرات سمّ ناعم، فاهتز لها قلب آرثر وتملكه ذنب قارس، لم يستطع معه







