Masuk"مالك، أي ضغينة يمكن أن تبقى بين الأب وابنه؟ والدك… أنت حقا أسأت الظن به!" لم تجب نوراي إجابة مباشرة.تعمدت هذا الغموض ليعتقد كل من في المكان أن ما يجري داخل مكتب زيد الآن غير واضح، وكل ذلك بسبب غضب مالك.ومالك يعرف هذا الأسلوب منها جيدا.حتى النظر إليها كان يراه بلا أي قيمة، فضلا عن أن يضيع وقته في الجدال معها.مد مالك يده وأمسك بيد فادية."هيا بنا." تغير نبرته تماما عما كانت عليه قبل قليل وهو يواجه نوراي؛ الدفء في صوته جعل كل من حوله يتفاجأ.في عائلة الراسني، كان السيد الثالث هو الأكثر برودة، ونادرا ما شوهدت على وجهه ابتسامة، فضلا عن أن يشعر أحدا بالدفء.لكن في صوته قبل قليل… لقد سمعوا شيئا يشبه "الحنان".السيد الثالث… لم يكن يوما قريبا من هذه الكلمة!الجميع تبادل النظرات نحو السيد الثالث ثم نحو المرأة التي تقف إلى جانبه.قبل قليل انشغلوا بتصرفها وهي تدافع عنه، لكن بعد أن دققوا النظر الآن، لاحظوا أن نظرته لها مختلفة تماما.أما هي…قوام ممشوق، وملامح تبهر النظر.ورغم بساطة ملابسها، إلا أنها واقفة بجواره كأنهما خلقا ليكونا معا؛ تناسق يلفت النظر.تجاوز الاثنان نوراي الجاثية على الأرض وه
"لكن مالك يبدو أن لديه أمرا طارئا ويجب أن يغادر. وحالة أخي هكذا... أي أمر مهما كان مهما، هل يمكن أن يكون أهم من أخي؟"توقفت الحاجة الراسني، ونظرت إلى مالك الذي كان قد وصل إلى بهو الطابق الأول.كيف لا تفهم المعنى الخفي في كلام جاد؟غير أنها…"ما دام هناك أمر طارئ فعلا، فليذهب فورا." ارتفع صوت الحاجة الراسني هادئا.تفاجأ الجميع."أمي؟" كان جاد أول من حاول الاعتراض.كان يريد استغلال وجود الحاجة الراسني ليجبر مالك على البقاء.لو بقي مالك، سيحظى بفرصة لرؤية المشهد يزداد سوءا، ويؤجج الخلاف بين زيد ومالك، بل ويستغل ذلك ليضغط على مالك أمام الحاجة.لكن الحاجة سمحت له بالذهاب؟"أمي، حالة أخي ما زالت غير واضحة، وإن غادر مالك الآن…""وماذا؟"لم يكمل جاد كلامه حتى رمقته بنظرة باردة وقالت، "مالك ليس طبيبا. وجوده هنا لن يغير شيئا. يكفي أن يكون الطبيب مع أخيك.""لكن…"وقبل أن يتمكن جاد من إكمال اعتراضه، خرجت نوراي مسرعة من مكتب الدراسة، ولم تنتبه لوجود الحاجة الراسني، بل كانت تبحث بعجلة، "مالك؟ أين مالك؟"توجهت أنظار الجميع نحو مالك في الطابق الأول.اتبعت نوراي نظراتهم، وما إن رأت مالك حتى اندفعت تهبط
مع انطلاق جرس الإنذار، بدا قصر الراسني وكأنه استفاق دفعة واحدة.كان زوجا الجناح الثاني يراقبان الوضع خارجا، ولما رأيا مالك يخرج من مكتب ظنا أن ما حدث اليوم قد انتهى، لكن صوت الإنذار أثار يقظتهما فورا."ما الأمر؟ ماذا حدث؟"خرج جاد متظاهرا بأنه استيقظ للتو ليرى ما يجري.ولحقت به ندى مباشرة.كما بدأ الخدم والقيمون في القصر بالاستيقاظ واحدا تلو الآخر.لم تمر لحظات قليلة على صوت الإنذار حتى وصل الطاقم الطبي.وتحول هدوء القصر إلى ضجة مترقبة، فعيون الجميع كانت تتجه نحو مكتب زيد.في داخل الغرفة.كانت فادية قد وضعت الألبوم جانبا منذ لحظة، ومع انطلاق الإنذار عاد مالك إلى الغرفة فورا."ما الذي حدث؟" لم تكن فادية تعرف ما يجري في الخارج، لكنها شعرت أن هذه الضجة لا بد أنها متعلقة بمالك.كان مالك قبل قليل بارد الملامح، لكن بمجرد أن وقعت عيناه على فادية عاد الدفء تدريجيا إلى صدره.وما إن دخل الغرفة حتى أسرع نحوها بلا تردد."مالك..." نظراته الملتهبة أفزعتها قليلا، وما إن نادت اسمه حتى شد ذراعيه حولها أكثر.تصرفه زاد من قلقها، فبادلت حضنه بطمأنة خفيفة، ثم سألت من جديد: "ما الأمر؟""لا شيء... سأخرجك من
استعاد مالك ذكريات تلك الأيام، فاشتد بغضه لزيد أكثر فأكثر. وقال بحدة: "أما زلت تذكر موتها؟"هي؟شروق الشافعي…لمع في عيني زيد شيء من الاضطراب."هي رحلت، ومع ذلك لم تلاحق الحقيقة. الجميع قال إنها أصيبت بمرض في قلبها، وإنها فقدت الأمل واختارت إنهاء حياتها. لكن الأمر مليء بعلامات الاستفهام.""ولماذا أصيبت هي أصلا بذلك المرض؟ ألست أنت أدرى الناس بذلك يا الشيخ زيد؟""كنت تحب غيرها، ومع ذلك لم تطلق سراحها. تركتها تذبل في هذا القفص حتى صارت ظلا لنفسها.""تقولون إنها فقدت الأمل؟ هذا أسخف ما سمعت. هي أحبت بصدق، فكيف كانت لتترك من أحبته وحيدا وترحل دون رحمة؟"خفض مالك نظره.قد تخلت عنه وتركته وحيدا في عائلة الراسني، لكنها لم تستطع يوما التخلي عن سامي.وفي لحظة واحدة، لملم مالك ما تبقى من خيبته العميقة.وحين التفت مجددا إلى زيد، كان البغض في عينيه أشد من قبل. "وسامي… الخادم الذي أرسل له شفرات، من الذي أمره؟ أنت لم تهتم حتى بمعرفة الحقيقة.""زيد، قل لي… من الذي يهمك حقا في هذه الحياة؟""أنت تهتم بها هي!"جال مالك بنظره إلى المرأة التي يحميها زيد بين ذراعيه، فشعر بمرارة لأجل والدته الراحلة.تحت ذلك
كان زيد يشعر بالارتباك ولا يجرؤ على النظر إلى مالك.فعندما استعاد ما حدث، تذكر أنه في اللحظة الأولى لم يهتم بإصابة سامي، وأنه لم يتذكر أمره ثانية إلا بعد أن عاد إلى القصر القديم.والآن، أمام استجواب مالك، لم يكن يملك أي حجة.لكن مالك كان مصمما على سماع جواب واضح منه: "الطابق الثالث في المعرض تحفظ فيه أهم ممتلكات الشيخ زيد، وكل ممر فيه مغلق بأقفال مشفرة. فكيف صعد سامي إلى هناك؟"وبين كلماته، ألقى مالك نظرة خاطفة على نوراي، وكان الشك قد استقر في قلبه منذ البداية."مالك…"نطقت نوراي فجأة، وفي بريق عينيها كان الذنب واضحا. "مالك، هذا الخطأ سببي أنا."تفاجأ مالك قليلا.أتراها تعترف بأنها هي الفاعلة؟"اليوم صعدت إلى الطابق الثالث لأحصي اللوحات الخاصة بوالدك. وبعد أن أنهيت عملي غادرت… لم أنتبه أن الباب بقي دون إغلاق."كل كلمة خرجت منها كانت مليئة بالندم، لكن في أذن مالك، كان كل حرف يجرح أكثر من الذي قبله.ابتسم بسخرية.وفي ركن الغرفة، أسرعت المساعدة التي ظلت صامتة طوال الوقت وقالت: "سيدي الثالث، ليست السيدة هي المخطئة. في العادة حين تصعد السيدة إلى الطابق الثالث، تفتح القفل السري، وعند مغادرته
لكن ما إن أنهى كلامه حتى بادره مالك بنبرة باردة يشكك فيها: "إذا كنت تعرف أنك والده؟"في ذلك العام، حين جرح سامي نفسه في هذا القصر، ظلت تلك الشفرة عقدة عالقة في قلب مالك.لقد ترجاه مرارا أن يحقق في الأمر، لكن كيف كان موقفه وقتها؟دافع تلك الخادمة كان هشا لدرجة أنه هو نفسه لم يقتنع به؛ كان واضحا أنها مجرد كبش فداء دفع بها إلى الواجهة، ومع ذلك آمن زيد بأنها الجانية.نظر مالك إلى نوراي بنظرة استخفاف وقال: "كنت أظن أن قلبك لا يسع غير زوجتك الصغيرة.""مالك!" انتفض زيد واقفا، والتقط قلما من جانبه ورماه باتجاه مالك بقوة.مر القلم بمحاذاة مالك.وارتطم بالجدار خلفه بصوت واضح، دوى في سكون الليل.ارتجف جسد زيد غضبا، فسارعت نوراي نحوه، تضع يدها على صدره بقلق: "زيد، مالك قالها في لحظة غضب، لا تأخذ الأمر على محمل الجد."وبوجود كلماتها المواسية، هدأ زيد تدريجيا.وقفا متجاورين، ورغم فارق السن بين الزوجين، إلا أنهما بديا متناسقين ومحبين. هذا المشهد وحده كان كافيا ليثير في نفس مالك قرفا شديدا."مالك، ما مضى جعلك تحمل الكثير من الظنون تجاهي، لكن والدك كان دوما يحمل همكما أنت وسامي. مشكلته أنه لم يعرف يوما







