Share

الفصل 5

Author: نغم
تصلّب جسد تقى فجأة، وشحب وجهها كالموتى.

ثم استجمعت كل قوتها ودفعت الرجل الجاثم فوقها بعنف، وانكمشت عند رأس السرير.

عبس كريم في وجهها لثانيتين، ثم رفع حاجبه قائلًا: "هل ما زلتِ غاضبة؟"

فرك ما بين حاجبيه، وكانت ملامحه مطابقة تمامًا لملامح كنان، حتى صوته المبحوح بفعل الكحول لم يكن يختلف عنه بشيء.

ولولا أنها سمعت من قبل أن كنان حافظ على نفسه من أجل وعد، لما استطاعت التمييز بينهما إطلاقًا.

اقترب منها مجددًا، مستندًا بذراعيه خلفها، حتى كادت أطراف أنفيهما تتلامس.

"لقد شرحت لكِ الأمر اليوم. لو كنت أكنّ لها مشاعر، لما تزوجتكِ."

ثم همّ كريم بتقبيلها.

اتسعت عينا تقى فجأة، وانحرفت بجسدها مبتعدة عنه بعنف، ثم بدأت تتقيأ جافًا.

احمرّت عيناها من شدة التقيؤ، لكنها لم تستطع التوقف، فدفعت الرجل بعيدًا واندفعت نحو الحمام.

راقبها كريم وهي تبتعد، وقد انعقد حاجباه قليلًا ولمعت عيناه بوميض غامض.

في الحمام، استندت تقى إلى الجدار وانزلقت ببطء حتى جلست القرفصاء على الأرض.

وفجأة، دوى صوت كريم من خارج الباب: "هل سمعتم ذلك؟ هذه المرأة تتقيأ، هل يُعقل أنها حامل؟"

أعقب ذلك ضجيج مليء بالدهشة، ثم صاح أحد أصدقائه بصوت مرتفع: "كريم، لا تتمادَ في لعبتك، ماذا ستفعل إذا انكشف الأمر وتورطت لاحقًا؟"

تصلّب ظهر تقى فورًا، وشعرت ببرودة تسري في أطرافها.

أدركت حينها أن هاتف كريم كان متصلًا بهم طوال الوقت.

وسرعان ما وصل إلى أذنيها صوت وعد: "كنان، كريم، لا تبالغا في الأمر هكذا..."

"نبالغ؟" كانت نبرة كنان باردة كالثلج: "لقد استهدفتكِ لفترة طويلة، وهذا هو العقاب الذي تستحقه."

ثم سألت وعد بقلق: "ماذا لو كانت تقى حاملًا حقًا؟"

بعد لحظة صمت، قال الرجلان بصوت واحد: "مستحيل!"

وعلى الطرف الآخر من الخط، بدا صوت كنان قاسيًا بشكل خاص: "حتى لو كانت حاملًا، فلا بد من التخلص من الأمر نهائيًا. أليس كذلك يا كريم؟"

تحركت تفاحة آدم في عنق كريم مرتين قبل أن يجيب: "بالتأكيد."

لكن لسبب لا يعرفه، انقبض قلبه للحظة قصيرة.

وفي الثانية التالية، رأى تقى تفتح الباب وتنظر إليه بوجه شاحب كالموتى.

خفق قلبه بشدة، ثم أنهى المكالمة بسرعة وذهب إليها: "ما خطبكِ يا تقى؟ لماذا تبدين شاحبة هكذا؟ هل تشعرين بتوعك؟ أنتِ... لستِ حاملًا، أليس كذلك؟"

حدّقت تقى به، مُجبرةً نفسها على الابتسام: "لا، معدتي تؤلمني فحسب."

وفي صباح اليوم التالي، وصلت تقى إلى المستشفى في الموعد المحدد لإجراء عملية الإجهاض.

كانت رئيسة القسم تعرفها، فقالت محاولة إقناعها: "تقى، الجنين يبلغ سبعة أسابيع بالفعل، ونبض قلبه موجود وكل مؤشراته جيدة. هل أنتِ متأكدة من رغبتكِ في إنهاء الحمل؟"

أومأت برأسها، وظلّ تعبير وجهها ثابتًا: "نعم."

وعندما خرجت من المستشفى كان الوقت قد تجاوز الظهيرة، وفي تلك اللحظة رنّ هاتفها باسم كنان، ثم توقفت سيارته أمام المدخل مباشرة.

نزل بسرعة من السيارة وأجلسها في المقعد المجاور للسائق: "هيا، سأصطحبكِ لتناول الطعام."

ساد الصمت في السيارة طوال الطريق، لكن الابتسامة لم تفارق شفتي كنان.

وكانت الأغنية التي تُبث في سيارته هي الأغنية المفضلة لدى وعد أيام الدراسة، وهي في الوقت نفسه الأغنية التي تكرهها تقى أكثر من أي شيء.

وما إن وصلا إلى المطعم حتى وجدا وعد وكريم بانتظارهما.

أشارت وعد إلى الكعكة على الطاولة قائلةً: "تقى، لقد تجاوزت حدودي بالأمس، ولهذا وقفت في صف الانتظار خصيصًا لأشتري هذه الكعكة المشهورة كاعتذار مني، عليكِ أن تتذوقيها."

وخلال الطعام، ظلت وعد تسترجع ذكريات طفولتها معهما.

"كان كنان وكريم يدللاني أكثر من أي شخص منذ الصغر، وحتى عندما كنا نلعب لعبة العائلة كانا يتشاجران ليفوز كل منهما بدور العريس إلى جانبي!"

"وفي إحدى المرات علقت فوق شجرة ولم أستطع النزول، فاستلقى كنان على الأرض ليكون وسادتي البشرية عند القفز."

"وعندما حاصرني بعض الفتيان في المرحلة الإعدادية، أصيب كنان وكريم بجروح خطيرة وهما يدافعان عني، وبقيا في المستشفى فترة طويلة."

كان كنان وكريم يوافقانها بابتسامات دافئة، واندمج الثلاثة في الحديث بحميمية، بينما بقيت تقى صامتة طوال الوقت.

ثم نظرت وعد إليها فجأةً: "تقى، لماذا لا تقولين شيئًا؟ هل لديكِ مشكلة معي؟"

"أعلم أنه كانت بيننا بعض الخلافات أيام الجامعة، لكنكِ ستتزوجين كنان الآن، وأتمنى أن نصبح صديقتين مقربتين."

رفعت وعد كأس النبيذ، وارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيها وهي تنظر إلى تقى.

أما تقى فلم تتحرك ولم تنظر إليها، بل فجأة أمسكت بملابسها عند صدرها وبدأت تلهث بصعوبة وأنفاس متسارعة.

ظهرت على ذراعيها بقع حمراء واسعة ومخيفة، فحاولت جاهدةً الوصول إلى حقيبتها.

"هل تعانين من رد فعل تحسسي؟!"

نهض كنان فجأة ومد يده نحو حقيبتها.

كانت تقى تعاني من حساسية شديدة جدًا تجاه الفول السوداني، ولذلك كانت تحتفظ دائمًا بحقنة أدرينالين طارئة في حقيبتها قد تنقذ حياتها إذا تناولته عن طريق الخطأ.

وكانت تقى قد أمسكت بالفعل بحقنة الأدرينالين.

لكن في تلك اللحظة، دوّى صوت وعد الضعيف فجأة: "كنان... أشعر بتعب شديد..."

قبضت أصابعها النحيلة على ثوبها عند الصدر، ثم شحب وجهها وسقط جسدها إلى الخلف.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • بعد الخديعة أزهرتُ من جديد   الفصل 25

    كان رد فعل تقى سريعًا. فما إن سمعت صوت وعد، حتى لمحت بريقًا فضيًا يلمع من الجهة اليسرى.تراجعت خطوة إلى الخلف وأمالت جسدها في الوقت نفسه، فنجت من ضربة الساطور.وبعد أن أخطأت وعد الضربة الأولى، رفعت الساطور مجددًا بسرعة واندفعت لتوجيه ضربة ثانية.فاندفع كريم في تلك اللحظة.وقبل أن تهبط شفرة الساطور، جذب تقى إليه واستدار، محتضنًا إياها بقوة ليحميها بجسده.وفي اللحظة التالية، شقت الشفرة ظهره، وتناثر دمه.حاول كنان إبعاد وعد، ولكن ما إن رأته، حتى وجهت نحوه ضربة أخرى بلا تردد."كنان، أنت تستحق الموت أيضًا!"كانت أكثر من تكرهها هي تقى، لأنها فضحت جرائمها وتسببت في سجنها.أما ثاني أكثر شخص تكرهه فهو كنان، الذي تخلى عنها فور سقوطها ورفض حتى تحمل مسؤولية طفلها.في الأصل، كان بإمكانها الحصول على إفراج مؤقت بسبب حملها لمدة عام، وكانت عائلة بكري ستبحث عن طريقة لتخفيف الحكم.لكن كنان وكريم تسببا في إجهاضها، مما أجبرها على دخول السجن.وخلال العام الذي قضته هناك، تعرضت لتنمر قاسٍ من السجينات اللواتي عرفن جرائمها، حتى أصبحت حياتها أشبه بالجحيم.عندما تذكرت وعد ما مرت به في ذلك العام، احمرّت عيناها على

  • بعد الخديعة أزهرتُ من جديد   الفصل 24

    لكن فجأة، أمسكت يد دافئة بذراعها وسحبتها إلى الخلف، وفي اللحظة التالية ارتطمت بصدرٍ دافئ.كان صدر الرجل صلبًا وقويًا، حتى إن طرف أنفها تألم من شدة الاصطدام، واحمرّت عيناها قليلًا."هل أنتِ بخير؟"سأل صوت مألوف. رفعت تقى رأسها فجأةً، فالتقت عيناها بعينين مبتسمتين."فارس؟ لقد عدت أنت أيضًا!"ارتسمت على وجه تقى ابتسامة صادقة، فقد كانت متفاجئة حقًا.خلال عامها في منطقة الصحراء، التقت بفارس مراتٍ عديدة في المستشفى، وأصبحا صديقين حميمين."نعم." قال فارس بصوتٍ مرح: "كانت مهمة حفظ السلام لمدة عام، وقد انتهت الآن. سأستقر في مدينة الأنهار من الآن فصاعدًا. وأنتِ؟"وبينما كان يتحدث، انحنى ليساعدها في جمع أغراضها المتناثرة."سأعود إلى العمل في مستشفى المدينة قريبًا."انتهت تقى من ترتيب أغراضها، وكانت على وشك جمعها عندما حملها فارس قائلًا: "دعيني أتولى الأمر، فقط أرشديني إلى السيارة."لم ترفض تقى، وسارت معه نحو سيارتها.وبعد أن انتهيا من وضع الأغراض، بادرت قائلة: "دعني أدعوك للعشاء."لم يرفض فارس، وبعد نقاش قصير قررا تناول اللحم المشوي.ورغم معرفتهما التي امتدت لعام كامل، كانت هذه أول وجبة يتناولانه

  • بعد الخديعة أزهرتُ من جديد   الفصل 23

    بعد مرور عام.هبطت طائرة في مدينة الأنهار، وخرجت من المطار امرأة نحيلة ذات شعر قصير وبشرة بلون القمح.كانت تمشي بخطى سريعة، وعيناها تلمعان ببريق لافت.كانت هذه تقى، لقد انتهى عقدها الذي دام عامًا مع منظمة أطباء بلا حدود وعادت.وخلفها مباشرةً، ظهر كنان وكريم.لقد تغير كلاهما بشكل ملحوظ عما كانا عليه قبل عام، فبعد أن شهدا الكثير من الحياة والموت، وواجها العديد من التحديات التي هددت إيمانهما، وجدا طريقهما وهدفهما.لكن الشيء الوحيد الذي لم يتغير هو حبهما لتقى.فعلى الرغم من أنها عاملتهما طوال عام كامل كغريبين، بل ببرود أشد من تعاملها مع زملاء العمل العاديين، إلا أن ذلك جعلهما أكثر إعجابًا بأخلاقها وشخصيتها، وأكثر تعلقًا بها.وخلال ذلك العام، طالبت عائلة خطاب بعودتهما مرارًا وتكرارًا، لكنهما أصرا على البقاء قربها، متمسكين بحب يعرفان أنه بلا أمل.استأجرت تقى غرفة في فندق أولًا، ثم توجهت مباشرة لزيارة قبر جدتها.اشترت الزهور وبعض الشراب والعديد من الأطعمة التي كانت جدتها تحبها، وجلست أمام القبر تحكي لها عن أحداث العام الماضي."جدتي، لقد حققت أخيرًا الشيء الذي حلمت به طويلًا. أنا بخير الآن، وق

  • بعد الخديعة أزهرتُ من جديد   الفصل 22

    بعد مغادرة كنان، خرج كريم من الظلال خلف الخيمة وتوجه نحو تقى."تقى، أنا آسف."نظرت إليه تقى وقالت: "حسنًا، علمت. الآن غادر من فضلك.""لا، أنتِ لا تعلمين!"امتلأت عينا كريم بالدموع: "تقى، أنتِ لا تعلمين! لطالما أحببتكِ منذ اللحظة الأولى التي رأيتكِ فيها!""لكن في ذلك الوقت، كنتِ بالفعل حبيبة كنان، أنا..."ازدادت ملامح تقى قتامة وسألته: "ولذلك تظاهرت بأنك كنان، وأقمت علاقة معي، وخدعتني وآذيتني، أليس كذلك؟""هل هذا ما تسميه حبًا؟""لا، أنا..." عجز كريم عن إيجاد الكلمات، وأطبق شفتيه لا يعرف كيف يدافع عن نفسه.لم يستطع الدفاع عن نفسه."أنا فقط..." كان صوته أجشًا: "كنت أكبت مشاعري طوال الوقت، وكنت أخدع نفسي باستمرار...""في كل مرة كنتِ فيها معي، كنت أفكر، من تظنينني؟ من ترين أمامكِ؟ أنا..."ثم اختنق صوته وتوقف.سخرت تقى قائلة: "كريم، في كل مرة كنت أراك فيها كنان. لأن الشخص الوحيد الذي كان موجودًا في عينيّ دائمًا هو كنان.""أما أنت، فمن تكون؟""لم تكن سوى الأخ الأصغر الذي عاد من الدراسة في الخارج قبل أسبوع واحد من زفافي، أليس كذلك؟"شحب وجه كريم كالموتى، وارتجف صوته: "تقى، أنا...""اخرج." كان

  • بعد الخديعة أزهرتُ من جديد   الفصل 21

    كان كنان مستلقيًا على سرير المستشفى، فأدار رأسه وثبت عيناه على تقى.لم يمر سوى نصف شهر على فراقهما، لكنه شعر وكأن زمنًا طويلًا جدًا قد انقضى، طويلًا إلى حد بدا معه كقرنٍ كامل.لكن أكثر ما كان يبعث الطمأنينة في نفسه هو أنهما ما زالا على قيد الحياة.التقت تقى بعينيه المحمرتين، لكن ملامحها لم تُبدِ أي اضطراب.لم يكن هناك تأثر، ولا كراهية أو حقد، وكأنها خالية تمامًا من أي مشاعر.أو ربما كانت كل تلك المشاعر مدفونة عميقًا تحت طبقات الجليد.فحصت جرحه، ثم أعطته مضادًا حيويًا، وشرحت له التعليمات الطبية بلهجة رسمية بحتة، قبل أن تستدير وترحل."تقى..."ارتفع صوت كنان الأجش والضعيف من خلفها، لكنها لم تتوقف ولو للحظة، وأكملت طريقها.على الرغم من أنهم كانوا الثلاثة في نفس المستشفى، إلا أن كنان وكريم لم يجدا فرصة حقيقية للحديث مع تقى.فبعد يوم العملية وإعطاء الدواء، كلما حاول كريم مقابلتها كانت توكل الأمر إلى الممرضات.وبين كل هذا الانشغال، كان هناك شخص واحد فقط يشكل استثناءً.فقد كانت تزور فارس يوميًا لتطمئن على التئام جرحه وتبتسم له.شعر كنان وكريم بالغيرة، لكنهما كانا يعلمان جيدًا أنه لا يحق لهما ا

  • بعد الخديعة أزهرتُ من جديد   الفصل 20

    كان كريم يحمل كنان بين ذراعيه، وقلبه يملؤه القلق.انتظرا خارج منطقة الحرب 72 ساعة، حتى اكتملت إجراءات الموافقة وجميع التدابير اللازمة، قبل أن يتمكنا من دخول منطقة الحرب مع القافلة.وبعد دخولهما المنطقة، راحا يرافقان القافلة في توزيع المساعدات، ويبحثان عنها في كل مكان يصلان إليه.لكن ما إن وصلا إلى المعسكر الثاني حتى تعرضا لهجوم.أُصيب كنان برصاصة.ولعدم توفر الرعاية الطبية، لم يكن أمامهما سوى اتباع شاحنة الإمدادات الطبية إلى أقرب مستشفى ميداني.دخل كنان في غيبوبة في الطريق.اندفع كريم إلى الداخل حاملًا كنان، لكن ما إن رفع رأسه حتى رأى تقى بين الحشود.كانت ملامحها باردة ومنعزلة، وعيناها تفيضان بمشاعر مختلطة.توقف كريم، وعيناه تلمعان فرحًا غامرًا.لم تكن ميتة! إنها على قيد الحياة!انتابته موجة عارمة من الفرح، لكن سرعان ما تلاشى هذا الشعور أمام وطأة الموقف.توجه نحو تقى، وعيناه محمرتان قليلًا، وقال بصوت أجش: "تقى، أخي أُصيب برصاصة.""حسنًا." نظرت تقى إلى كنان فاقد الوعي وقالت: "تعال معي."أدخلتهما إلى منطقة العمليات، وبدأت بإجراء الجراحة لكنان، بينما طلبت من كريم تثبيته.وعندما شقت الجرح

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status