เข้าสู่ระบบ«أنا أبوك الحقيقي.»
لم تكن الجملة مجرد كلمات قالها رجل غريب. كانت أشبه بحكم صدر على حياة كريم كلها، حكم يعيد كتابة طفولته، واسم عائلته، وكل ذكرى ظن أنها تخصه وحده.
وقف فؤاد الشاذلي عند باب غرفة الأرشيف، مستندًا إلى عصاه السوداء. كان شعره رماديًا مرتبًا بعناية، وبدلته خالية من أي تجعيدة، وعلى وجهه ابتسامة هادئة لا تناسب الكلمات التي نطق بها.
أما عادل منصور، فكان يحدق فيه كما لو أنه رأى رجلًا خرج لتوه من قبره.
قال عادل بصوت خافت:
— إنت...
ابتسم فؤاد.
— أيوه يا عادل. أنا.
— إنت ميت.
— دي مشكلة الناس اللي بتصدق الأوراق أكتر من عينيها.
تراجع عادل خطوة.
— أنا حضرت جنازتك.
— حضرت جنازة شخص تاني.
ساد الصمت.
شعر كريم أن الرجلين يتحدثان بلغة لا يفهمها أحد غيرهما، لغة صُنعت من أسرار قديمة وجرائم لم تُكشف.
رفع كريم هاتفه، وأراه صورة الرجل الملقى على أرضية الفندق.
— مين ده؟
نظر فؤاد إلى الشاشة.
للحظة واحدة، اختفت ابتسامته.
كانت لحظة قصيرة جدًا، لكنها لم تفلت من كريم.
قال فؤاد:
— منين جبت الصورة دي؟
— جاوبني الأول.
أعاد فؤاد نظره إليه، ثم قال:
— محمود.
شعر كريم أن الأرض انسحبت من تحت قدميه.
— أبويا؟
— الرجل اللي كنت فاكره أبوك، أيوه.
— إنت قلت إنك أبويا الحقيقي!
أومأ فؤاد بهدوء.
— وده صحيح.
اندفع كريم نحوه، لكن سلمى أمسكت بذراعه.
— استنى يا كريم.
التفت إليها بعنف.
— أستنى إيه؟! كل واحد هنا بيقول إنه أبوي، وكل واحد عنده قصة مختلفة! أمي قالت إن محمود اختفى، وعادل قال إنه شافه من تلات شهور، وإنت بتقول إنك أبويا! هو أنا لعبة عندكم؟!
لم يتغير وجه فؤاد.
— لا. إنت أهم من إنك تكون لعبة.
— أمال أنا إيه؟
اقترب فؤاد ببطء.
— إنت آخر حاجة فاضلة من اللي حصل زمان.
### 1\. الرجل الذي لم يمت
أغلق فؤاد الباب خلفه، ثم أشار إلى الكراسي المحيطة بالمكتب.
— اقعدوا. الليلة طويلة، ومش هينفع تفضلوا واقفين طول الوقت.
لم يجلس أحد.
ابتسم فؤاد ابتسامة باهتة.
— لسه عندك نفس عناد محمود يا كريم.
— ما تجيبش سيرة محمود.
— ليه؟ خايف تعرف إنه ما كانش الشخص اللي أمك حكتلك عنه؟
قبض كريم يديه.
— أنا مش هسمحلك تستخدم أمي عشان تخليني أصدقك.
للمرة الأولى، نظر فؤاد إليه بشيء يشبه الإعجاب.
— كويس. على الأقل، فيه حاجة واحدة علمهالك محمود صح.
تدخل عادل:
— كفاية يا فؤاد. إنت مش جاي عشان تحكي ذكريات.
التفت إليه فؤاد.
— فعلًا. أنا جاي آخد الملف.
— مفيش ملف معايا.
— يبقى هنضطر نفتش.
ضرب فؤاد طرف عصاه بالأرض مرة واحدة.
دخل رجلان من الممر، يرتديان ملابس سوداء. لم يتكلما، لكن وجودهما كان كافيًا لتغيير الجو في الغرفة.
وقفت سلمى أمام عادل.
— إنت مش هتلمس حد!
نظر إليها فؤاد طويلًا.
— سلمى منصور. البنت اللي قضت عمرها كله بتدور على إجابة لسؤال محدش سمح لها تسأله.
ارتجفت شفتاها.
— إنت تعرفني؟
— أعرف عنك أكتر مما تتخيلي.
— أنا مين؟
لم يجبها مباشرة.
بدلًا من ذلك، أخرج ورقة من جيبه ووضعها على المكتب.
كانت صورة قديمة لطفلة حديثة الولادة، وبجانبها سوار المستشفى.
الرقم المكتوب على السوار كان واضحًا:
307.
قال فؤاد:
— دي أول صورة اتصورت للطفلة اللي اختفت من المستشفى.
اقتربت سلمى من الورقة.
— دي أنا؟
— مش بالضرورة.
رفعت رأسها إليه.
— إنت بتقول إيه؟
— بقول إن فيه فرق بين الطفلة اللي اتولدت في المستشفى، والطفلة اللي اتسجلت باسم سلمى منصور.
تراجعت سلمى، ووضعت يدها على فمها.
واصل فؤاد حديثه:
— ليلة الولادة، كان فيه ثلاثة أطفال في الملفات. لكن لما جه الصبح، بقى فيه طفلين بس. واحد خرج مع أمه، والتاني خرج مع رجل وقّع على أوراق استلامه.
نظر إلى عادل.
— والرجل ده كان عادل.
صرخت سلمى:
— أنا مش عايزة أسمع منك حاجة!
لكن فؤاد لم يتوقف.
— عادل أخد طفلة من المستشفى وربّاها باعتبارها بنته. ومحمود أخد طفلًا تاني وغيّر اسمه. أما الطفل الثالث...
صمت لحظة.
ثم نظر إلى كريم.
— الطفل الثالث ما خرجش من المستشفى بالطريقة اللي خرج بيها الباقيين.
شعر كريم بأن ذاكرته تتحرك في مكان بعيد، خلف باب مغلق.
— إيه اللي حصل له؟
أجاب فؤاد:
— دي الإجابة اللي محمود اختفى عشان يخبيها.
ثم مد يده نحو الصورة.
— والملف اللي جاي آخده هو الدليل الوحيد اللي يقدر يثبت إن كلامي صح.
### 2\. الاسم المكتوب بالدم
لاحظ كريم أن عادل يضغط على جيب معطفه الأيسر.
كان يخفي شيئًا.
تذكر كلام فؤاد عن الملف، ونظر إلى جيب عادل.
— إنت معاك الملف؟
لم يرد عادل.
قال فؤاد:
— اسأله عن الظرف الأحمر يا كريم.
تغير وجه عادل فورًا.
اقترب منه أحد الرجلين، لكن عادل رفع يده مانعًا إياه.
— ما تقربش.
ثم نظر إلى كريم.
— أنا كنت ناوي أديهولك.
— إمتى؟ بعد ما كل واحد فينا يموت؟
أخرج عادل ظرفًا أحمر قديمًا، ووضعه على المكتب.
كان مغلقًا بختم شمعي أسود، وفي منتصفه حرفان متداخلان:
م. ع.
فتح فؤاد الظرف ببطء.
في داخله ثلاث صفحات وصورة أشعة قديمة.
قرأ السطر الأول بصوت مرتفع:
— «إقرار بتعديل بيانات المواليد بناءً على طلب ولي الأمر...»
توقف.
نظر إلى عادل.
— لسه محتفظ بالإقرار ده؟
— ما قدرتش أتخلص منه.
— ولا قدرت تصلح اللي عملته.
خفض عادل رأسه.
تابع فؤاد القراءة:
— «أقر أنا محمود عبدالرحمن بأن الطفل المسجل باسم كريم عادل منصور سيُنقل إلى رعاية نادية إبراهيم، على أن تُحفظ هويته الأصلية سرية حتى إشعار آخر.»
رفع كريم رأسه ببطء.
— كريم عادل منصور؟
نظر إلى شهادة الميلاد القديمة التي وجدها في بيت أمه.
الاسم نفسه.
لكن لماذا كان اسم محمود موجودًا في كل الصور والذكريات، بينما الأوراق تقول إن أباه شخص آخر؟
واصل فؤاد:
— «ويُحظر الكشف عن وجود الطفل الثالث، نظرًا لارتباطه بالقضية رقم...»
كان جزء من الصفحة ممزقًا.
قال كريم:
— القضية رقم كام؟
قلب فؤاد الورقة.
— الجزء ده مش موجود.
أخذ عادل الصورة من فوق المكتب.
كانت صورة أشعة، وبجوارها ملاحظة طبية قصيرة.
قرأها، ثم شحب وجهه.
لاحظت سلمى ذلك.
— إيه المكتوب؟
لم يجبها.
انتزعت الورقة من يده.
كان في أعلاها تاريخ ليلة الولادة، وتحته ملاحظة:
«تطابق وراثي غير متوقع بين الطفل الأول والعينة المرجعية. يُوصى بإعادة الفحص قبل اعتماد السجل النهائي.»
وتحت الملاحظة توقيع الطبيب.
الدكتور يوسف إبراهيم.
اسم والد نادية.
رفع كريم عينيه إلى فؤاد.
— يعني إيه تطابق وراثي؟
أجاب فؤاد:
— يعني إن أحد الأطفال كان مرتبطًا بالعينة المرجعية بطريقة ما. لكن الورقة وحدها ما تثبتش مين الأب، ولا تثبت إن السجل سليم. محتاجين الملف الكامل.
— وإنت عايز الملف ليه؟
اقترب فؤاد منه.
— عشان أعرف مين فيكم اتبدّل اسمه، ومين اتبدّل مكانه، ومين مات بدل ما يعيش.
توقف كريم عند الكلمة الأخيرة.
— مين مات؟
لم يجب فؤاد.
بدلًا من ذلك، نظر إلى سلمى.
— إنتِ حامل يا سلمى؟
تجمدت.
— إنت عرفت منين؟
— لأن كل حاجة رجعت تتحرك من يوم ما عادل عرف إنك حامل.
تدخل كريم بسرعة:
— إنت مالك بحملها؟
ابتسم فؤاد، لكن عينيه ظلتا باردتين.
— لأن الطفل ده ممكن يكون المفتاح الوحيد لإثبات الحقيقة.
ثم أضاف:
— وممكن يكون سبب موتكم كلكم.
### 3\. اعتراف عادل
— كفاية.
كان الصوت صادرًا عن عادل.
للمرة الأولى، لم يكن في صوته خوف ولا تردد.
كان غاضبًا.
وقف أمام فؤاد، وقال:
— إنت مش هتستخدم الولاد تاني.
ضحك فؤاد.
— الولاد؟ إنت لسه بتتكلم كأنك بريء؟
— أنا غلطت. وأنا عارف إني غلطت.
— غلطت؟ إنت غيّرت سجلات مستشفى، ودفعت فلوس لأطباء عشان يسكتوا، ودفنت ملفًا كان ممكن ينقذ ثلاثة أطفال!
أطرق عادل برأسه.
— كنت فاكر إني بحمي بنتي.
صرخت سلمى:
— أنا مش عايزة أكون بنتك لو ده معناه إنك عملت كل ده!
نظر إليها عادل، وانكسرت ملامحه.
— أنا ما اخترتش أحبك يا سلمى. أنا حبيتك من أول يوم شلتك فيه بين إيديا.
— بس إنت مش عارف أنا مين!
— يمكن. لكن ده ما يغيرش إني ربيتك.
ساد صمت مؤلم.
ثم أخرج عادل هاتفه ووضعه على المكتب.
— هقول كل حاجة.
نظر إليه فؤاد بحدة.
— فكر كويس قبل ما تتكلم.
— أنا فكرت تسع سنين.
ثم التفت إلى كريم.
— ليلة الحادث، أنا كنت في فندق النخيل. مش عشان أقابلك. كنت هناك عشان أقابل محمود.
شعر كريم أن قلبه توقف.
— وإنت قلت إنك شفته من تلات شهور.
— لأنه كان بيهددني. قال لي إنه هيكشف كل حاجة، وإنه هيسلمك الملف.
— الملف اللي معاك؟
— لأ. الملف الأصلي كان مع محمود.
تدخل فؤاد:
— كداب.
التفت عادل إليه.
— إنت اللي قلت لي إن محمود مات. إنت اللي جبت لي صورة الجثة، وإنت اللي طلبت مني أوقّع على شهادة الوفاة.
تغير وجه فؤاد.
قال عادل:
— لكني اكتشفت بعدين إن الصورة مش لمحمود.
نظر كريم إلى صورة الهاتف مرة أخرى.
الرجل الملقى على أرضية الفندق.
الخاتم الفضي.
الدم.
— مين الراجل اللي في الصورة؟
قال عادل:
— شخص كان بيشتغل مع فؤاد.
— اسمه إيه؟
تردد عادل.
ثم قال:
— اسمه سامح. وكان هو اللي بيساعد محمود يهرب.
شعر كريم بوخزة في رأسه.
سامح.
الاسم بدا مألوفًا، رغم أنه لم يعرف أحدًا بهذا الاسم.
أغمض عينيه.
رأى رجلًا يبتسم له في سيارة.
سمع صوتًا يقول:
«يا كريم، لو سألوك عني، قول إنك ما تعرفنيش.»
فتح عينيه فجأة.
— أنا قابلت سامح قبل كده.
التفت إليه الجميع.
— أنا فاكره... مش كامل، بس فاكره. كان معايا في العربية.
قال فؤاد بهدوء:
— أيوه.
— هو الطفل الثالث؟
لم يجب فؤاد فورًا.
ثم قال:
— لا.
اقترب كريم منه.
— أمال مين؟
نظر فؤاد إلى عادل.
وللمرة الأولى، بدا وكأنه لا يريد قول ما يعرفه.
ثم همس:
— الطفل الثالث هو الشخص اللي كانت نادية بتحاول تحميه طول السنين دي.
### 4\. الباب الذي فُتح من الداخل
في تلك اللحظة، سمعوا صوت ارتطام في الممر.
التفت الرجلان اللذان يقفان عند الباب.
ثم انطفأت الإضاءة.
لم يكن الظلام كاملًا؛ فقد تسلل ضوء أحمر خافت من مصباح الطوارئ فوق الباب.
سمع كريم صوت خطوات سريعة، ثم صوت عادل وهو يصرخ:
— اقفلوا الباب!
لكن الباب لم يُغلق.
سمعوا صوت شجار قصير، ثم سقط شيء معدني على الأرض.
صرخت سلمى.
أمسك كريم بيدها، وسحبها خلف الخزانة الحديدية.
ظهرت ومضة ضوء من هاتفه، ثم سمع صوت رجل يلهث.
— كريم...
تجمد.
الصوت كان يأتي من الباب.
صوت يعرفه.
صوت سمعه في أحلامه منذ الحادث.
خرج كريم ببطء من خلف الخزانة.
كان رجل يقف عند المدخل، يرتدي قميصًا رماديًا ممزقًا، ووجهه مغطى بآثار دم جاف.
كان أنحف من الرجل الموجود في الصور القديمة، وشعره أكثر شيبًا.
لكن عينيه...
كانتا نفس العينين اللتين يراهما كريم كلما نظر في المرآة.
رفع الرجل يده المرتجفة.
وفي إصبعه خاتم فضي بحجر أسود.
همس كريم:
— محمود؟
لم يجب الرجل.
اقترب خطوة، ثم قال بصوت متقطع:
— اتأخرت عليك يا ابني.
شعر كريم أن شيئًا داخله انهار.
كان أمامه الرجل الذي انتظر عودته طوال طفولته.
الرجل الذي ظن أنه مات.
الرجل الذي أخبرته أمه أنه لن يعود.
مد كريم يده نحوه، لكنه توقف قبل أن يلمسه.
— إنت عايش؟
ابتسم محمود بحزن.
— أيوه.
— كنت فين؟
أغمض محمود عينيه.
— بعيد.
— ليه سبتني؟
لم يستطع محمود الرد.
— ليه خليتني أعيش كل السنين دي وأنا فاكر إنك مت؟
انحنى محمود قليلًا، وكأنه يحاول التقاط أنفاسه.
— لأن لو كنت رجعت، كانوا هيقتلوك.
تدخل فؤاد، الذي كان يقف صامتًا منذ ظهور الرجل.
— كفاية يا محمود. انتهى وقت التمثيل.
رفع محمود رأسه ونظر إليه.
تغير وجهه.
— إنت لسه عايش؟
ابتسم فؤاد.
— زي ما إنت شايف.
اقترب محمود من كريم، وأمسك كتفه.
— اسمعني كويس. ما تصدقش أي حاجة يقولها.
نظر كريم إلى أبيه.
— تقصد مين؟
لم يجب محمود.
بل نظر إلى سلمى.
ثم إلى بطنها.
وتراجع خطوة.
كان وجهه قد أصبح شاحبًا بصورة مخيفة.
همس:
— مستحيل...
قال كريم:
— إيه؟
رفع محمود عينيه إليه، وقال بصوت مرتجف:
— الطفل اللي في بطن سلمى... ما ينفعش يكون ابنك.
تجمدت سلمى.
— إنت تعرف إيه عن حملي؟
لكن محمود لم ينظر إليها.
كان يحدق في كريم، وكأنه يرى أمامه شيئًا لا يصدقه.
ثم أضاف:
— لأن الليلة اللي إنت مش فاكرها... ما كانتش أول مرة تدخل فيها الغرفة 307.
توقف قلب كريم للحظة.
— يعني إيه؟
اقترب محمود منه وهمس:
— إنت دخلت الغرفة دي مرتين يا كريم.
— وإيه اللي حصل في المرة الأولى؟
نظر محمود إلى فؤاد.
ثم إلى عادل.
ثم قال الجملة التي جعلت الجميع يصمت:
— في المرة الأولى، كنت داخل تنقذ سلمى. وفي المرة التانية... كنت داخل تقتلها.
صرخت سلمى:
— كداب!
لكن محمود أخرج من جيبه صورة صغيرة، ووضعها في يد كريم.
كانت الصورة لكريم داخل الغرفة 307، واقفًا فوق سرير ملطخ بالدم.
وفي يده سكين.
وعلى الحائط خلفه، كُتبت عبارة بخط أحمر:
«واحد منكم لازم يموت.»
قلب كريم الصورة.
كان على ظهرها تاريخ الليلة التي تعرض فيها للحادث.
وتحته جملة قصيرة، مكتوبة بخط يشبه خطه:
«لو نسيت، اسأل الطفل الثالث.»
رفع كريم عينيه إلى محمود.
— مين الطفل الثالث؟
لم يجب محمود.
لأنه في تلك اللحظة، سمع الجميع صوتًا صادرًا من هاتف سلمى.
رسالة صوتية جديدة.
من أمها.
ضغطت سلمى زر التشغيل بيد مرتجفة.
جاء صوت امرأة تبكي:
— سلمى... لو الرسالة دي وصلتك، يبقى محمود رجع.
توقف التسجيل للحظة، ثم أكملت المرأة:
— لازم تعرفي الحقيقة. إنتِ مش البنت الوحيدة اللي عاشت باسم مش اسمها.
ثم انخفض صوتها إلى همسة:
— كريم عنده أخت توأم... وهي عايشة.
انتهى التسجيل.
نظر كريم إلى محمود.
وكانت المرة الأولى التي يرى فيها أباه يبكي.
«أنهي واحدة فيهم دفنتي؟»لم تجب نادية.كانت تنظر إلى الرجل الجالس أمامها، إلى الخاتم الفضي في يده، وإلى الندبة الممتدة أسفل أذنه اليمنى. تفاصيل صغيرة حفظتها طوال سبعة وعشرين عامًا، وحاولت أن تقنع نفسها بأنها لن تراها مرة أخرى.لكن الموت، كما اكتشفت، لم يكن دائمًا نهاية الحكاية.أحيانًا كان مجرد اسم جديد يحصل عليه شخص قرر أن يختفي.قالت أخيرًا:— أنا ما دفنتش حد.ضحك الرجل بهدوء.— لسه بتكذبي بنفس الطريقة.— وإنت لسه فاكر إنك تقدر تدخل حياتنا بعد كل السنين دي وتقرر مين يعيش ومين يموت؟— حياتكم؟مال برأسه قليلًا.— إنتِ تقصدي حياتك إنتِ ومحمود؟ ولا حياة الطفلين اللي غيرتوا أسماءهم؟ ولا حياة البنت اللي سلمتوها لعادل منصور وقلتوا له إنها بنته؟ارتجفت يد نادية.لاحظ الرجل ذلك، فابتسم.— أهو. لسه فاكرة.— أنا ما سلمتش بنتي لحد.— لأ؟ أمال مين اللي وقّع على استلام الطفلة ليلة الحريق؟رفعت نادية عينيها إليه.— أي حريق؟اختفت الابتسامة من وجهه.لثوانٍ، لم يُسمع في الشقة سوى صوت المطر على زجاج النافذة.ثم قال الرجل:— واضح إن محمود ما قالكيش كل حاجة.أجابته نادية بصوت متعب:— محمود ما قالش حاجة
— اسمه الحقيقي مش مهم دلوقتي.استدار كريم إليه بعنف.— كل مرة تقولوا لي إن حاجة مش مهمة، بتطلع أهم حاجة في حياتي!رفع فؤاد يده مستسلمًا.— عندك حق. اسمه الحقيقي هو…توقف عندما سمع صوت سيارة تدخل الساحة.أضواء المصابيح اجتاحت الجدار المقابل.الرجل ذو البدلة السوداء تحرك فورًا، ووقف أمام كريم وسلمى.— ورايا. دلوقتي.قال فؤاد بحدة:— إنت بتعمل إيه؟أجابه الرجل:— اللي كان لازم أعمله من أول يوم.ثم أخرج من جيبه بطاقة صغيرة، ورفعها أمام محمود.لم يستطع كريم قراءة كل ما عليها، لكنه لمح شعارًا رسميًا وصورة قديمة.سمع محمود يهمس:— مستحيل…نظر إليه كريم.— إيه؟قال محمود، وكأن الكلمات خرجت رغمًا عنه:— ده مش الراجل اللي كان بيراقبك.ابتعد الرجل عنهم خطوة.— أنا مش جاي أراقبه يا محمود.ثم نظر مباشرة إلى كريم.— أنا جاي أخده.لم ينتظر محمود تفسيرًا.دفع كريم وسلمى ناح
لم يرفع كريم عينيه عن الصورة.امرأة تقف أمام بوابة الجامعة، ترتدي معطفًا أسود، وشعرها الداكن ينسدل على كتفيها. في رقبتها قلادة نصف القمر نفسها التي ترتديها سلمى.لكن وجهها…كان وجهًا آخر.أو بالأحرى، كان وجهًا يشبه وجه سلمى إلى درجة جعلت التمييز بينهما صعبًا، لولا الندبة الصغيرة أسفل الحاجب الأيسر، والنظرة التي بدت مألوفة لكريم دون أن يعرف السبب.كبّر الصورة بأصابعه.خلف المرأة، عند البوابة، كان هناك طالب يحمل حقيبة زرقاء. وعلى الزجاج المجاور لها انعكاس شخص يرتدي بدلة سوداء.الرجل الذي يقف الآن خلف فؤاد.رفع كريم رأسه ببطء.— إنت كنت بتراقبها؟لم يجب الرجل.ابتسم فؤاد ابتسامة متوترة، ثم قال:— مش كل صورة معناها إن صاحبها موجود في المكان فعلًا.رد كريم دون أن يبعد عينيه عنه:— ومش كل واحد بيقول الحقيقة بيكون صادق.تبدلت ملامح فؤاد للحظة.كانت الجملة نفسها تقريبًا التي قالها له من قبل، لكن هذه المرة خرجت من فم كريم كتهديد.تقدم محمود
— أنا عمري ما مسكت مسدس في حياتي.— دي الذاكرة اللي عندك.— وإنت فاكر إنك لو قلتلي أي حاجة، هصدقك؟— لا. أنا عارف إنك مش هتصدقني.اقترب محمود منه، لكن هذه المرة لم يحاول لمسه.أخرج محمود من جيبه وحدة تخزين صغيرة، ووضعها فوق الطاولة.كان عليها ملصق أبيض كُتب عليه الرقم:307 — النسخة الأصلية.قالت سلمى:— منين جبت ده؟— من سامح.— بس فؤاد قال إن سامح مات في الفندق.— فؤاد قال حاجات كتير.— إنت بتقول إنه كذاب؟— أنا بقول إن فؤاد عمره ما احتاج يكذب في كل الجملة. كان يكفيه يغيّر كلمة واحدة.أمسك كريم بوحدة التخزين.— التسجيل ده فيه إيه؟— آخر عشر دقائق قبل ما تدخل الغرفة.— وبعد ما دخلت؟تردد محمود.— الجزء ده ناقص.— ليه؟— لأن اللي أخده كان عارف إن العشر دقايق اللي بعدهم أخطر من اللي قبلهم.بحثت سلمى في حقيبتها وأخرجت حاسوبًا صغيرًا كانت تستخدمه في الجامعة. وصلته بوحدة التخزين.ظهرت عدة ملفات على الشاشة، بعضها تالف، وبعضها لا يحمل أسماء.كان هناك ملف واحد فقط يمكن فتحه.CAM_307_23-14.mp4ضغطت سلمى عليه.ظهرت صورة كاميرا مراقبة لممر فندق النخيل. الوقت في زاوية الشاشة كان يشير إلى الحادية
«يبقى هي عرفت إني أنا اللي قتلته.»قال محمود الجملة بهدوء غريب.هدوء رجل لم يعد يخشى أن يُكشف سره، أو رجل تعب من الهرب لدرجة أنه لم يعد يهتم بما سيحدث بعد ذلك.أما كريم، فظل ينظر إليه كأنه يسمع صوتًا صادرًا من شخص آخر.لم يتحرك.لم يصرخ.حتى أنفاسه بدت وكأنها توقفت للحظة.ثم قال بصوت منخفض:— قتلت مين يا محمود؟رفع محمود عينيه إليه.— مش كل سؤال ليه إجابة تقدر تستحملها.اقترب كريم منه خطوة.— أنا مش بسألك إذا كنت أقدر أستحملها. أنا بسألك قتلت مين؟تدخلت سلمى، التي كانت تقف بجوار الباب، وعيناها تنتقلان بينهما بقلق.— محمود، الرسالة بتقول إن القاتل هو الشخص اللي رجع مع كريم. إنت رجعت معاه. يعني أمه بتتهمك بقتل أبوه.التفت محمود إليها.— وإنتِ متأكدة إنك فهمتي الرسالة صح؟— أمال أفهمها إزاي؟— زي ما فهمتي كل حاجة تانية من الناس اللي حواليكي؟ زي ما صدقتي إن كريم أبو الطفل اللي في بطنك؟ زي ما صدقتي إن عادل أبوكي؟ ولا زي ما صدقتي إن اسمك سلمى؟تراجعت سلمى خطوة، وكأن كلماته لمست شيئًا كانت تحاول إخفاءه حتى عن نفسها.— إنت مالكش حق تتكلم عن اسمي.— عندك حق. أنا ما بقاش ليا حق في حاجات كتير.ع
(الغرفة 307) : شعر كريم بأن قلبه يضرب صدره بعنف. — إنت بتقول إن مريم كانت في الغرفة 307 ليلة الحادث؟— أيوه. — ليه؟ — لأنها كانت بتحاول تقابل سامح. قال محمود: — ده مش صحيح. التفت فؤاد إليه. — إنت ما كنتش موجود. — كنت موجود قبل ما توصلوا. — لكنك هربت قبل ما تشوف النهاية. صمت محمود. نظر كريم إلى أبيه، ثم إلى فؤاد. — يعني مريم كانت في الفندق، وسامح مات، وأنا دخلت الغرفة بعدها؟ أومأ فؤاد. — ده اللي بيقوله التسجيل. — وكنت أنا اللي قتلته؟ لم يجب فؤاد. لكن صمته كان كافيًا لإشعال الشك. تذكر كريم الصورة التي ظهرت على هاتفه: نفسه داخل الغرفة، والسكين في يده، والدم على قميصه. تذكر الصوت الذي سمعه في المستشفى: «لو خرجت من هنا، هتنسى كل حاجة.» والمكالمة القديمة: «لو عايز أمك تفضل عايشة، لازم تيجي لوحدك.» هل كان قد ذهب إلى الفندق لإنقاذ مريم؟ هل وجد سامح مقتولًا؟ هل أمسك السكين لأنه حاول الدفاع عن نفسه؟ أم أن الحقيقة أسوأ من ذلك؟ قال كريم: — أنا لازم أرجع الفندق. أمسكت سلمى بذراعه. — لأ، مش لوحدك. نظر إليها. — إنتِ ليه مصممة تيجي معايا؟ ترددت. ثم قالت: — لأن في