FAZER LOGINظل كريم ممسكًا بالهاتف بعد أن انقطع الاتصال.
لم يتحرك.
لم يتكلم.
حتى صوت أنفاسه بدا غريبًا عليه، كأنه يسمع شخصًا آخر يتنفس داخل الغرفة.
«أنا يا كريم.»
أربع كلمات فقط، لكنها كانت كافية لتقلب كل شيء عرفه في حياته.
سلمى هي الطفل الثاني؟
كيف يمكن لفتاة في الحادية والعشرين من عمرها أن تكون هي نفسها الطفلة التي اختفت من المستشفى في الليلة التي اختفى فيها أبوه؟
وكيف يرتبط ذلك كله بشهادة ميلاده التي تحمل اسم عادل منصور؟
نظر إلى أمه.
— قوليلي إنها كذابة.
لم ترفع نادية عينيها إليه.
— ماما، بصيلي!
رفعت رأسها أخيرًا. كان في عينيها خوف لم يره من قبل، لكنه لم يكن خوفًا من الرجل الذي اقتحم البيت، ولا من عادل منصور.
كان خوفًا من اللحظة التي ستضطر فيها إلى خسارة ابنها مرة ثانية.
قال كريم:
— سلمى قالت إنها الطفل التاني. يعني إيه؟ هي كانت في نفس المستشفى اللي اتولدت فيه؟ إيه علاقة أبويا بيها؟ وليه اسم أبوها مكتوب في شهادة ميلادي؟
مسحت نادية دموعها، وحاولت أن تنهض، لكن كريم أمسك بذراعها وساعدها على الجلوس.
— أنا مش هكدب عليك تاني يا كريم.
ضحك ضحكة قصيرة، خالية من الفرح.
— الجملة دي كنتِ المفروض تقوليها من زمان.
أغمضت عينيها، وتقبلت كلماته دون دفاع.
ثم أشارت إلى الصورة القديمة الموجودة على الطاولة.
— بص كويس للصورة اللي في الظرف.
أخرج كريم الصورة مرة أخرى.
كان الرجل الواقف أمام المستشفى يرتدي معطفًا داكنًا، ويده اليمنى ظاهرة بوضوح، وعليها الخاتم الفضي ذو الحجر الأسود.
لكن خلفه، عند مدخل المستشفى، كانت هناك امرأة تحمل طفلة صغيرة.
لم يلاحظها كريم في المرة الأولى.
اقترب من الصورة.
المرأة كانت نادية.
والطفلة التي تحملها كانت ترتدي سوارًا أبيض صغيرًا حول معصمها، مكتوبًا عليه رقم.
307.
شعر كريم بقشعريرة تسري في جسده.
— الغرفة 307...
أومأت أمه.
— الرقم ده مش مجرد رقم غرفة في الفندق يا كريم.
توقفت قليلًا، ثم أكملت:
— ده رقم الملف اللي اتسجلت بيه حالة الطفل التاني في المستشفى. وبعد سنين، اتكرر نفس الرقم في فندق النخيل.
— مين اللي كرر الرقم؟ وليه؟
— محمود كان بيقول إن في حد عايز يربط اللي حصل زمان باللي حصل دلوقتي. حد عايزك تفتكر الليلة دي، لكن بالطريقة اللي تناسبه هو.
أعاد كريم النظر إلى الصورة.
— وإيه اللي حصل في المستشفى؟
أخذت نادية نفسًا عميقًا.
— في الليلة اللي اتولدت فيها يا كريم، كان فيه طفلين. إنت وطفلة تانية. الطفلين اتولدوا بفارق دقائق، لكن حصلت مشكلة في تسجيل البيانات. بعدها بساعات، اختفت الطفلة من القسم.
— وسلمى؟
— بعد اختفاء الطفلة، عادل منصور ظهر في المستشفى. كان بيدور على بنته، وبيتهم المستشفى إنها اتخطفت.
— يعني سلمى بنته فعلًا؟
— على الورق، أيوه. لكن محمود كان شايف إن الحقيقة مختلفة.
— مختلفة إزاي؟
هزت نادية رأسها.
— ما عرفتش كل التفاصيل. أبوك اختفى قبل ما يحكيلي كل حاجة. آخر مرة شفته فيها، كان معاه ملف فيه صور وتقارير طبية، وكان بيقول إن في طفل اتسجل باسم طفل تاني.
شعر كريم أن رأسه يوشك أن ينفجر من كثرة الأسئلة.
— طيب، أنا إيه علاقتي بالموضوع؟ ليه شهادة ميلادي فيها اسم عادل منصور؟
نظرت نادية إليه طويلًا.
ثم قالت:
— لأنك في الأوراق القديمة ما كنتش كريم محمود عبدالرحمن.
سكتت.
انتظر كريم أن تكمل، لكنها لم تفعل.
— كنت إيه؟
— اسمك اتغير بعد اختفاء الطفلة.
— مين غيره؟
— أبوك.
ساد الصمت.
ثم اندفع كريم واقفًا.
— يعني أبويا كان بيزوّر أوراقي؟!
— كان بيحاول يحميك!
— من مين؟ من عادل منصور؟ ولا من نفسه؟!
لم تجب نادية.
ضرب كريم بيده على الطاولة، فتساقطت بعض الأوراق على الأرض.
— أنا طول عمري فاكر إننا فقرا، وإن أبويا اختفى وسابنا، وإنك بتتعبي عشان تصرفي عليّا. دلوقتي باكتشف إن اسمي ممكن يكون مش اسمي، وأبويا ممكن يكون مش أبويا، والبنت اللي بتقول إنها حامل مني طلعت مرتبطة باختفائي من وأنا طفل!
توقفت الكلمات في حلقه.
نظر إلى أمه، ثم خفض صوته.
— أنا مين يا ماما؟
لم تستطع نادية الإجابة.
وفي تلك اللحظة، عرف كريم أن السؤال الذي ظل يطارده طوال حياته لم يكن: أين ذهب أبوه؟
بل كان:
من هو الرجل الذي تركه أبوه خلفه؟
### 1\. مكالمة عند منتصف الليل
جلس كريم بجوار النافذة، يحاول ترتيب الأحداث في رأسه.
الصورة.
الخاتم.
شهادة الميلاد.
المستشفى.
سلمى.
والليلة التي لا يتذكر منها شيئًا.
فتح هاتفه، وأعاد قراءة الرسائل التي وصلته.
«ما تصدقش أي كلمة يقولها الراجل اللي عند أمك.»
«هو مش اللي أخد أبوك.»
«هو اللي دفنه.»
كان من الممكن أن تكون الرسائل محاولة لإنقاذه، أو وسيلة لدفعه إلى فخ جديد.
لكنه لم يكن يملك رفاهية تجاهلها.
فتح محادثة سلمى وكتب:
«لو عايزاني أصدقك، قابليني وقوليلي الحقيقة كلها. بكرة الساعة 10. المكان إنتِ تختاريه.»
جاء الرد بعد أقل من دقيقة.
«مش هقدر أستنى لبكرة.»
ثم رسالة أخرى:
«تعالى المستشفى القديم في شارع القصر العيني. البوابة الخلفية. الساعة 12.»
نظر إلى الساعة.
الحادية عشرة وسبع عشرة دقيقة.
لماذا المستشفى؟
ولماذا في منتصف الليل؟
كتب:
«إنتِ لوحدك؟»
ظهرت علامة الكتابة، واختفت، ثم عادت.
أخيرًا وصل الرد:
«مش عارفة.»
وبعدها مباشرة:
«كريم، لو شفت راجل لابس خاتم فضة بحجر أسود، ما تقربش منه.»
رفع كريم عينيه عن الشاشة.
الخاتم نفسه.
الرجل نفسه.
لكن من يكون؟
وقبل أن يكتب سؤالًا آخر، وصلت صورة.
كانت صورة لمدخل المستشفى القديم، وفي الخلفية سيارة سوداء تقف أمام البوابة الخلفية.
وبجوار السيارة، رجل طويل يرتدي معطفًا داكنًا.
لم يظهر وجهه.
لكن يده كانت واضحة.
الخاتم الفضي ذو الحجر الأسود.
### 2\. الفتاة التي لم تكن خائفة من الظلام
لم تخبر نادية كريم أنه يستطيع الذهاب.
ولم تطلب منه البقاء.
كانت تعرف أنه تجاوز المرحلة التي يمكن فيها إعادته إلى حياته القديمة بكلمات بسيطة.
وقفت عند باب غرفته، بينما كان يرتدي قميصًا داكنًا ويضع هاتفه في جيبه.
— رايح فين؟
— هقابل سلمى.
أغمضت عينيها لحظة.
— ما تروحش.
— لازم أعرف.
— كريم، أنا مش خايفة على نفسي. أنا خايفة إنك تكتشف حاجة ما تقدرش تعيش بعدها.
اقترب منها.
— أنا بالفعل مش قادر أعيش بالحياة اللي كنت فاكرها حقيقية.
لم تجد ما تقوله.
أخرج من جيبه المفتاح الصغير، ووضعه في يدها.
— خليه معاكي. لو حصل لي حاجة، افتحي الصندوق التاني.
تغير وجهها.
— صندوق تاني إيه؟
لكنه أدرك خطأه فورًا.
لم يكن هناك صندوق ثانٍ.
لقد قرأ تلك الجملة في رسالة أخرى وجدها داخل الظرف، لكنه لم يخبر أمه بها.
نظر إليها.
— ماما... إنتِ بتخبي إيه كمان؟
لم تجب.
ارتدى حقيبته القديمة، وتوجه إلى الباب.
وقبل أن يخرج، سمع صوتها خلفه:
— كريم!
التفت.
كانت واقفة في منتصف الغرفة، ويداها ترتجفان.
— لو سلمى سألتك عن الليلة اللي حصل فيها الحادث، ما تجاوبش على أي سؤال قبل ما تسمعها للآخر.
— ليه؟
ترددت، ثم قالت:
— لأنك مش الشخص الوحيد اللي فقد جزءًا من ذاكرته في الليلة دي.
### 3\. المستشفى الذي أغلق أبوابه
كانت شوارع القاهرة شبه خالية عندما وصل كريم إلى المستشفى القديم.
المبنى لم يعد يعمل منذ سنوات، لكن بعض نوافذه كانت مضاءة بضوء أصفر باهت. بوابته الحديدية مغطاة بالصدأ، وعلى الجدار الخارجي بقايا لافتة لم تعد كلماتها واضحة.
وقف أمام البوابة الخلفية.
الساعة الثانية عشرة ودقيقتان.
لم تكن سلمى هناك.
اتصل بها.
لا رد.
أرسل رسالة.
لا رد.
كان على وشك المغادرة عندما سمع صوتًا خلفه:
— كريم.
التفت بسرعة.
كانت سلمى تقف على بعد أمتار منه.
لم تكن ترتدي ملابسها المعتادة. كانت ترتدي معطفًا رماديًا واسعًا، وشعرها مربوطًا بإهمال، ووجهها شاحبًا بصورة جعلته يشعر أنها لم تنم منذ أيام.
اقترب منها بحذر.
— إنتِ قلتي إنك الطفل التاني.
أومأت.
— أيوه.
— إزاي؟
نظرت حولها قبل أن تجيبه.
— لأن أبويا ما كانش المفروض يعرف إني موجودة أصلًا.
عقد كريم حاجبيه.
— مش فاهم.
أخرجت سلمى ورقة مطوية من جيب معطفها.
— دي نسخة من سجل الولادة الأصلي. لقيتها في مكتب أبويا من يومين، بعد ما سمعت مكالمته مع شخص اسمه محمود.
توقف قلب كريم للحظة عند الاسم.
— محمود؟ أبويا؟
— ما أعرفش. لكن أبويا قال له جملة واحدة قبل ما يقفل: «البنت لازم تفضل فاكرة إنها بنتي.»
مدت إليه الورقة.
كانت نسخة قديمة من سجل مستشفى، وقد بهت الحبر في أجزاء منها.
ظهر اسمان في السطرين المتتاليين:
الطفل الأول: كريم — ذكر.
الطفل الثاني: سلمى — أنثى.
لكن في خانة الملاحظات، كانت هناك كتابة بخط اليد:
«تم تعديل بيانات الطفل الأول بناءً على طلب ولي الأمر.»
وفي الأسفل، توقيع واضح.
محمود عبدالرحمن.
رفع كريم رأسه إليها.
— ليه أبويا غيّر بياناتي؟
— مش عارفة.
— وإنتِ عرفتي منين إن السجل ده حقيقي؟
— لأن فيه صفحة تانية.
أخرجت سلمى ورقة ثانية، لكنها لم تسلمها له فورًا.
— قبل ما تشوفها، لازم تعرف حاجة.
— إيه؟
ابتلعت ريقها بصعوبة.
— أنا ما قابلتكش في الجامعة بالصدفة. أنا كنت بدور عليك من شهور.
تراجع كريم خطوة.
— ليه؟
— لأن أبويا قال لي إنك الوحيد اللي يقدر يثبت إن حياتي كلها مبنية على كذبة.
— وإنك حامل مني؟
انخفضت عيناها.
للمرة الأولى منذ عرفها، لم تبدُ سلمى كفتاة غنية اعتادت أن تحصل على كل شيء تريده.
بدت كإنسانة محاصرة.
قالت بصوت خافت:
— التقرير اللي وريتهولك حقيقي يا كريم.
تجمد مكانه.
— يعني...
— أنا حامل فعلًا.
صمتت لحظة، ثم أضافت:
— لكن فيه حاجة إنت ما تعرفهاش عن اللي حصل في الغرفة 307.
اقترب منها كريم، والغضب يتصاعد في صوته.
— أنا مش فاكر أي حاجة. إنتِ اللي اخترتي تقوليلي إن الطفل ابني. إزاي عايزاني أثق فيكي وإنتِ مخبية عني كل ده؟
امتلأت عيناها بالدموع.
— لأن لو قلتلك الحقيقة من الأول، كنت هتجري.
— الحقيقة مش سبب كفاية إني أجري.
نظرت إليه، وقالت:
— بالعكس يا كريم. الحقيقة هي السبب الوحيد اللي يخلي أي حد يجري.
ثم ناولته الورقة الثانية.
كانت تقريرًا طبيًا صادرًا عن المستشفى نفسه، مؤرخًا قبل ثلاثة أشهر.
لم يكن التقرير متعلقًا بالحمل.
بل بحادث السيارة الذي تعرض له كريم.
في أسفل الصفحة، وتحت خانة الطبيب المسؤول، ظهرت عبارة مكتوبة بخط اليد:
«المريض استعاد وعيه لمدة إحدى عشرة ثانية. كرر اسمًا واحدًا قبل أن يفقد الوعي مجددًا.»
الاسم كان:
محمود.
لكن ما جعل كريم يشعر بأن الدم تجمد في عروقه لم يكن الاسم.
بل الملاحظة التالية:
«تم إبلاغ السيد عادل منصور. بناءً على تعليماته، يُمنع إطلاع المريض أو أسرته على تسجيلات كاميرات المراقبة.»
رفع رأسه ببطء.
— أبوكي كان موجود وقت الحادث؟
لم تجب سلمى.
— سلمى، أبوكي كان موجود؟!
جاءها صوت مرتجف:
— أيوه.
— وشافني؟
— أيوه.
— وعارف إني كنت فاكر حاجة؟
أومأت.
ثم قالت:
— هو اللي طلب من الدكتور يكتب إنك فقدت الذاكرة بالكامل.
شعر كريم أن كل شيء حوله بدأ يدور.
ثلاثة أشهر من الأسئلة.
ثلاثة أشهر من محاولة تذكر ليلة لم يبقَ منها سوى صور مشوشة.
والآن، عرف أن هناك شخصًا يعرف ما حدث، وأن هذا الشخص اختار أن يتركه يعيش داخل كذبة.
وقبل أن يتمكن من الكلام، انطفأت الإضاءة الخافتة في المبنى.
أمسكت سلمى بذراعه.
— ما تتحركش.
جاء صوت خطوات من داخل المستشفى.
بطيئة.
منتظمة.
ثم ظهر ضوء مصباح يدوي في نهاية الممر خلف البوابة.
همس كريم:
— مين هناك؟
لم تجبه سلمى.
كانت تنظر إلى شيء خلفه، ووجهها يتحول إلى اللون الأبيض.
التفت كريم.
رأى الرجل صاحب الخاتم.
يقف عند مدخل الممر، ويده اليمنى في جيب معطفه.
قال الرجل:
— كويس إنكم جيتوا الاتنين.
ثم أخرج هاتفًا قديمًا من جيبه، وضغط زر التشغيل.
انطلق صوت تسجيل مشوش، تخللته أصوات سيارات وصراخ بعيد.
وبعد ثوانٍ، سمع كريم صوتًا يعرفه.
صوته هو.
صوت كريم قبل الحادث.
كان يقول بوضوح:
«لو سلمى عرفت إن الطفل مش ابني، كلنا هنموت.»
نظر إلى سلمى.
كانت تبكي.
ثم عاد الصوت من الهاتف، هذه المرة بصوت رجل آخر:
«ومحمود؟»
وجاء رد كريم في التسجيل:
«محمود مات من زمان... أنا شفته بعيني.»
تراجع كريم خطوة، واصطدم بكتف سلمى.
لم يكن يتذكر أنه رأى أباه.
لم يكن يتذكر الغرفة 307.
ولم يكن يتذكر أنه نطق بهذه الكلمات يومًا.
لكن صوته في التسجيل لم يكن قابلًا للإنكار.
رفع الرجل رأسه وقال:
— دلوقتي، يا كريم، عندك اختيار واحد بس.
أشار إلى سلمى.
— يا إما تصدقها وتعرف مين أبو الطفل.
ثم أشار إلى الهاتف.
— يا إما تسمع التسجيل كامل وتعرف مين اللي مات في الليلة دي.
صمت قليلًا، ثم أضاف:
— بس ما تقدرش تعمل الاتنين.
اقترب كريم من الرجل، محاولًا أن يخفي ارتجاف يديه.
— إنت مين؟
ابتسم الرجل ابتسامة صغيرة.
— أنا الشخص اللي كان المفروض يدفنك من تلات شهور.
ثم نزع خاتمه الفضي ببطء، ووضعه في كف كريم.
— واسمي عادل منصور.
شهقت سلمى.
أما كريم، فنظر إلى الخاتم، ثم إلى الرجل الذي أمامه.
للمرة الأولى، لم يشعر أنه يقف أمام عدو يرقتله.
بل أمام رجل يعرف عنه أشياء لم يعرفها هو عن نفسه.
وفي تلك اللحظة، رن هاتف سلمى.
نظرت إلى الشاشة، وارتجفت شفتاها.
كان المتصل مسجلًا باسم:
«ماما».
أجابت، ووضعت الهاتف على أذنها.
لم تتكلم المرأة في الطرف الآخر.
كان هناك صوت تنفس متقطع، ثم همسة بالكاد سُمعت:
— سلمى... اهربي.
وبعدها صوت رجل، هادئ وقريب جدًا من الهاتف:
— اتأخرتي يا بنتي.
انقطع الاتصال.
نظر كريم إلى سلمى.
ثم إلى عادل.
وللمرة الأولى، رأى شيئًا يشبه الخوف الحقيقي في عيني الرجل الثري.
لم يكن الخوف على نفسه.
كان الخوف من شخص آخر.
شخص لم يظهر بعد.
شخص كان قادرًا على جعل عادل منصور نفسه يرتجف.
— اسمه الحقيقي مش مهم دلوقتي.استدار كريم إليه بعنف.— كل مرة تقولوا لي إن حاجة مش مهمة، بتطلع أهم حاجة في حياتي!رفع فؤاد يده مستسلمًا.— عندك حق. اسمه الحقيقي هو…توقف عندما سمع صوت سيارة تدخل الساحة.أضواء المصابيح اجتاحت الجدار المقابل.الرجل ذو البدلة السوداء تحرك فورًا، ووقف أمام كريم وسلمى.— ورايا. دلوقتي.قال فؤاد بحدة:— إنت بتعمل إيه؟أجابه الرجل:— اللي كان لازم أعمله من أول يوم.ثم أخرج من جيبه بطاقة صغيرة، ورفعها أمام محمود.لم يستطع كريم قراءة كل ما عليها، لكنه لمح شعارًا رسميًا وصورة قديمة.سمع محمود يهمس:— مستحيل…نظر إليه كريم.— إيه؟قال محمود، وكأن الكلمات خرجت رغمًا عنه:— ده مش الراجل اللي كان بيراقبك.ابتعد الرجل عنهم خطوة.— أنا مش جاي أراقبه يا محمود.ثم نظر مباشرة إلى كريم.— أنا جاي أخده.لم ينتظر محمود تفسيرًا.دفع كريم وسلمى ناح
لم يرفع كريم عينيه عن الصورة.امرأة تقف أمام بوابة الجامعة، ترتدي معطفًا أسود، وشعرها الداكن ينسدل على كتفيها. في رقبتها قلادة نصف القمر نفسها التي ترتديها سلمى.لكن وجهها…كان وجهًا آخر.أو بالأحرى، كان وجهًا يشبه وجه سلمى إلى درجة جعلت التمييز بينهما صعبًا، لولا الندبة الصغيرة أسفل الحاجب الأيسر، والنظرة التي بدت مألوفة لكريم دون أن يعرف السبب.كبّر الصورة بأصابعه.خلف المرأة، عند البوابة، كان هناك طالب يحمل حقيبة زرقاء. وعلى الزجاج المجاور لها انعكاس شخص يرتدي بدلة سوداء.الرجل الذي يقف الآن خلف فؤاد.رفع كريم رأسه ببطء.— إنت كنت بتراقبها؟لم يجب الرجل.ابتسم فؤاد ابتسامة متوترة، ثم قال:— مش كل صورة معناها إن صاحبها موجود في المكان فعلًا.رد كريم دون أن يبعد عينيه عنه:— ومش كل واحد بيقول الحقيقة بيكون صادق.تبدلت ملامح فؤاد للحظة.كانت الجملة نفسها تقريبًا التي قالها له من قبل، لكن هذه المرة خرجت من فم كريم كتهديد.تقدم محمود
— أنا عمري ما مسكت مسدس في حياتي.— دي الذاكرة اللي عندك.— وإنت فاكر إنك لو قلتلي أي حاجة، هصدقك؟— لا. أنا عارف إنك مش هتصدقني.اقترب محمود منه، لكن هذه المرة لم يحاول لمسه.أخرج محمود من جيبه وحدة تخزين صغيرة، ووضعها فوق الطاولة.كان عليها ملصق أبيض كُتب عليه الرقم:307 — النسخة الأصلية.قالت سلمى:— منين جبت ده؟— من سامح.— بس فؤاد قال إن سامح مات في الفندق.— فؤاد قال حاجات كتير.— إنت بتقول إنه كذاب؟— أنا بقول إن فؤاد عمره ما احتاج يكذب في كل الجملة. كان يكفيه يغيّر كلمة واحدة.أمسك كريم بوحدة التخزين.— التسجيل ده فيه إيه؟— آخر عشر دقائق قبل ما تدخل الغرفة.— وبعد ما دخلت؟تردد محمود.— الجزء ده ناقص.— ليه؟— لأن اللي أخده كان عارف إن العشر دقايق اللي بعدهم أخطر من اللي قبلهم.بحثت سلمى في حقيبتها وأخرجت حاسوبًا صغيرًا كانت تستخدمه في الجامعة. وصلته بوحدة التخزين.ظهرت عدة ملفات على الشاشة، بعضها تالف، وبعضها لا يحمل أسماء.كان هناك ملف واحد فقط يمكن فتحه.CAM_307_23-14.mp4ضغطت سلمى عليه.ظهرت صورة كاميرا مراقبة لممر فندق النخيل. الوقت في زاوية الشاشة كان يشير إلى الحادية
«يبقى هي عرفت إني أنا اللي قتلته.»قال محمود الجملة بهدوء غريب.هدوء رجل لم يعد يخشى أن يُكشف سره، أو رجل تعب من الهرب لدرجة أنه لم يعد يهتم بما سيحدث بعد ذلك.أما كريم، فظل ينظر إليه كأنه يسمع صوتًا صادرًا من شخص آخر.لم يتحرك.لم يصرخ.حتى أنفاسه بدت وكأنها توقفت للحظة.ثم قال بصوت منخفض:— قتلت مين يا محمود؟رفع محمود عينيه إليه.— مش كل سؤال ليه إجابة تقدر تستحملها.اقترب كريم منه خطوة.— أنا مش بسألك إذا كنت أقدر أستحملها. أنا بسألك قتلت مين؟تدخلت سلمى، التي كانت تقف بجوار الباب، وعيناها تنتقلان بينهما بقلق.— محمود، الرسالة بتقول إن القاتل هو الشخص اللي رجع مع كريم. إنت رجعت معاه. يعني أمه بتتهمك بقتل أبوه.التفت محمود إليها.— وإنتِ متأكدة إنك فهمتي الرسالة صح؟— أمال أفهمها إزاي؟— زي ما فهمتي كل حاجة تانية من الناس اللي حواليكي؟ زي ما صدقتي إن كريم أبو الطفل اللي في بطنك؟ زي ما صدقتي إن عادل أبوكي؟ ولا زي ما صدقتي إن اسمك سلمى؟تراجعت سلمى خطوة، وكأن كلماته لمست شيئًا كانت تحاول إخفاءه حتى عن نفسها.— إنت مالكش حق تتكلم عن اسمي.— عندك حق. أنا ما بقاش ليا حق في حاجات كتير.ع
(الغرفة 307) : شعر كريم بأن قلبه يضرب صدره بعنف. — إنت بتقول إن مريم كانت في الغرفة 307 ليلة الحادث؟— أيوه. — ليه؟ — لأنها كانت بتحاول تقابل سامح. قال محمود: — ده مش صحيح. التفت فؤاد إليه. — إنت ما كنتش موجود. — كنت موجود قبل ما توصلوا. — لكنك هربت قبل ما تشوف النهاية. صمت محمود. نظر كريم إلى أبيه، ثم إلى فؤاد. — يعني مريم كانت في الفندق، وسامح مات، وأنا دخلت الغرفة بعدها؟ أومأ فؤاد. — ده اللي بيقوله التسجيل. — وكنت أنا اللي قتلته؟ لم يجب فؤاد. لكن صمته كان كافيًا لإشعال الشك. تذكر كريم الصورة التي ظهرت على هاتفه: نفسه داخل الغرفة، والسكين في يده، والدم على قميصه. تذكر الصوت الذي سمعه في المستشفى: «لو خرجت من هنا، هتنسى كل حاجة.» والمكالمة القديمة: «لو عايز أمك تفضل عايشة، لازم تيجي لوحدك.» هل كان قد ذهب إلى الفندق لإنقاذ مريم؟ هل وجد سامح مقتولًا؟ هل أمسك السكين لأنه حاول الدفاع عن نفسه؟ أم أن الحقيقة أسوأ من ذلك؟ قال كريم: — أنا لازم أرجع الفندق. أمسكت سلمى بذراعه. — لأ، مش لوحدك. نظر إليها. — إنتِ ليه مصممة تيجي معايا؟ ترددت. ثم قالت: — لأن في
لم يبكِ محمود بصوت مرتفع.لم يصرخ، ولم يغطِّ وجهه بيديه، ولم يحاول أن يخفي دموعه.كل ما فعله أنه ظل واقفًا أمام كريم، ينظر إليه كما لو أنه يراه للمرة الأولى، بينما تنحدر دمعة بطيئة على وجهه الذي أنهكته السنوات.لكن كريم لم يستطع أن يشعر بالشفقة عليه.ليس بعد.قبل دقائق، كان أبوه بالنسبة إليه رجلًا مات منذ سنوات. ثم عاد من الموت، وأخبره أن حياته مبنية على أكاذيب، وأنه ربما دخل غرفة فندق ليقتل الفتاة التي يزعم أنه يحبها، وأن لديه أختًا توأمًا لم يسمع عنها يومًا.أخت.كلمة واحدة كانت كافية لتفتح بابًا جديدًا في ماضٍ لم يعد يتسع لمزيد من الأسرار.رفع كريم الصورة أمام محمود.— إنت عارف مين أختي؟مسح محمود دموعه، لكنه لم يجب.— أنا بسألك! أختي فين؟ عايشة فين؟ وليه محدش قال لي إنها موجودة؟اقترب محمود منه، ومد يده نحو كتفه.تراجع كريم.توقفت يد أبيه في الهواء.— ما تلمسنيش.انخفضت يد محمود ببطء.قال كريم، وصوته يزداد حدة:— إنت مش من حقك ترجع بعد كل السنين دي، وتطلب مني أصدقك. إنت سبتني وأنا عندي سبع سنين. كنت بستناك كل عيد، وكل عيد ميلاد، وكل مرة أسمع فيها صوت عربية تقف تحت البيت. أمي كانت







