Share

الفصل 3

Author: نغم
نظرًا لأن المكان الذي ستذهب إليه لاحقًا ينطوي على مخاطر كبيرة، قررت تقى أن تدفن جدتها في المقبرة.

اشترت قلادة صغيرة لحفظ الرماد، ووضعت فيها خصلة من شعر جدتها مع جزء ضئيل من رمادها، أما بقية الرماد فتم دفنه في المقبرة.

جثت على ركبتيها أمام شاهد القبر، وأمسكت بالقلادة المعلقة على صدرها قائلة: "جدتي، لا تقلقي، سأذهب قريبًا لأفعل ما أريده حقًا، وسأعتني بنفسي جيدًا."

عندما عادت تقى إلى الفيلا كان المساء قد حلّ، وما إن دخلت حتى سمعت ضحكات وأحاديث مفعمة بالبهجة من الداخل.

وفي اللحظة التي تجمدت فيها مكانها، كان كنان قد لمحها بالفعل.

تقدم بسرعة وأدخلها إلى الداخل قائلًا: "هيا، دعيني أعرّفكِ على صديقين."

نهض الشاب والفتاة الجالسان على الأريكة، واستدارا نحوها، بينما تلألأت في أعينهما نظرات ساخرة.

كانا وعد وكريم.

بدأ جسد تقى يرتجف بخفة دون إرادتها؛ فقد كان هذا رد فعلها الطبيعي عند مواجهة وعد.

قال كنان مبتسمًا: "وعد هي صديقة طفولتي، وكريم أخي التوأم. لقد عادا للتو من الدراسة في الخارج وهما هنا لحضور حفل زفافنا."

لوّحت وعد لها مبتسمةً بلطف: "أنا وتقى نعرف بعضنا جيدًا، كنا زميلتين في السكن الجامعي."

ثم أسرعت نحوها وأمسكت بذراعها وهمست قرب أذنها: "أليس كذلك يا تقى؟"

في لحظة واحدة، تدفقت أمام عيني تقى صور لا حصر لها، ففي كل مرة كانت وعد تنتهي من التنمر عليها، كانت تهمس في أذنها قائلة: "إنها مجرد مزحة بين زميلتي سكن، أليس كذلك يا تقى؟"

انتفضت تقى غريزيًا ودفعت وعد بعيدًا.

سقطت وعد على الأرض، وبدت على وجهها ملامح الظلم وهي تقول: "تقى، ما زلتِ لا تحبينني؟ أنا فقط أردت أن أتقرب منكِ."

تغيرت ملامح الرجلين فورًا، ثم أسرع كنان لمساعدة وعد على النهوض، بينما أظلمت عيناه بالغضب.

قطب كريم حاجبيه باستياء وقال: "أخي، خطيبتك حادة الطباع. لم تصبح كنة العائلة بعد، ومع ذلك تتصرف بكل هذا التكبر؟"

وقف كنان أمام وعد ليحميها، وقال بصوت بارد غاضب: "تقى، اعتذري!"

نظرت تقى إلى الثلاثة أمامها، وانقبضت يدها المعلقة إلى جانبها بصمت.

وعندما تذكرت ما سمعته الليلة الماضية، شعرت وكأن أحدهم يمزق قلبها بالقوة.

استدارت بصمت واستعدت للمغادرة.

لكنها لم تخطُ سوى خطوتين حتى أُمسك معصمها بعنف، وجذبتها قوة هائلة جعلتها تتعثر.

رفعت تقى رأسها، فالتقت عيناها بعيني كنان المتوهجتين غضبًا: "من سمح لكِ بالمغادرة؟"

ثم قال كريم ببرود: "عائلة خطاب عائلة مرموقة، وتقدر الأدب فوق كل شيء. أخي، خطيبتك بحاجة إلى بعض التأديب."

"أنت مُحق." قال كنان بنظرة جليدية: "تقى، أنتِ على وشك أن تصبحي كنة عائلة خطاب. عليكِ أن تكوني حذرة في كلامكِ وتصرفاتكِ، وتضبطي تصرفاتكِ دائمًا."

"فكري جيدًا فيما فعلتِه اليوم."

وبينما يقول ذلك، جرّها بالقوة إلى القبو ودفعها داخل إحدى الغرف.

وقبل أن تستوعب ما يحدث، كان الباب قد أُغلق بالفعل.

كان الباب محكم الإغلاق بحيث لا يتسلل منه أي خيط من الضوء، وعندها فقط أدركت تقى أنها داخل غرفة مظلمة صغيرة بلا نوافذ.

وسط ذلك الظلام الدامس، بدأ تنفسها يتسارع، وأخذت تضرب الباب بذعر.

لكن مهما صرخت، لم يكن هناك أي رد من الخارج.

غرقت في حالة من الذعر الشديد.

ففي أيام الجامعة، حبستها وعد داخل غرفة مظلمة لمدة ثلاثة أيام كاملة. لم يكن هناك صوت ولا ضوء، وبدا الوقت وكأنه يمر بلا نهاية.

في تلك المرة انهارت نفسيًا تمامًا، ومنذ ذلك الحين أصبحت تخاف الظلام، كما أصيبت برهاب الأماكن المغلقة.

وخلال السنوات الماضية، كانت تُبقي جميع الأضواء مضاءة كل ليلة، حتى أثناء النوم.

في البداية لم يستطع كنان التأقلم مع الأمر، لكن بعد أن عرف ما مرت به، احتضنها بحنان وقال: "لا بأس، لا بأس. من الآن فصاعدًا، سننام والأنوار مضاءة في منزلنا، لا تخافي."

في البداية، لم يستطع النوم جيدًا، وكان يتقلب في فراشه ويستيقظ بسهولة.

لكن في كل مرة كانت تقترح فيها إطفاء الأنوار، كان يرفض قائلًا: "تقى، لستِ مضطرة لإجبار نفسك على فعل أي شيء. يمكنني التأقلم."

كان يعلم تمامًا، بل كانوا... جميعًا يعلمون.

ومع ذلك، اختار معاقبتها بهذه الطريقة، لمجرد أنها دفعت وعد.

شعرت تقى بألم خفيف ينبض في قلبها، وانكمشت في زاوية الغرفة، تحتضن جسدها المرتجف بشدة.

أجل، كل ذلك الدفء الذي عاشته في الماضي لم يكن سوى كذبة، مجرد تمثيلية أعدّوها لها عمدًا.

حتى هذه الغرفة الصغيرة المظلمة بدت وكأنها صُممت خصيصًا لها.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • بعد الخديعة أزهرتُ من جديد   الفصل 25

    كان رد فعل تقى سريعًا. فما إن سمعت صوت وعد، حتى لمحت بريقًا فضيًا يلمع من الجهة اليسرى.تراجعت خطوة إلى الخلف وأمالت جسدها في الوقت نفسه، فنجت من ضربة الساطور.وبعد أن أخطأت وعد الضربة الأولى، رفعت الساطور مجددًا بسرعة واندفعت لتوجيه ضربة ثانية.فاندفع كريم في تلك اللحظة.وقبل أن تهبط شفرة الساطور، جذب تقى إليه واستدار، محتضنًا إياها بقوة ليحميها بجسده.وفي اللحظة التالية، شقت الشفرة ظهره، وتناثر دمه.حاول كنان إبعاد وعد، ولكن ما إن رأته، حتى وجهت نحوه ضربة أخرى بلا تردد."كنان، أنت تستحق الموت أيضًا!"كانت أكثر من تكرهها هي تقى، لأنها فضحت جرائمها وتسببت في سجنها.أما ثاني أكثر شخص تكرهه فهو كنان، الذي تخلى عنها فور سقوطها ورفض حتى تحمل مسؤولية طفلها.في الأصل، كان بإمكانها الحصول على إفراج مؤقت بسبب حملها لمدة عام، وكانت عائلة بكري ستبحث عن طريقة لتخفيف الحكم.لكن كنان وكريم تسببا في إجهاضها، مما أجبرها على دخول السجن.وخلال العام الذي قضته هناك، تعرضت لتنمر قاسٍ من السجينات اللواتي عرفن جرائمها، حتى أصبحت حياتها أشبه بالجحيم.عندما تذكرت وعد ما مرت به في ذلك العام، احمرّت عيناها على

  • بعد الخديعة أزهرتُ من جديد   الفصل 24

    لكن فجأة، أمسكت يد دافئة بذراعها وسحبتها إلى الخلف، وفي اللحظة التالية ارتطمت بصدرٍ دافئ.كان صدر الرجل صلبًا وقويًا، حتى إن طرف أنفها تألم من شدة الاصطدام، واحمرّت عيناها قليلًا."هل أنتِ بخير؟"سأل صوت مألوف. رفعت تقى رأسها فجأةً، فالتقت عيناها بعينين مبتسمتين."فارس؟ لقد عدت أنت أيضًا!"ارتسمت على وجه تقى ابتسامة صادقة، فقد كانت متفاجئة حقًا.خلال عامها في منطقة الصحراء، التقت بفارس مراتٍ عديدة في المستشفى، وأصبحا صديقين حميمين."نعم." قال فارس بصوتٍ مرح: "كانت مهمة حفظ السلام لمدة عام، وقد انتهت الآن. سأستقر في مدينة الأنهار من الآن فصاعدًا. وأنتِ؟"وبينما كان يتحدث، انحنى ليساعدها في جمع أغراضها المتناثرة."سأعود إلى العمل في مستشفى المدينة قريبًا."انتهت تقى من ترتيب أغراضها، وكانت على وشك جمعها عندما حملها فارس قائلًا: "دعيني أتولى الأمر، فقط أرشديني إلى السيارة."لم ترفض تقى، وسارت معه نحو سيارتها.وبعد أن انتهيا من وضع الأغراض، بادرت قائلة: "دعني أدعوك للعشاء."لم يرفض فارس، وبعد نقاش قصير قررا تناول اللحم المشوي.ورغم معرفتهما التي امتدت لعام كامل، كانت هذه أول وجبة يتناولانه

  • بعد الخديعة أزهرتُ من جديد   الفصل 23

    بعد مرور عام.هبطت طائرة في مدينة الأنهار، وخرجت من المطار امرأة نحيلة ذات شعر قصير وبشرة بلون القمح.كانت تمشي بخطى سريعة، وعيناها تلمعان ببريق لافت.كانت هذه تقى، لقد انتهى عقدها الذي دام عامًا مع منظمة أطباء بلا حدود وعادت.وخلفها مباشرةً، ظهر كنان وكريم.لقد تغير كلاهما بشكل ملحوظ عما كانا عليه قبل عام، فبعد أن شهدا الكثير من الحياة والموت، وواجها العديد من التحديات التي هددت إيمانهما، وجدا طريقهما وهدفهما.لكن الشيء الوحيد الذي لم يتغير هو حبهما لتقى.فعلى الرغم من أنها عاملتهما طوال عام كامل كغريبين، بل ببرود أشد من تعاملها مع زملاء العمل العاديين، إلا أن ذلك جعلهما أكثر إعجابًا بأخلاقها وشخصيتها، وأكثر تعلقًا بها.وخلال ذلك العام، طالبت عائلة خطاب بعودتهما مرارًا وتكرارًا، لكنهما أصرا على البقاء قربها، متمسكين بحب يعرفان أنه بلا أمل.استأجرت تقى غرفة في فندق أولًا، ثم توجهت مباشرة لزيارة قبر جدتها.اشترت الزهور وبعض الشراب والعديد من الأطعمة التي كانت جدتها تحبها، وجلست أمام القبر تحكي لها عن أحداث العام الماضي."جدتي، لقد حققت أخيرًا الشيء الذي حلمت به طويلًا. أنا بخير الآن، وق

  • بعد الخديعة أزهرتُ من جديد   الفصل 22

    بعد مغادرة كنان، خرج كريم من الظلال خلف الخيمة وتوجه نحو تقى."تقى، أنا آسف."نظرت إليه تقى وقالت: "حسنًا، علمت. الآن غادر من فضلك.""لا، أنتِ لا تعلمين!"امتلأت عينا كريم بالدموع: "تقى، أنتِ لا تعلمين! لطالما أحببتكِ منذ اللحظة الأولى التي رأيتكِ فيها!""لكن في ذلك الوقت، كنتِ بالفعل حبيبة كنان، أنا..."ازدادت ملامح تقى قتامة وسألته: "ولذلك تظاهرت بأنك كنان، وأقمت علاقة معي، وخدعتني وآذيتني، أليس كذلك؟""هل هذا ما تسميه حبًا؟""لا، أنا..." عجز كريم عن إيجاد الكلمات، وأطبق شفتيه لا يعرف كيف يدافع عن نفسه.لم يستطع الدفاع عن نفسه."أنا فقط..." كان صوته أجشًا: "كنت أكبت مشاعري طوال الوقت، وكنت أخدع نفسي باستمرار...""في كل مرة كنتِ فيها معي، كنت أفكر، من تظنينني؟ من ترين أمامكِ؟ أنا..."ثم اختنق صوته وتوقف.سخرت تقى قائلة: "كريم، في كل مرة كنت أراك فيها كنان. لأن الشخص الوحيد الذي كان موجودًا في عينيّ دائمًا هو كنان.""أما أنت، فمن تكون؟""لم تكن سوى الأخ الأصغر الذي عاد من الدراسة في الخارج قبل أسبوع واحد من زفافي، أليس كذلك؟"شحب وجه كريم كالموتى، وارتجف صوته: "تقى، أنا...""اخرج." كان

  • بعد الخديعة أزهرتُ من جديد   الفصل 21

    كان كنان مستلقيًا على سرير المستشفى، فأدار رأسه وثبت عيناه على تقى.لم يمر سوى نصف شهر على فراقهما، لكنه شعر وكأن زمنًا طويلًا جدًا قد انقضى، طويلًا إلى حد بدا معه كقرنٍ كامل.لكن أكثر ما كان يبعث الطمأنينة في نفسه هو أنهما ما زالا على قيد الحياة.التقت تقى بعينيه المحمرتين، لكن ملامحها لم تُبدِ أي اضطراب.لم يكن هناك تأثر، ولا كراهية أو حقد، وكأنها خالية تمامًا من أي مشاعر.أو ربما كانت كل تلك المشاعر مدفونة عميقًا تحت طبقات الجليد.فحصت جرحه، ثم أعطته مضادًا حيويًا، وشرحت له التعليمات الطبية بلهجة رسمية بحتة، قبل أن تستدير وترحل."تقى..."ارتفع صوت كنان الأجش والضعيف من خلفها، لكنها لم تتوقف ولو للحظة، وأكملت طريقها.على الرغم من أنهم كانوا الثلاثة في نفس المستشفى، إلا أن كنان وكريم لم يجدا فرصة حقيقية للحديث مع تقى.فبعد يوم العملية وإعطاء الدواء، كلما حاول كريم مقابلتها كانت توكل الأمر إلى الممرضات.وبين كل هذا الانشغال، كان هناك شخص واحد فقط يشكل استثناءً.فقد كانت تزور فارس يوميًا لتطمئن على التئام جرحه وتبتسم له.شعر كنان وكريم بالغيرة، لكنهما كانا يعلمان جيدًا أنه لا يحق لهما ا

  • بعد الخديعة أزهرتُ من جديد   الفصل 20

    كان كريم يحمل كنان بين ذراعيه، وقلبه يملؤه القلق.انتظرا خارج منطقة الحرب 72 ساعة، حتى اكتملت إجراءات الموافقة وجميع التدابير اللازمة، قبل أن يتمكنا من دخول منطقة الحرب مع القافلة.وبعد دخولهما المنطقة، راحا يرافقان القافلة في توزيع المساعدات، ويبحثان عنها في كل مكان يصلان إليه.لكن ما إن وصلا إلى المعسكر الثاني حتى تعرضا لهجوم.أُصيب كنان برصاصة.ولعدم توفر الرعاية الطبية، لم يكن أمامهما سوى اتباع شاحنة الإمدادات الطبية إلى أقرب مستشفى ميداني.دخل كنان في غيبوبة في الطريق.اندفع كريم إلى الداخل حاملًا كنان، لكن ما إن رفع رأسه حتى رأى تقى بين الحشود.كانت ملامحها باردة ومنعزلة، وعيناها تفيضان بمشاعر مختلطة.توقف كريم، وعيناه تلمعان فرحًا غامرًا.لم تكن ميتة! إنها على قيد الحياة!انتابته موجة عارمة من الفرح، لكن سرعان ما تلاشى هذا الشعور أمام وطأة الموقف.توجه نحو تقى، وعيناه محمرتان قليلًا، وقال بصوت أجش: "تقى، أخي أُصيب برصاصة.""حسنًا." نظرت تقى إلى كنان فاقد الوعي وقالت: "تعال معي."أدخلتهما إلى منطقة العمليات، وبدأت بإجراء الجراحة لكنان، بينما طلبت من كريم تثبيته.وعندما شقت الجرح

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status