LOGINما إن غادر الراهب وأغلق الباب خلفه، حتى انقض آرثر بشغف جارف نحو عروسه، متلهفاً لتذوق ذلك الكنز المحرم الذي جازف بتاجه لأجله. لكنه تفاجأ بها تبتعد عنه، وتغرق في موجة من الدموع المزيفة التي تحمل طابع الدلال والخبث في آن واحد.توقف الملك مرتبكاً، وهتف بصوت تملؤه الحيرة:«ما الأمر الآن؟ لماذا تبكين مجدداً وقد أصبحتِ زوجتي أمام الله والتاريخ؟»التفتت إليه ببطء، ناظرة في عينيه بنظرة أفعى استطلعت طريدتها تماماً:«أحقاً حبك لي هو ما دفعك للزواج، أم هي شهوتك العارمة لامتلاك هذا الجسد وتذوق ما بين فخذي؟»تنهد آرثر بعمق وأجاب بصراحة المطلق:«لأكون صريحاً معك... قبل أن تضعي الخنجر على عنقك، كنت أشتهي جسدك فحسب. أما الآن... فأنا غارق في حبك، لقد تملكتِ روحي وعقلي بالكامل!»ردت بقسوة مصطنعة:«أنت تكذب...»اشتعل الغضب في عيني الملك، وارتفع صوته بحدة:«ماذا؟! كيف تجرؤين على نعتي بالكذب؟!»انتفض واقفاً، ورفع يده الضخمة بغريزة البطش والسطوة ليأدبها على جرأتها. لكنها انكمشت على نفسها بجسدها الضئيل المرتجف، مجهشة بالبكاء وكأنها طفلة خائفة:«أرايت؟! أنت لا تحبني حقاً... أنت مجرد طاغية، لكنني اليوم زوجتك،
في منتصف الليل، حين غرق القصر في صمت مطبق إلا من صرير الرياح الباردة، امتدت يد الفتاة المرتجفة لتطرق باب مخدع الملك آرثر ثلاث طرقات بطيئة، هادئة، لكنها كانت أشبه بضربات القدر على جدار العرش.فتح آرثر الباب ببطء، فتراجع خطوة إلى الخلف من هول المنظر. كانت تقف أمامه كأنها أرض خصبة يرويها ماء عذب، تتلفح بقطعة قماش بالية وممزقة لا تكاد تستر نضارة شبابها. كانت تمشي بخطوات حذرة متثاقلة، تنكس رأسها بخجل مصطنع وذل الخدم، مسقطةً نظراتها نحو الأرض.تقدمت نحو عمق الغرفة المظلمة المضاءة بشموع خافتة، وفي لحظة خاطفة تتسم بالقلة والحيلة، أفلتت القماش البالي بحركة واحدة شاردة. سقط الثوب على الأرض، ليتعرى جسدها الذهبي بالكامل في عتمة الغرفة، متألقاً بمنحنيات مبهرة؛ ظهرت مؤخرتها البيضاء المدورة ككنز أثري يلمع في الظلام، مما جعل أنفاس آرثر تتوقف وحواسه تشتعل.قالت بصوت متهدج يقطر انكساراً:«أنا هنا طوع أمرك يا مولاي... أنت الملك، وأنا لستُ إلا خادمة وضيعة عند أقدامك، جئت لأمنحك ما طلبت الحضور لأجله...»سقطت دموعها المزيفة على البلاط البارد كقطرات سمّ ناعم، فاهتز لها قلب آرثر وتملكه ذنب قارس، لم يستطع معه
كانت المطابخ الخلفية لقصر الجنوب تشبه أمعاء وحش حجري غارق في الرطوبة والدخان. امتلأت الجدران بسخام الخشب المشتعل، وكان الهواء ثقيلاً برائحة الشحم المذاب والأعشاب المغلية. وضعت الملكة الأم «مارثا» مارغريت وابنتها الصورية في أدنى درجات السلم الهرمي للخدم: غسيل الأواني النحاسية الثقيلة في مياه المطابخ الباردة.لم تكن تلك عقوبة بالنسبة لمارغريت، بل كانت الفرصة المثالية.في المطابخ، تجتمع أدق تفاصيل الحصن. تعلمت مارغريت من أول يومين جدول وجبات الأمير آرثر، ونوع الخمر الذي يحتسيه، والأوقات التي يغادر فيها جناحه للتدريب أو الاجتماعات العسكرية. وبينما كانت يداها الناعمتان تتحملان خشونة الحجارة والأواني، كانت عينها ترصد مسارات الحراس، وأوقات تبديل الحراسات الليلية، والفتيات اللاتي يدخلن جناح الأمير.جثت الفتاة الشابة بجانبها، وقد شحبت ملامحها وتورمت أصابعها الطرية من الماء البارد، وهمست بنبرة خافضة:— «أمي... العين الحادة التي كانت تنظر إلينا بالأمس ما زالت تلاحقنا. هناك رجل يرتدي زي الحرس الإمبراطوري يراقب المخرج الخلفي طوال الوقت.»لم ترفع مارغريت رأسها، بل استمرت في فرك الإناء النحاسي بثبات
في العتمة الممتدة لجناح ألكسندر الملكي، كان صمت القصر أثقل من الحديد. يقف الطاغية أمام النافذة الشاهقة، عاري الصدر المليء بالندوب، يسحب أنفاسه بصعوبة كحيوان جريح ينتظر فريسته. أُغلق الباب بخفة، وتسللت مارغريت إلى ظله؛ لم تكن ترتدي ثياب الملكة الفاخرة، بل ثوباً بسيطاً خفيفاً يشي بجسدها المنساب وعينيها المحملتين بشرار الدهاء.التفت ألكسندر بنظرة حادة تثقب الظلام، وصوته الجهوري يتردد بتهديد مكتوم:— «أيتها الأفعى... أين كنتِ؟ وما هذه الهمسات التي تصلني عن خروجكِ المرتقب؟»اقتربت مارغريت منه بخطوات بطيئة، متبخترة بجمالها وغنجها، حتى ألصقت جسدها بظهره العريض، ومررت أناملها الناعمة على كتفيه وجراحه القديمة، زافرة أنفاسها الدافئة عند عنقه:— «ألم أعدك بأن أضع عروش الأقاليم الأربعة تحت قدميك؟ الخطة جاهزة يا ملكي... ولكن النصر يتطلب تضحية لا يستطيع تقديمها أحد غيري.»استدار ألكسندر بغضب كاسح، وقبض على معصمها بيده الفولاذية، ليرفعها إليه بنظرة تشع بالجنون:— «تريدين الذهاب بنفسكِ؟ إلى عرين آرثر وأمه الماكرة مارثا؟ هل جُننتِ يا مارغريت؟ لن أسمح لامرأتي ومليكتي أن تطأ أقدامها قصر أعدائي كخادمة با
انفتح الباب ببطء، ودخلت المحظية الشابة التي لم تتجاوز التاسعة عشرة من عمرها، تحفة نادرة من الجمال والعنفوان الصامت. كان شعرها الحريري الطويل ينساب خلفها كشلال أسود، بينما كبّلت يداها خجلاً، وسارت بخطوات متلعثمة خائفة تكاد تتعثر لحياء موقفها. جسدها الصغير الناعم بانحناءاته الممتلئة المفعمة بالحياة كشف عنه قميص نوم خفيف شفاف لا يكاد يستر شيئاً من مفاتنها المذهلة، فبدت كالقمر في ليلة تمامه.تسمّرت عينا ألكسندر عليها، ولشدة الذهول الذي اعتراه أمام هذا الحسن الغض، نهض من فراشه على قدميه إجلالاً للجمال الساطع الذي اقتحم عتمة جناحه.من جانبها، كانت مارغريت تقف بثبات ملكي، ترمق المشهد بابتسامة دهاء خفية؛ لم تكن تقل عنها حسناً بأي حال، فجمال مارغريت الأسطوري الطاغي لا يُضاهى ولا يُبارى، لكنها أدركت بعقلها الثاقب نقطة ضعف زوجها الطاغية... عطشه الجارف للنساء ومفاتنهن. كانت تعلم أن إرواء هذا العطش بيدها وتحت عينها هو السلاح الأمثل لتجريده من حذره، وشلّ تفكيره، وإخضاعه بالكامل لأوامرها وتدابيرها القادمة دون أن يشعر بأغلال السيطرة التي تلفها حول عنقه بذكاء.تقدم الكسندر للمحظية وحمل الفتاة وسط نظر
ابتسمت مارغريت ابتسامة باردة تحمل في طياتها دهاءً مميتاً، ورفعت يدها بإشارة خفيفة لا تحتمل التأويل؛ انسحب الحارس على أثرها بهدوء، واختفى خلف الباب الثقيل كأنه طيف لم يكن.التفت ألكسندر نحوها والريبة تتآكل ملامحه القاسية، ونطق بصوت خشن يقطر حيرة وغضباً كظيماً:— «تصفية من؟! ومن هذا الرعديد الذي يتلقى أوامره منكِ في عقر داري؟»خطت مارغريت نحو السرير بخطوات واثقة تثقلها الهيبة، ونظرت في عينيه مباشرة بثبات زلزل شكوكه، وقالت بنبرة حادة وواثقة كحد السيف:— «مولاي... لقد نذرتُ نفسي كلياً لحمايتك، ولتطهير مدينتك وقصرك من الأرجاس والخونة. لقد قُضي الأمر؛ تمت تصفية المنظمة التي أنشأها ألفريد بطلبٍ مباشر من ملك الجنوب... ذاك الذي كان يخطط لاغتيالك ووأد ملكك.»انحنت عليه قليلاً وهي تتابع بصوت خفيض يتدفق شراً وذكاءً:— «أنا الآن أنظف مسار العرش يا ألكسندر... حصيلة اليوم جثة محظية وجندي خائن، والبقية يتساقطون رقاعاً واحداً تلو الآخر في الظلمات. إنني أستشعر شراً أعظم وأضخم يُحاك بدقة تحت أساسات هذا القصر!»تغيرت نبرتها فجأة لتصبح لاذعة، محملة بعتاب قسري كشف عن الثغرات في درعه الملكي:— «ألكسندر... ك







