LOGIN«يبقى هي عرفت إني أنا اللي قتلته.»
قال محمود الجملة بهدوء غريب. هدوء رجل لم يعد يخشى أن يُكشف سره، أو رجل تعب من الهرب لدرجة أنه لم يعد يهتم بما سيحدث بعد ذلك. أما كريم، فظل ينظر إليه كأنه يسمع صوتًا صادرًا من شخص آخر. لم يتحرك. لم يصرخ. حتى أنفاسه بدت وكأنها توقفت للحظة. ثم قال بصوت منخفض: — قتلت مين يا محمود؟ رفع محمود عينيه إليه. — مش كل سؤال ليه إجابة تقدر تستحملها. اقترب كريم منه خطوة. — أنا مش بسألك إذا كنت أقدر أستحملها. أنا بسألك قتلت مين؟ تدخلت سلمى، التي كانت تقف بجوار الباب، وعيناها تنتقلان بينهما بقلق. — محمود، الرسالة بتقول إن القاتل هو الشخص اللي رجع مع كريم. إنت رجعت معاه. يعني أمه بتتهمك بقتل أبوه. التفت محمود إليها. — وإنتِ متأكدة إنك فهمتي الرسالة صح؟ — أمال أفهمها إزاي؟ — زي ما فهمتي كل حاجة تانية من الناس اللي حواليكي؟ زي ما صدقتي إن كريم أبو الطفل اللي في بطنك؟ زي ما صدقتي إن عادل أبوكي؟ ولا زي ما صدقتي إن اسمك سلمى؟ تراجعت سلمى خطوة، وكأن كلماته لمست شيئًا كانت تحاول إخفاءه حتى عن نفسها. — إنت مالكش حق تتكلم عن اسمي. — عندك حق. أنا ما بقاش ليا حق في حاجات كتير. عاد محمود ينظر إلى كريم. — بس فيه حاجة واحدة لازم تعرفها قبل ما تقرر إذا كنت هتسلمني للشرطة، ولا هتقتلني بإيدك. قال كريم بمرارة: — متحاولش تخليني أختار بين حاجتين. أنا مش عايز أقتلك، ومش عايز أسلمك. أنا عايز أعرف الحقيقة. ابتسم محمود ابتسامة صغيرة خالية من الفرح. — ودي أصعب حاجة ممكن تطلبها. كان أرشيف المستشفى القديم غارقًا في ضوء أبيض باهت. مصباح السقف يومض كل عدة ثوانٍ، والهواء يحمل رائحة الورق المتعفن والمطهرات القديمة. من بعيد، سُمع صوت باب يُغلق. التفتت سلمى ناحية الممر. — إحنا مش لوحدنا. أخرج محمود هاتفه، ونظر إلى الشاشة، ثم أعاده إلى جيبه بسرعة. لاحظ كريم الحركة. — مين؟ — محدش. — كفاية كذب! ارتفع صوت كريم حتى ارتد صداه بين الخزائن المعدنية. أمسك محمود بذراعه فجأة. — اسمعني كويس. الشخص اللي بيدور علينا دلوقتي مش جاي يسمع اعترافاتي. هو جاي يتأكد إنك مشيت من هنا من غير الملف. — أنهي ملف؟ نظر محمود نحو الخزانة المفتوحة التي أخرجوا منها التقرير الطبي القديم. — الملف اللي كان أبوك بيدور عليه قبل ما يموت. تجمد كريم. — أنت لسه قايل إنك قتلته. — وأنا قلت كده. — يبقى إزاي كنت بتقول إنه كان بيدور على ملف قبل ما يموت؟ وإزاي عرفت إنه مات أصلًا؟ صمت محمود. كانت تلك أول مرة يبدو فيها عاجزًا عن اختيار كذبة مناسبة. اقترب كريم منه ببطء. — فيه فرق بين إنك تكون قتلت أبويا، وبين إنك تكون عارف مين قتله. وأنا مش هتحرك من هنا غير لما أفهم الفرق ده. قبل أن يجيب محمود، ظهرت سلمى أمامهما وهي تحمل ظرفًا بنيًا كان عالقًا خلف إحدى الأدراج. — أعتقد إن ده الملف اللي بتتكلموا عنه. كان الظرف قديمًا، وحافته ممزقة، وعلى وجهه ثلاثة أسماء مكتوبة بخط اليد: محمود عبدالرحمن — نادية إبراهيم — فؤاد الشاذلي. وتحت الأسماء، بخط مختلف: الحقيقة لا تخص أصحاب الأسماء فقط. فتح كريم الظرف. وجد بداخله ثلاث ورقات، وصورة فوتوغرافية صغيرة، ونسخة من سجل دخول المستشفى ليلة الحادث. لكن أول ما لفت نظره لم يكن السجل. بل الصورة. رجل يقف أمام سيارة سوداء، ويده ملطخة بالدماء. بجواره شخص آخر يجلس على الأرض، ووجهه خارج إطار الصورة تقريبًا. أما الرجل الواقف، فكان يرتدي ساعة معدنية ذات خدش واضح في منتصفها. نظر كريم إلى يد محمود. الساعة نفسها كانت في معصمه. رفع كريم عينيه إليه. — الصورة دي اتصورت إمتى؟ لم يرد محمود. — محمود! — ليلة الحادث. شعر كريم بأن الغرفة تضيق من حوله. — والراجل اللي على الأرض ده مين؟ مد محمود يده نحو الصورة، لكن كريم سحبها بعيدًا. — متلمسهاش. قال محمود بصوت خافت: — مش كل اللي في الصورة هو اللي حصل فعلًا. ضحك كريم ضحكة قصيرة، غاضبة. — طبعًا. الصورة مزيفة، والتقارير مزيفة، وشهادة الميلاد مزيفة، والرسائل مزيفة. هو فيه حاجة واحدة بس في حياتي مش مزيفة؟ لم يجب أحد. ثم لاحظت سلمى شيئًا في أسفل الصورة. قلبتها ناحية الضوء، وقرأت الكتابة الصغيرة خلفها: «الغرفة 307 — قبل الوصول بسبع عشرة دقيقة.» رفعت رأسها. — قبل وصول مين؟ نظر محمود إلى الصورة طويلًا، ثم قال: — قبل ما كريم يدخل الفندق. سأله كريم: — والراجل اللي على الأرض؟ أغمض محمود عينيه للحظة. — سامح. لم يكن اسم سامح غريبًا على كريم. رغم أن ذاكرته كانت مليئة بالثقوب، فإنه كلما سمع الاسم شعر بألم خفيف خلف عينيه، كأن جزءًا من عقله يحاول فتح باب مغلق بالقوة. ظهرت صورة خاطفة في رأسه. زجاج سيارة مهشم. صوت فرامل. يد تمسك بكتفه. وصوت رجل يقول: «متبصش وراك يا كريم. مهما سمعت، متبصش وراك.» فتح عينيه فجأة. كان يتنفس بسرعة. أمسكت سلمى بذراعه. — كريم؟ إنت كويس؟ لم يجبها. كان ينظر إلى محمود، الذي بدا أنه فهم ما حدث. — افتكرت حاجة؟ ابتلع كريم ريقه. — سامح كان معايا في العربية. — أيوه. — وكان بيقول لي ما أبصش ورايا. تغير وجه محمود. — قال لك كده؟ — أيوه. ليه؟ نظر محمود إلى الباب، ثم إلى الصورة. — لأنك كنت شايف حد وراك. — مين؟ لم يجب. أمسك كريم بقميصه من الأمام. — مين يا محمود؟ لم يقاوم محمود. تركه يمسك به، ثم قال: — أنا. تجمدت يد كريم. — إنت كنت ورايا في العربية؟ — لا. كنت ورا العربية. — بتطاردني؟ — كنت بحاول ألحقك. — تلحقني من مين؟ نظر محمود إلى سلمى، ثم عاد إلى كريم. — من نفسك. ترك كريم قميصه ببطء. للحظة، لم يفهم معنى الجملة. ثم عادت إليه كلمات التقرير الطبي الذي أخرجه فؤاد قبل قليل: سلوك عدواني حاد قبل فقدان الوعي. نظر إلى الورقة الموضوعة على الطاولة. — التقرير قال إني كنت عدواني قبل الحادث. — التقرير ما قالش كل حاجة. — إيه اللي ما قالوش؟ تنهد محمود، ثم جلس على كرسي معدني قديم. — قبل الحادث بثلاثة شهور، اتصلت بيا نادية وقالت إنك بدأت تفتكر حاجات مش المفروض تفتكرها. أسماء، أماكن، ووشوش. قالت إنك بقيت تصحى من النوم وأنت بتصرخ، وإنك بتسألها عن بنت كانت بتعيط في أوضة المستشفى. نظر إلى سلمى. كانت قد شحب وجهها. — بنت مين؟ سألت بصوت يكاد لا يُسمع. أجاب محمود: — مريم. اهتزت أصابع سلمى حول الظرف. — أنا؟ لم يقل محمود نعم. ولم يقل لا. قال فقط: — في الليلة دي، كنت فاكر إنك أخيرًا هتعرف الحقيقة. لكنك عرفت جزءًا منها بس. والجزء ده خلاك تروح الفندق. سأله كريم: — وأنا كنت عايز أعمل إيه هناك؟ — كنت عايز تقابل سامح. — ليه؟ — لأنه كان معاه دليل يثبت مين اللي خرج من المستشفى بطفل واحد، ومين اللي رجع البيت ومعاه طفل تاني. اقتربت سلمى من الطاولة. — يعني أنا وكريم فعلًا توأم؟ نظر إليها محمود. — أنا شفت صورتين لطفلين. واحدة لنادية وهي شايلة طفلين، والتانية لطفلين في حضّانة المستشفى. لكن ما عنديش دليل قاطع إن الطفلين اللي في الصور هما نفس الطفلين. قالت سلمى بغضب: — إنت بتتكلم عن حياتنا كأننا ملفات! — لأن الناس اللي سرقت حياتكم تعاملت معاكم كأنكم ملفات فعلًا. سكتت سلمى، لكن عينيها امتلأتا بالدموع. أما كريم، فظل يحدق في الصورة. — إنت قلت إنك كنت بتحاول تلحقني. طب ليه ما ظهرتش بعد الحادث؟ ليه سبتني أعيش كل ده وأنا فاكر إنك اختفيت من زمان؟ رفع محمود عينيه إليه. — لأن آخر مرة شفتك فيها قبل الحادث، كنت ماسك مسدس. ساد الصمت. حتى صوت المصباح بدا وكأنه توقف. قال كريم ببطء: — أنا عمري ما مسكت مسدس في حياتي. — دي الذاكرة اللي عندك. — وإنت فاكر إنك لو قلتلي أي حاجة، هصدقك؟ — لا. أنا عارف إنك مش هتصدقني. اقترب محمود منه، لكن هذه المرة لم يحاول لمسه. — عشان كده أنا محتاجك تشوف التسجيل بنفسك.— اسمه الحقيقي مش مهم دلوقتي.استدار كريم إليه بعنف.— كل مرة تقولوا لي إن حاجة مش مهمة، بتطلع أهم حاجة في حياتي!رفع فؤاد يده مستسلمًا.— عندك حق. اسمه الحقيقي هو…توقف عندما سمع صوت سيارة تدخل الساحة.أضواء المصابيح اجتاحت الجدار المقابل.الرجل ذو البدلة السوداء تحرك فورًا، ووقف أمام كريم وسلمى.— ورايا. دلوقتي.قال فؤاد بحدة:— إنت بتعمل إيه؟أجابه الرجل:— اللي كان لازم أعمله من أول يوم.ثم أخرج من جيبه بطاقة صغيرة، ورفعها أمام محمود.لم يستطع كريم قراءة كل ما عليها، لكنه لمح شعارًا رسميًا وصورة قديمة.سمع محمود يهمس:— مستحيل…نظر إليه كريم.— إيه؟قال محمود، وكأن الكلمات خرجت رغمًا عنه:— ده مش الراجل اللي كان بيراقبك.ابتعد الرجل عنهم خطوة.— أنا مش جاي أراقبه يا محمود.ثم نظر مباشرة إلى كريم.— أنا جاي أخده.لم ينتظر محمود تفسيرًا.دفع كريم وسلمى ناح
لم يرفع كريم عينيه عن الصورة.امرأة تقف أمام بوابة الجامعة، ترتدي معطفًا أسود، وشعرها الداكن ينسدل على كتفيها. في رقبتها قلادة نصف القمر نفسها التي ترتديها سلمى.لكن وجهها…كان وجهًا آخر.أو بالأحرى، كان وجهًا يشبه وجه سلمى إلى درجة جعلت التمييز بينهما صعبًا، لولا الندبة الصغيرة أسفل الحاجب الأيسر، والنظرة التي بدت مألوفة لكريم دون أن يعرف السبب.كبّر الصورة بأصابعه.خلف المرأة، عند البوابة، كان هناك طالب يحمل حقيبة زرقاء. وعلى الزجاج المجاور لها انعكاس شخص يرتدي بدلة سوداء.الرجل الذي يقف الآن خلف فؤاد.رفع كريم رأسه ببطء.— إنت كنت بتراقبها؟لم يجب الرجل.ابتسم فؤاد ابتسامة متوترة، ثم قال:— مش كل صورة معناها إن صاحبها موجود في المكان فعلًا.رد كريم دون أن يبعد عينيه عنه:— ومش كل واحد بيقول الحقيقة بيكون صادق.تبدلت ملامح فؤاد للحظة.كانت الجملة نفسها تقريبًا التي قالها له من قبل، لكن هذه المرة خرجت من فم كريم كتهديد.تقدم محمود
— أنا عمري ما مسكت مسدس في حياتي.— دي الذاكرة اللي عندك.— وإنت فاكر إنك لو قلتلي أي حاجة، هصدقك؟— لا. أنا عارف إنك مش هتصدقني.اقترب محمود منه، لكن هذه المرة لم يحاول لمسه.أخرج محمود من جيبه وحدة تخزين صغيرة، ووضعها فوق الطاولة.كان عليها ملصق أبيض كُتب عليه الرقم:307 — النسخة الأصلية.قالت سلمى:— منين جبت ده؟— من سامح.— بس فؤاد قال إن سامح مات في الفندق.— فؤاد قال حاجات كتير.— إنت بتقول إنه كذاب؟— أنا بقول إن فؤاد عمره ما احتاج يكذب في كل الجملة. كان يكفيه يغيّر كلمة واحدة.أمسك كريم بوحدة التخزين.— التسجيل ده فيه إيه؟— آخر عشر دقائق قبل ما تدخل الغرفة.— وبعد ما دخلت؟تردد محمود.— الجزء ده ناقص.— ليه؟— لأن اللي أخده كان عارف إن العشر دقايق اللي بعدهم أخطر من اللي قبلهم.بحثت سلمى في حقيبتها وأخرجت حاسوبًا صغيرًا كانت تستخدمه في الجامعة. وصلته بوحدة التخزين.ظهرت عدة ملفات على الشاشة، بعضها تالف، وبعضها لا يحمل أسماء.كان هناك ملف واحد فقط يمكن فتحه.CAM_307_23-14.mp4ضغطت سلمى عليه.ظهرت صورة كاميرا مراقبة لممر فندق النخيل. الوقت في زاوية الشاشة كان يشير إلى الحادية
«يبقى هي عرفت إني أنا اللي قتلته.»قال محمود الجملة بهدوء غريب.هدوء رجل لم يعد يخشى أن يُكشف سره، أو رجل تعب من الهرب لدرجة أنه لم يعد يهتم بما سيحدث بعد ذلك.أما كريم، فظل ينظر إليه كأنه يسمع صوتًا صادرًا من شخص آخر.لم يتحرك.لم يصرخ.حتى أنفاسه بدت وكأنها توقفت للحظة.ثم قال بصوت منخفض:— قتلت مين يا محمود؟رفع محمود عينيه إليه.— مش كل سؤال ليه إجابة تقدر تستحملها.اقترب كريم منه خطوة.— أنا مش بسألك إذا كنت أقدر أستحملها. أنا بسألك قتلت مين؟تدخلت سلمى، التي كانت تقف بجوار الباب، وعيناها تنتقلان بينهما بقلق.— محمود، الرسالة بتقول إن القاتل هو الشخص اللي رجع مع كريم. إنت رجعت معاه. يعني أمه بتتهمك بقتل أبوه.التفت محمود إليها.— وإنتِ متأكدة إنك فهمتي الرسالة صح؟— أمال أفهمها إزاي؟— زي ما فهمتي كل حاجة تانية من الناس اللي حواليكي؟ زي ما صدقتي إن كريم أبو الطفل اللي في بطنك؟ زي ما صدقتي إن عادل أبوكي؟ ولا زي ما صدقتي إن اسمك سلمى؟تراجعت سلمى خطوة، وكأن كلماته لمست شيئًا كانت تحاول إخفاءه حتى عن نفسها.— إنت مالكش حق تتكلم عن اسمي.— عندك حق. أنا ما بقاش ليا حق في حاجات كتير.ع
(الغرفة 307) : شعر كريم بأن قلبه يضرب صدره بعنف. — إنت بتقول إن مريم كانت في الغرفة 307 ليلة الحادث؟— أيوه. — ليه؟ — لأنها كانت بتحاول تقابل سامح. قال محمود: — ده مش صحيح. التفت فؤاد إليه. — إنت ما كنتش موجود. — كنت موجود قبل ما توصلوا. — لكنك هربت قبل ما تشوف النهاية. صمت محمود. نظر كريم إلى أبيه، ثم إلى فؤاد. — يعني مريم كانت في الفندق، وسامح مات، وأنا دخلت الغرفة بعدها؟ أومأ فؤاد. — ده اللي بيقوله التسجيل. — وكنت أنا اللي قتلته؟ لم يجب فؤاد. لكن صمته كان كافيًا لإشعال الشك. تذكر كريم الصورة التي ظهرت على هاتفه: نفسه داخل الغرفة، والسكين في يده، والدم على قميصه. تذكر الصوت الذي سمعه في المستشفى: «لو خرجت من هنا، هتنسى كل حاجة.» والمكالمة القديمة: «لو عايز أمك تفضل عايشة، لازم تيجي لوحدك.» هل كان قد ذهب إلى الفندق لإنقاذ مريم؟ هل وجد سامح مقتولًا؟ هل أمسك السكين لأنه حاول الدفاع عن نفسه؟ أم أن الحقيقة أسوأ من ذلك؟ قال كريم: — أنا لازم أرجع الفندق. أمسكت سلمى بذراعه. — لأ، مش لوحدك. نظر إليها. — إنتِ ليه مصممة تيجي معايا؟ ترددت. ثم قالت: — لأن في
لم يبكِ محمود بصوت مرتفع.لم يصرخ، ولم يغطِّ وجهه بيديه، ولم يحاول أن يخفي دموعه.كل ما فعله أنه ظل واقفًا أمام كريم، ينظر إليه كما لو أنه يراه للمرة الأولى، بينما تنحدر دمعة بطيئة على وجهه الذي أنهكته السنوات.لكن كريم لم يستطع أن يشعر بالشفقة عليه.ليس بعد.قبل دقائق، كان أبوه بالنسبة إليه رجلًا مات منذ سنوات. ثم عاد من الموت، وأخبره أن حياته مبنية على أكاذيب، وأنه ربما دخل غرفة فندق ليقتل الفتاة التي يزعم أنه يحبها، وأن لديه أختًا توأمًا لم يسمع عنها يومًا.أخت.كلمة واحدة كانت كافية لتفتح بابًا جديدًا في ماضٍ لم يعد يتسع لمزيد من الأسرار.رفع كريم الصورة أمام محمود.— إنت عارف مين أختي؟مسح محمود دموعه، لكنه لم يجب.— أنا بسألك! أختي فين؟ عايشة فين؟ وليه محدش قال لي إنها موجودة؟اقترب محمود منه، ومد يده نحو كتفه.تراجع كريم.توقفت يد أبيه في الهواء.— ما تلمسنيش.انخفضت يد محمود ببطء.قال كريم، وصوته يزداد حدة:— إنت مش من حقك ترجع بعد كل السنين دي، وتطلب مني أصدقك. إنت سبتني وأنا عندي سبع سنين. كنت بستناك كل عيد، وكل عيد ميلاد، وكل مرة أسمع فيها صوت عربية تقف تحت البيت. أمي كانت







