Se connecterلم يتحرك أحد.
ظل هاتف سلمى ملتصقًا بأذنها، رغم أن المكالمة انتهت منذ ثوانٍ. كانت تحدق في الشاشة وكأنها تنتظر أن تعود أمها إلى الحياة من خلالها.
أما كريم، فكان ينظر إلى عادل منصور.
قبل دقائق، كان هذا الرجل بالنسبة إليه مجرد اسم على شهادة ميلاد قديمة. والآن، يقف أمامه ويعترف بأنه كان موجودًا في ليلة الحادث، ويحمل سرًّا قد يفسر اختفاء محمود، وحمل سلمى، والذاكرة التي اختفت من عقل كريم.
لكن شيئًا واحدًا لم يستطع كريم تجاهله.
عادل منصور كان خائفًا.
والرجل الذي يملك كل هذا النفوذ لا يخاف بسهولة.
قال كريم:
— مين اللي كان بيكلم سلمى؟
لم يرد عادل.
— أنا بسألك!
رفع عادل عينيه إليه.
— لو عايز تخرج من المكان ده عايش، اسمع كلامي وما تسألش أسئلة ملهاش إجابة دلوقتي.
ضحك كريم بمرارة.
— غريبة. كل واحد فيكم بيقول لي نفس الكلام. أمي عايزاني أعيش، وإنت عايزني أعيش، وسلمى خايفة عليّا. طب ما حد فيكم يقول لي الحقيقة بدل ما يفضل يقرر أنا أقدر أعرف إيه وما أقدرش أعرف إيه!
اقترب عادل خطوة.
— الحقيقة مش دايمًا بتنقذ الناس يا كريم.
— والكذب بينقذهم؟
لم يجب عادل.
فجأة، سمعوا صوت محرك سيارة في الخارج.
تغير وجه عادل.
أطفأ مصباح هاتفه، وأشار إليهما أن يبتعدا عن البوابة.
— ورايا. بسرعة.
تراجعت سلمى.
— أنا مش هسيب ماما!
أمسك عادل بذراعها، لكنها سحبتها بعنف.
— إوعى تلمسني!
توقف الرجل، ونظر إليها نظرة غريبة، امتزج فيها الغضب بشيء أقرب إلى الندم.
— لو كنت أعرف إن الليلة دي هتوصلنا لكده، كنت قلت لك الحقيقة من سنين.
— الحقيقة؟ — صاحت سلمى. — إنت حتى ما كنتش عايزني أعرف إني اتولدت هنا! كنت بتقول لي إني اتولدت في مستشفى تاني، وإن أمي تعبت بعد ولادتي، وإن مفيش أي علاقة بيني وبين المكان ده!
انخفض صوتها فجأة.
— إنت كنت بتكدب عليّا من أول يوم.
نظر عادل إلى الأرض.
— كنت بحاول أحميكي.
قالت سلمى، وهي تمسح دموعها:
— أنا كرهت الجملة دي.
ثم ابتعدت عنه ووقفت بجوار كريم.
للمرة الأولى، لم تعد تبدو له الفتاة الغامضة التي ظهرت في الجامعة لتقلب حياته.
بدت شخصًا آخر ضحية السر نفسه.
لكن ذلك لم يعنِ أنه يستطيع الوثوق بها.
قال كريم:
— مش هنمشي معاك قبل ما نعرف مين اللي اتصل بيها.
رفع عادل رأسه، وقال ببطء:
— الشخص اللي اتصل بيها هو السبب في اختفاء محمود.
صمت لحظة، ثم أضاف:
— وهو الشخص الوحيد اللي يقدر يثبت إنك مش ابني، وإن محمود مش أبوك.
### 1\. اسم لم يكن يجب أن يعود
قادهم عادل عبر ممر جانبي داخل المستشفى.
كان المكان مهجورًا، والجدران مغطاة ببقع الرطوبة، بينما تناثرت على الأرض أوراق قديمة وأجزاء من معدات طبية صدئة.
توقف أمام باب معدني صغير، وأخرج مفتاحًا من جيبه.
قال كريم:
— إنت معاك مفاتيح مستشفى مقفولة من سنين؟
— المستشفى دي كانت ملك عيلتي قبل ما تتباع.
— وليه رجعت لها دلوقتي؟
فتح عادل الباب دون أن يجيبه.
دخلوا غرفة أرشيف صغيرة، تتراص على جدرانها خزائن حديدية. في منتصف الغرفة مكتب خشبي، فوقه جهاز تسجيل قديم وحاسوب محمول.
أغلق عادل الباب بالمفتاح.
ثم نظر إلى كريم.
— قبل ما تسمع التسجيل، لازم تعرف إن اللي هتسمعه ممكن يكون ناقص.
— يعني إيه؟
— يعني إن فيه حد حذف أجزاء منه.
— وإنت عرفت منين؟
— لأني أنا اللي طلبت حذفها.
ساد الصمت.
اقترب كريم منه، واشتعل الغضب في عينيه.
— إنت بتعترف بكل حاجة كأنك بتحكي عن الطقس! إنت كنت موجود وقت الحادث، وإنت أخفيت التسجيلات، وإنت اسمك موجود في شهادة ميلادي. عايزني أصدق إنك بتحاول تساعدني؟
لم يدافع عادل عن نفسه.
أخرج وحدة تخزين صغيرة من جيبه، ووضعها على المكتب.
— مش مطلوب منك تصدقني. مطلوب منك تسمع.
وصل الوحدة بالحاسوب، وفتح ملفًا يحمل تاريخ الحادث الذي تعرض له كريم قبل ثلاثة أشهر.
ظهرت صورة ثابتة لممر فندق.
فندق النخيل — الغرفة 307.
شعر كريم بوخزة حادة في رأسه.
الصورة مألوفة.
الإضاءة الصفراء.
السجادة الحمراء.
رقم الغرفة.
ثم ظهر رجل في التسجيل، يدخل الممر مسرعًا.
كان يرتدي قميصًا داكنًا، ويحمل حقيبة جلدية صغيرة.
لم يظهر وجهه بوضوح.
بعد دقائق، خرج كريم من الغرفة.
كان وجهه شاحبًا، وقميصه ملطخًا بالدم.
توقف التسجيل لثانيتين، ثم عاد.
ظهر كريم وهو ينظر مباشرة إلى الكاميرا، كأنه يعرف مكانها.
فتح فمه وقال شيئًا لم يلتقطه الصوت.
لكن عادل أوقف التسجيل عند تلك اللحظة.
— إنت قلت إيه هنا؟ — سأل كريم.
— ما أعرفش. الصوت اتحذف.
— إنت قلت إنك حذفت أجزاء من التسجيل.
— الجزء ده ما حذفتوش أنا.
أعاد عادل تشغيل المقطع، ورفع مستوى الصوت.
خرج صوت مشوش، ثم بدأت الكلمات تتضح.
صوت كريم، مرتجفًا ومتقطعًا:
«... مش هو... محمود...»
ثم صوت ارتطام.
وانتهى المقطع.
وضع كريم يده على رأسه.
رأى ومضة خاطفة.
باب مفتوح.
رائحة دخان.
يدًا مغطاة بالدم.
وصوت رجل يقول:
«لو خرجت من هنا، هتنسى كل حاجة.»
صرخ كريم وتراجع عن المكتب.
أمسكت سلمى بذراعه.
— كريم! إنت كويس؟
أبعد يدها، وراح يتنفس بصعوبة.
— أنا شفت حاجة...
— إيه اللي شفته؟ — سأل عادل.
نظر إليه كريم بعينين حمراوين.
— شفتك إنت.
تجمد عادل.
— كنت واقف في الأوضة. كنت بتتكلم مع حد، وبتقول له إن محمود...
توقف كريم فجأة.
لم يستطع استكمال الجملة.
كان هناك شيء يمنعه من الوصول إلى بقية الذكرى، كأن عقله يغلق بابًا بعنف كلما اقترب منه.
قال عادل بصوت منخفض:
— محمود كان هناك فعلًا.
رفع كريم رأسه بسرعة.
— كان عايش؟
أطرق عادل برأسه.
— أيوه.
— وبعدها؟
لم يجب.
أمسك كريم بمقدمة معطفه.
— وبعدها إيه؟!
صرخ عادل:
— اختفى!
دفعه كريم بعيدًا.
— كلكم بتقولوا اختفى! أمي بتقول اختفى، وإنت بتقول اختفى، وفي حد بعت لي إنه اتقتل! هو اختفى ولا مات؟!
نظر عادل إليه طويلًا، ثم قال:
— آخر مرة شفت فيها محمود، كان عايش.
— إمتى؟
— من تلات شهور.
شعر كريم بأن الغرفة تضيق من حوله.
محمود لم يختفِ منذ تسع سنوات، كما أخبرته أمه.
أو ربما اختفى فعلًا في طفولته، ثم عاد للظهور قبل الحادث بثلاثة أشهر.
لكن لماذا لم يخبره أحد؟
ولماذا يحمل التسجيل اسمه؟
ولماذا كان الدم على قميصه؟
قبل أن يتمكن من السؤال، انطفأ الحاسوب فجأة.
ثم سمعوا صوت ارتطام قوي بالباب المعدني.
مرة واحدة.
ثم مرة ثانية.
اقترب عادل من الباب، وأخرج هاتفه.
نظر إلى الشاشة، ثم فقد وجهه لونه.
قالت سلمى:
— إيه اللي حصل؟
رفع عادل إصبعه أمام فمه، مطالبًا إياها بالصمت.
ثم همس:
— لقونا.
### 2\. المكالمة الأخيرة
أخرج عادل هاتفًا ثانيًا من جيب معطفه، واتصل برقم محفوظ دون اسم.
انتظر ثلاث ثوانٍ.
ثم قال:
— إحنا في الأرشيف. وصلوا للمستشفى.
جاءه صوت رجل من الطرف الآخر.
لم يستطع كريم سماع الكلمات، لكنه رأى ملامح عادل تتغير.
— لأ، الولد معايا.
صمت.
— قلت لك مش هسيبه لهم.
صمت أطول.
ثم قال عادل، بنبرة لم يسمعها كريم منه من قبل:
— أنا مش هكرر اللي عملته زمان.
أغلق الهاتف.
اقتربت سلمى منه.
— مين كان ده؟
نظر عادل إليها، ولم يجب.
لكن كريم لاحظ شيئًا.
يد عادل كانت ترتجف.
قال كريم:
— إنت خايف منه.
رفع عادل عينيه إليه.
— أيوه.
— مين هو؟
تردد عادل للحظة، ثم قال:
— اسمه فؤاد الشاذلي.
لم يعرف كريم الاسم.
لكن سلمى شهقت.
— مستحيل.
التفت إليها.
— تعرفيه؟
هزت رأسها ببطء.
— الاسم ده موجود في ملفات الشركة. كان شريك أبويا القديم، لكنه مات من أكتر من عشر سنين.
ابتسم عادل ابتسامة مريرة.
— ده اللي الناس كلها فاكره.
ثم نظر إلى الباب.
— فؤاد هو الشخص اللي كان مسؤول عن إدارة المستشفى ليلة ولادتكم. وهو اللي وقّع على نقل ملف الطفلة التانية. وبعد اختفاء محمود، هو اللي ساعدني أدفن الحقيقة.
تراجع كريم.
— ساعدك؟ إنت قلت إنك بتحاول تحمينا!
— كنت شريكًا له يا كريم.
قالها عادل بلا محاولة لتجميلها.
— في البداية، وافقت على تغيير بعض الأوراق. كنت فاكر إن الموضوع مجرد خلاف عائلي، وإن محمود بيحاول يستخدم الأطفال للضغط عليّا. لكن لما اختفت الطفلة، ولما عرفت إن في تقارير اتغيرت، فهمت إن الموضوع أكبر مني.
— ومع ذلك سكتّ.
أومأ عادل.
— أيوه.
كانت تلك أول إجابة صادقة يسمعها كريم منه.
وأكثرها قسوة.
— ليه؟
نظر عادل إلى سلمى.
— لأن الشخص اللي اختفى كان ابني... أو على الأقل، ده اللي كنت فاكره.
تراجعت سلمى خطوة.
— بابا، إنت بتقول إيه؟
لم يجبها مباشرة.
أخرج من حقيبته ملفًا رفيعًا، ووضعه أمامها.
— ده تقرير تحليل وراثي قديم. اتعمل قبل ما تتمّي عشر سنين.
فتحت سلمى الملف بيدين مرتجفتين.
قرأت السطر الأول.
ثم الثاني.
وبعدها توقفت.
رفعت عينيها إليه، وقد اختفى اللون من وجهها.
— لا...
قال عادل:
— أنا آسف.
هزت رأسها بعنف.
— لا، إنت كداب! إنت قلت لي طول عمري إني بنتك!
اقترب منها، لكنها تراجعت حتى اصطدمت بالخزانة.
— أنا ربيتك على إنك بنتي، وكنت بحبك كأنك بنتي فعلًا.
— لكني مش بنتك؟
لم يجب.
كانت الإجابة واضحة في صمته.
شعرت سلمى أن ساقيها لم تعودا تحملانها، فجلست على الكرسي خلفها.
نظر كريم إلى التقرير، ثم إلى عادل.
— إنتوا بتعملوا إيه؟ بتغيروا الأب والأم والأسماء زي ما بتغيروا الملفات؟!
قال عادل:
— اللي في الملف ده مش معناه إننا عرفنا كل الحقيقة. التحليل قديم، والعينة اللي اتاخدت وقتها مش موثّقة بشكل كافي. ممكن يكون مزوّر، وممكن يكون صحيح. عشان كده أنا كنت بدوّر على محمود.
رفع كريم رأسه.
— ليه؟
— لأن محمود كان الوحيد اللي يعرف مين الطفلة اللي اختفت فعلًا، ومين اللي رجعت بدلًا منها.
نظر إلى سلمى.
ثم أضاف:
— والطفلة اللي ربيتها في بيتي طول السنين دي، ممكن تكون مش الطفلة اللي اتولدت في المستشفى أصلًا.
لم تستطع سلمى الرد.
أما كريم، فكان يشعر أن الحقيقة تتشظى إلى احتمالات أكثر مما يستطيع عقله تحمّله.
ثم جاء صوت من خلف الباب.
صوت هادئ، واضح، وكأنه لم يأتِ لاقتحام مكان مهجور، بل لحضور اجتماع عمل.
— عادل... افتح الباب.
تجمد عادل.
همست سلمى:
— فؤاد؟
جاء الصوت مجددًا:
— عارف إنك مع الولدين. وعارف إنك شغّلت التسجيل.
اقترب عادل من الباب، لكنه لم يفتحه.
قال الرجل من الخارج:
— خلينا نختصر الوقت. سلّم لي كريم، وأنا هسيب البنت تمشي.
صرخت سلمى:
— إنت مين؟!
ضحك الرجل.
— اسألي أبوكي، يا سلمى. هو اللي وقّع على الورق.
ثم أضاف:
— واسأليه كمان عن الطفل اللي مات ليلة الولادة.
### 3\. الطفل الثالث
ساد صمت ثقيل.
نظر كريم إلى عادل.
كان الرجل واقفًا أمام الباب، لكنه بدا كأنه لم يعد يرى الغرفة.
— طفل تالت؟ — همس كريم.
لم يرد عادل.
اقترب كريم منه.
— إنت كنت عارف إن فيه طفل تالت؟
أغمض عادل عينيه.
— كنت عارف إن فيه ملف تالت.
— ملف؟ ولا طفل؟
رفع عادل رأسه، وقال بصوت مبحوح:
— محمود قال لي إن فيه ثلاثة أطفال اتسجلوا في نفس الليلة، مش اتنين. لكني ما شفتش غير اتنين.
قالت سلمى:
— طب مين الطفل الثالث؟
جاء صوت فؤاد من خلف الباب:
— اسألوا كريم.
شعر كريم ببرودة في أطرافه.
— أنا مالي؟
— لأن الطفل الثالث هو السبب اللي خلّى محمود يغيّر اسمك، وهو السبب اللي خلّى نادية تكذب عليك، وهو السبب اللي خلّى عادل يدفع ملايين عشان يقفل المستشفى.
ضرب فؤاد الباب بيده.
— افتح يا عادل. كفاية لعب.
التفت كريم إلى عادل.
— افتح الباب.
نظر عادل إليه بدهشة.
— إنت فقدت عقلك؟
— لأ. أنا تعبت من إن كل واحد فيكم يقرر عني.
اقترب كريم من الباب.
— لو عايزني، أنا هنا. بس قبل ما أخرج، هتقول لي الطفل الثالث مين.
ضحك فؤاد من الخارج.
— أخيرًا، بدأت تفهم.
ثم قال جملة جعلت عادل يتراجع عن الباب:
— الطفل الثالث ما ماتش يا كريم.
توقف لحظة، ثم أكمل:
— الطفل الثالث هو اللي كان قاعد جنبك في العربية ليلة الحادث.
انفجر شيء داخل رأس كريم.
لم تكن ذكرى كاملة.
كانت ومضات.
مصابيح سيارة تقترب.
صوت فرامل حاد.
يد تمسك بمقود السيارة.
شخص يجلس بجواره، يضغط على كتفه ويصرخ:
«ما تنساش اسمك! مهما حصل، ما تنساش اسمك!»
ثم صوت زجاج يتحطم.
وصوت آخر، بعيد جدًا:
«محمود...»
سقط كريم على ركبتيه، ممسكًا برأسه.
ركعت سلمى بجواره.
— كريم! بص لي! كريم!
لكنه لم يستطع الرد.
كان يرى وجهًا أمامه.
وجه رجل شاب، يشبهه بصورة مخيفة.
نفس العينين.
نفس الشعر الداكن.
ونفس العلامة الهلالية الصغيرة على الكتف الأيسر، التي ظهرت في الصورة القديمة.
ثم سمع صوت الرجل، واضحًا هذه المرة:
«أنا أخوك يا كريم.»
اختفت الصورة فجأة.
فتح كريم عينيه.
كان عادل يحدق فيه بصدمة.
أما سلمى، فكانت تبكي.
ومن خلف الباب، جاء صوت فؤاد للمرة الأخيرة:
— دلوقتي عرفت ليه كان لازم أنهي الموضوع من زمان.
ثم سمعوا صوت مفتاح يدور في القفل.
لكن عادل لم يكن يحمل المفتاح.
شحب وجهه.
همس:
— مستحيل...
انفتح الباب ببطء.
وقف رجل في منتصف الخمسينيات، يرتدي بدلة رمادية أنيقة، ويحمل عصًا سوداء ذات مقبض فضي.
لم يكن يحمل سلاحًا.
ولم يحتج إلى ذلك.
فقد كان عادل منصور ينظر إليه كما ينظر رجل إلى شبح عاد من قبره.
ابتسم فؤاد الشاذلي.
ثم نظر مباشرة إلى كريم.
— أهلًا يا ابني.
توقف كريم عن التنفس.
قال فؤاد بهدوء:
— أنا أبوك الحقيقي.
وفي اللحظة نفسها، رن هاتف كريم.
رسالة جديدة من رقم مجهول.
صورة لرجل ملقى على أرضية غرفة فندق، وبجواره خاتم فضي بحجر أسود.
وتحت الصورة، جملة واحدة:
«ما تصدقوش فؤاد... محمود لسه عايش.»
— اسمه الحقيقي مش مهم دلوقتي.استدار كريم إليه بعنف.— كل مرة تقولوا لي إن حاجة مش مهمة، بتطلع أهم حاجة في حياتي!رفع فؤاد يده مستسلمًا.— عندك حق. اسمه الحقيقي هو…توقف عندما سمع صوت سيارة تدخل الساحة.أضواء المصابيح اجتاحت الجدار المقابل.الرجل ذو البدلة السوداء تحرك فورًا، ووقف أمام كريم وسلمى.— ورايا. دلوقتي.قال فؤاد بحدة:— إنت بتعمل إيه؟أجابه الرجل:— اللي كان لازم أعمله من أول يوم.ثم أخرج من جيبه بطاقة صغيرة، ورفعها أمام محمود.لم يستطع كريم قراءة كل ما عليها، لكنه لمح شعارًا رسميًا وصورة قديمة.سمع محمود يهمس:— مستحيل…نظر إليه كريم.— إيه؟قال محمود، وكأن الكلمات خرجت رغمًا عنه:— ده مش الراجل اللي كان بيراقبك.ابتعد الرجل عنهم خطوة.— أنا مش جاي أراقبه يا محمود.ثم نظر مباشرة إلى كريم.— أنا جاي أخده.لم ينتظر محمود تفسيرًا.دفع كريم وسلمى ناح
لم يرفع كريم عينيه عن الصورة.امرأة تقف أمام بوابة الجامعة، ترتدي معطفًا أسود، وشعرها الداكن ينسدل على كتفيها. في رقبتها قلادة نصف القمر نفسها التي ترتديها سلمى.لكن وجهها…كان وجهًا آخر.أو بالأحرى، كان وجهًا يشبه وجه سلمى إلى درجة جعلت التمييز بينهما صعبًا، لولا الندبة الصغيرة أسفل الحاجب الأيسر، والنظرة التي بدت مألوفة لكريم دون أن يعرف السبب.كبّر الصورة بأصابعه.خلف المرأة، عند البوابة، كان هناك طالب يحمل حقيبة زرقاء. وعلى الزجاج المجاور لها انعكاس شخص يرتدي بدلة سوداء.الرجل الذي يقف الآن خلف فؤاد.رفع كريم رأسه ببطء.— إنت كنت بتراقبها؟لم يجب الرجل.ابتسم فؤاد ابتسامة متوترة، ثم قال:— مش كل صورة معناها إن صاحبها موجود في المكان فعلًا.رد كريم دون أن يبعد عينيه عنه:— ومش كل واحد بيقول الحقيقة بيكون صادق.تبدلت ملامح فؤاد للحظة.كانت الجملة نفسها تقريبًا التي قالها له من قبل، لكن هذه المرة خرجت من فم كريم كتهديد.تقدم محمود
— أنا عمري ما مسكت مسدس في حياتي.— دي الذاكرة اللي عندك.— وإنت فاكر إنك لو قلتلي أي حاجة، هصدقك؟— لا. أنا عارف إنك مش هتصدقني.اقترب محمود منه، لكن هذه المرة لم يحاول لمسه.أخرج محمود من جيبه وحدة تخزين صغيرة، ووضعها فوق الطاولة.كان عليها ملصق أبيض كُتب عليه الرقم:307 — النسخة الأصلية.قالت سلمى:— منين جبت ده؟— من سامح.— بس فؤاد قال إن سامح مات في الفندق.— فؤاد قال حاجات كتير.— إنت بتقول إنه كذاب؟— أنا بقول إن فؤاد عمره ما احتاج يكذب في كل الجملة. كان يكفيه يغيّر كلمة واحدة.أمسك كريم بوحدة التخزين.— التسجيل ده فيه إيه؟— آخر عشر دقائق قبل ما تدخل الغرفة.— وبعد ما دخلت؟تردد محمود.— الجزء ده ناقص.— ليه؟— لأن اللي أخده كان عارف إن العشر دقايق اللي بعدهم أخطر من اللي قبلهم.بحثت سلمى في حقيبتها وأخرجت حاسوبًا صغيرًا كانت تستخدمه في الجامعة. وصلته بوحدة التخزين.ظهرت عدة ملفات على الشاشة، بعضها تالف، وبعضها لا يحمل أسماء.كان هناك ملف واحد فقط يمكن فتحه.CAM_307_23-14.mp4ضغطت سلمى عليه.ظهرت صورة كاميرا مراقبة لممر فندق النخيل. الوقت في زاوية الشاشة كان يشير إلى الحادية
«يبقى هي عرفت إني أنا اللي قتلته.»قال محمود الجملة بهدوء غريب.هدوء رجل لم يعد يخشى أن يُكشف سره، أو رجل تعب من الهرب لدرجة أنه لم يعد يهتم بما سيحدث بعد ذلك.أما كريم، فظل ينظر إليه كأنه يسمع صوتًا صادرًا من شخص آخر.لم يتحرك.لم يصرخ.حتى أنفاسه بدت وكأنها توقفت للحظة.ثم قال بصوت منخفض:— قتلت مين يا محمود؟رفع محمود عينيه إليه.— مش كل سؤال ليه إجابة تقدر تستحملها.اقترب كريم منه خطوة.— أنا مش بسألك إذا كنت أقدر أستحملها. أنا بسألك قتلت مين؟تدخلت سلمى، التي كانت تقف بجوار الباب، وعيناها تنتقلان بينهما بقلق.— محمود، الرسالة بتقول إن القاتل هو الشخص اللي رجع مع كريم. إنت رجعت معاه. يعني أمه بتتهمك بقتل أبوه.التفت محمود إليها.— وإنتِ متأكدة إنك فهمتي الرسالة صح؟— أمال أفهمها إزاي؟— زي ما فهمتي كل حاجة تانية من الناس اللي حواليكي؟ زي ما صدقتي إن كريم أبو الطفل اللي في بطنك؟ زي ما صدقتي إن عادل أبوكي؟ ولا زي ما صدقتي إن اسمك سلمى؟تراجعت سلمى خطوة، وكأن كلماته لمست شيئًا كانت تحاول إخفاءه حتى عن نفسها.— إنت مالكش حق تتكلم عن اسمي.— عندك حق. أنا ما بقاش ليا حق في حاجات كتير.ع
(الغرفة 307) : شعر كريم بأن قلبه يضرب صدره بعنف. — إنت بتقول إن مريم كانت في الغرفة 307 ليلة الحادث؟— أيوه. — ليه؟ — لأنها كانت بتحاول تقابل سامح. قال محمود: — ده مش صحيح. التفت فؤاد إليه. — إنت ما كنتش موجود. — كنت موجود قبل ما توصلوا. — لكنك هربت قبل ما تشوف النهاية. صمت محمود. نظر كريم إلى أبيه، ثم إلى فؤاد. — يعني مريم كانت في الفندق، وسامح مات، وأنا دخلت الغرفة بعدها؟ أومأ فؤاد. — ده اللي بيقوله التسجيل. — وكنت أنا اللي قتلته؟ لم يجب فؤاد. لكن صمته كان كافيًا لإشعال الشك. تذكر كريم الصورة التي ظهرت على هاتفه: نفسه داخل الغرفة، والسكين في يده، والدم على قميصه. تذكر الصوت الذي سمعه في المستشفى: «لو خرجت من هنا، هتنسى كل حاجة.» والمكالمة القديمة: «لو عايز أمك تفضل عايشة، لازم تيجي لوحدك.» هل كان قد ذهب إلى الفندق لإنقاذ مريم؟ هل وجد سامح مقتولًا؟ هل أمسك السكين لأنه حاول الدفاع عن نفسه؟ أم أن الحقيقة أسوأ من ذلك؟ قال كريم: — أنا لازم أرجع الفندق. أمسكت سلمى بذراعه. — لأ، مش لوحدك. نظر إليها. — إنتِ ليه مصممة تيجي معايا؟ ترددت. ثم قالت: — لأن في
لم يبكِ محمود بصوت مرتفع.لم يصرخ، ولم يغطِّ وجهه بيديه، ولم يحاول أن يخفي دموعه.كل ما فعله أنه ظل واقفًا أمام كريم، ينظر إليه كما لو أنه يراه للمرة الأولى، بينما تنحدر دمعة بطيئة على وجهه الذي أنهكته السنوات.لكن كريم لم يستطع أن يشعر بالشفقة عليه.ليس بعد.قبل دقائق، كان أبوه بالنسبة إليه رجلًا مات منذ سنوات. ثم عاد من الموت، وأخبره أن حياته مبنية على أكاذيب، وأنه ربما دخل غرفة فندق ليقتل الفتاة التي يزعم أنه يحبها، وأن لديه أختًا توأمًا لم يسمع عنها يومًا.أخت.كلمة واحدة كانت كافية لتفتح بابًا جديدًا في ماضٍ لم يعد يتسع لمزيد من الأسرار.رفع كريم الصورة أمام محمود.— إنت عارف مين أختي؟مسح محمود دموعه، لكنه لم يجب.— أنا بسألك! أختي فين؟ عايشة فين؟ وليه محدش قال لي إنها موجودة؟اقترب محمود منه، ومد يده نحو كتفه.تراجع كريم.توقفت يد أبيه في الهواء.— ما تلمسنيش.انخفضت يد محمود ببطء.قال كريم، وصوته يزداد حدة:— إنت مش من حقك ترجع بعد كل السنين دي، وتطلب مني أصدقك. إنت سبتني وأنا عندي سبع سنين. كنت بستناك كل عيد، وكل عيد ميلاد، وكل مرة أسمع فيها صوت عربية تقف تحت البيت. أمي كانت







