Masukفجأة، ظهرت حسنية والدتها وقالت له بتوسل:
ـ "أعطيني ابنتي وسأغادر لن تراني مجددا." لكن ميغيل كان باردًا معها، وأخذ وجه سلاحه نحوها ثم غطى عيني إريسا وأطلق النار كانت إريسا تصرخ وتنادِي أمها، لكن ميغيل خرج بها من هناك. بعدما أخذ ميغيل إريسا إلى منزله، كانت الفتاة في حالة صدمه، عيونها مليئة بالخوف والدموع، بينما كانت تصرخ وتبكي على والدتها حسنية التي تركتها خلفها في تلك اللحظة العصيبة وان ميغيل أطلق النار على والدتها وماتت ووالدها كريم مات في الحريق ، كانت تتعامل مع ميغيل بعنف ورفض، وأصبحت عدوانية معه، محاولات الهروب كانت لا تنتهي، حتى أنها كانت تضربه في كل فرصة تسنح لها. في الأيام التي تلت الحادثة، كان ميغيل يشعر بالذنب بعد تلك الأحداث ، ولكنه كان يواصل عمله، محاولًا إبقاء إريسا في منزله بعيدًا عن أي تهديد. لكنه لم يستطع أن يتجاهل أنها كانت تزداد كراهية له مع مرور الوقت كانت تتجنب الحديث معه، وتبقى مكتئبة طوال الوقت حاول ميغيل أن يُهدئها بشراء لها ألعاب وهدايا، ولكن كل محاولاته كانت تبوء بالفشل. وفي أحد الأيام، بينما كان ميغيل جالسًا في مكتبه، جاء أندريس، ابن ميغيل، وقال له: ـ "أبي، إريسا لا تتوقف عن البكاء، لماذا اصبحت هكذا." كان ميغيل يقف عند النافذة، نظراته ثابتة على اللاشيء، لم يلتفت ميغيل نحوه، بل قال بصوتٍ بارد لا يعكس ما يدور في داخله: — دعها تبكي… ستتوقف قريبًا. كان يعلم أن الدموع لا تُوقف بالحضن، ولا تُطفأ الكلمات نار الذنب لكنه كان أيضًا يعلم أنه لا يملك الشجاعة ليواجه ما فعله. في الجهة الأخرى من المنزل، حيث الغرفة التي غمرها الحزن، خرج أندريس من مكتبه بخطوات متوترة. شيء ما لم يتركه يرتاح. اقترب من باب غرفة إريسا، وفتحه ببطء. كانت إريسا جالسة على الأرض، بين الوسائد المبعثرة، ووجهها مغسول بالدموع. لا تصرخ كما قبل، لكنها كانت تبكي بصمتٍ يكسر القلوب. اقترب منها أندريس وجثا على ركبتيه أمامها، صوته يحمل قلقًا أكثر من عتاب: — لماذا تبكين وتصرخين هكذا؟ رفعت إريسا نظرها إليه. عيناها محمرّتان، ونظرتها متكسّرة. همست بكلمات كأنها خنجر في صدره: — والدك… قتل أمي. لقد رأيته… وجه السلاح نحوها، وأطلق النار. رأيت ذلك بعينيّ. تراجع أندريس قليلًا، مصدومًا. ما تقوله إريسا بدا له أقرب إلى الجنون. هز رأسه ببطء وقال: — لا… هذا مستحيل. والدينا صديقين، أمي كانت تحب والدتك، ووالدي… يحبكما أيضًا. هذا غير صحيح، نحن نحبكم… لا يمكن أن يفعل والدي شيئًا كهذا. لكنها لم تُجب. بدأت بالبكاء من جديد، بكاء كأنه لا يريد أن يتوقف أبدًا. لم يتمالك أندريس نفسه. اقترب منها أكثر، وضمّها بين ذراعيه، وانهار باكيًا معها. لم يكن يعرف الحقيقة، لكنه شعر بمرارة الألم في صوتها، في بكائها، في ارتعاش يديها الصغيرة. شيء ما في أعماقه أخبره أنها لا تكذب… لكنها تتألم من حقيقة لم تكن جاهزة لسماعها. في تلك الليلة، لم تفهم إريسا شيئًا سوى أن والديها ماتا. كل شيء آخر بدا ضبابيًا. الغدر، الرصاص، الصمت… كلها كانت أجزاء من كابوس لن تستفيق منه قريبًا. أما ميغيل، فكان قد أنهى بناء منزل منفصل لها داخل أرضية الفيلا الكبيرة. بيت خاص صغير، أنيق، فيه كل ما تحتاجه، ومعه عدد من الخدم لرعايتها. أراد أن يُبعدها… أن لا يراها، ولا تراه. لم يستطع أن ينظر إلى عينيها دون أن يشعر بثقل الذنب يسحبه نحو الهاوية. كان كل شيء صامتًا في تلك الليلة… إلا الدموع. وحدها كانت تتكلم. كانت إريسا تشعر أن شيئًا ما انكسر داخلها منذ وفاة والديها. في البداية، لم تستوعب كل ما حدث. لكنها كانت تدرك شيئًا واحدًا بوضوح حياتها لم تعد كما كانت. لم تكن تفهم لماذا اختار ميغيل ـ صديق والدها الحميم ـ أن يعزلها بهذا الشكل. بدت معاملته باردة، صارمة، لا تشبه الحنان الذي عرفته من والديها. شعرت وكأنها رهينة في قصره الكبير، تُمنع من الاقتراب، تُراقب في صمت، وتُوجَّه بأوامر لا تنتهي. البيت الذي بناه لها في زاوية الحديقة بدا كزنزانة فاخرة، لا يُشبه منزلها الذي اعتادت عليه، ولا يحمل دفء العائلة التي فقدتها. مرت شهور ثقيلة. كانت تحاول التأقلم مع الحياة الجديدة. تدرس في نفس المدرسة التي يدرس فيها أندريس، وتخرج كل صباح في سيارة واحدة تقلّهما وتعيدهما. بدا كل شيء معتادًا، مملًا... في الصباح، بينما كانت السيارة تنقلهم كالعادة، توقفت فجأة سيارة سوداء أمامهم في منتصف الطريق، باندفاعٍ مفاجئ. حاول السائق الرجوع، لكن سيارة أخرى أسرعت خلفهم وأغلقت الطريق. أدرك السائق الخطر على الفور، وحاول أن يرسل رسالة إلى ميغيل، لكن أحد الرجال نزل من السيارة الأمامية، وأطلق عليه النار دون تردد. صرخة مكتومة خرجت من فم إريسا. توقف الزمن للحظة. الدم على الزجاج، ورجال يفتحون الأبواب بعنف، لم يكن هناك وقت للهرب أو الصراخ. كان الهدف واضحًا إريسا. أحد الرجال جذبها من ذراعها، لكنها تشبثت بمقعدها وهي تصرخ. انقض أندريس، دون خوف، على يد الرجل، وغرس أسنانه فيها بكل ما يملك من قوة. صرخ الرجل وسحب يده، يتألم بشراسة. حاول توجيه ضربة لأندريس، لكن نظرات الفتى كانت مشتعلة بالشجاعة... فتوقف لوهلة. كانت إريسا تبكي بحرقة، وتختبئ خلف أندريس، لكن لم يمضِ وقت طويل حتى جاء رجال آخرون وفصلوا بينهما بالقوة. سحبوا إريسا إلى السيارة السوداء، وانطلقوا بها بسرعة. بقي أندريس واقفًا في منتصف الطريق، يركض خلف السيارة ويصرخ من أعماقه: — إريساااااا!! صوتها وهي تبكي من داخل السيارة ظل يرنّ في أذنيه كطعنة لا تندمل. لم يتردد. أخرج هاتفه، ويده ترتجف. اتصل على والده محاولًا أن يبدو قويًا، رغم اختناق صوته: — أبي... لقد خطفوا إريسا. صمت ثقيل أعقب الجملة، ثم جاء صوت ميغيل من الطرف الآخر، حادًا ومرتجفًا: — ماذا؟! أخبرني أين أنت الآن؟! أندريس التفت يمنة ويسرة، الشوارع بدت غريبة عليه ولأنه مازال طفل لا يعرف ، لا شيء مألوف: — لا أعرف هذا المكان يا أبي… نحن بعيدون… أنا لا أعرف الطريق… رفع ميغيل الهاتف وبدأ يصيح بصوتٍ مرتفع، موجّهًا حديثه لابنه: — لا تُقفل الخط! أبقه مفتوحًا! أنا قادم فورًا! لم يكن في الصوت سوى خوف أب، ورعب رجل بدأ يشعر أن أخطاء الماضي بدأت تطارد أبناءه.تياجو رفع نظره بصعوبة، فمه ينزف، وقال بنبرة تحدٍّ باهتة:ـ لن تفهم... الغرفة لا تفتح إلا لمن يعرف الشيفرة التي كتبتها أمي.اقترب رجل الظل أكثر، وضع العصا على عنقه، وقال بابتسامة مريضة:ـ إذًا دعنا نرى... إلى متى ستحتمل الألم قبل أن “تتذكّر” الشيفرة؟صرخة تياجو اخترقت المكان، والضوء الأزرق للكهرباء انعكس على وجه رجل الظل البارد.لكن بعد دقائق طويلة من العذاب، همس تياجو بصوتٍ متهدج:ـ كفى... سأفتحها.تراجع رجل الظل بخطوات بطيئة، عيناه تلمعان بنشوة المنتصر:ـ في النهاية فزت.اقترب تياجو من الحاسوب، أصابعه ترتجف وهو يكتب الأكواد الطويلة بسرعةٍ مذهلة.الأضواء على الجدران بدأت تتبدل، وشاشة ضخمة أظهرت رسالة “ لقد نجحت بالدخول ”.ابتسم رجل الظل، لكنه لم يفرح طويلاً.فجأة، انطفأت كل الأضواء.ثم سُمعت خطوات سريعة في الممر.وبينما كان أحد الحراس يصرخ "من هناك؟!" سقط الجميع واحداً تلو الآخر برصاصاتٍ صامتة، كأن أشباحاً تهاجمهم من العدم.أضاءت الأضواء مجددًا، ليظهر عند مدخل القاعة أندريس، يحمل سلاحًا ويقول ببرود:ـ آسف… لكني لن أسمح
لم يكن أمامه خيار سوى الرحيل، تركها هناك، ودموعه تختلط مع الثلج الذي بدأ يدفن آثار قدميه.وصل راين بعد دقائق، هرع نحو السيارة، وحين رأى جسدها الممدد، تجمد في مكانه.اقترب ببطء، نزع الكمامة عن وجهها، نظر إليها بذهول لا يوصف، ثم همس بصوت خافت مرتجف:ـ لا… ليس أنتِ…كان الهواء باردًا حد الألم، والسماء رمادية كحدادٍ صامت.بينما يضع رجال الإسعاف الجثة على النقالة، تلاشى كل صوت…لم يبق سوى الريح وهي تعصف بين الأشجار، كأنها تبكي رحيل إريسا.كل شيء بدا ساكنًا، إلا تلك الكاميرا الصغيرة التي كانت مثبتة في زاويةٍ بعيدة، توثّق المشهد الدامي...إريسا على الأرض، أندريس يصرخ، وطلقات تتلاشى في الضباب.بعد دقائق، كانت اللقطة تُرسل تلقائيًا ، إلى وجهٍ مظلم يجلس خلف شاشة.رجل الظل شاهد الفيديو حتى النهاية، أصابعه تتشابك أمام وجهه المخبّأ، قبل أن تظهر ابتسامةٌ خافتة على فمه.في الخلفية، يظهر أحد رجاله وهو يقول بصوتٍ خافت:ـ سيدي... أليكسا نفذت الأمر.رجل الظل يجيب ببرود:ـ جيد... حان وقت مكافأتها.في مكانٍ مجهول، داخل غرفةٍ مظلمة لا يسمع فيها
أغلقت أليكسا الخط وهي ترتعش.في مكانٍ آخر، زار راين إريسا في السجن ومعه وثيقة. جلسا خلف حاجز الزجاج، حملت إريسا الورقة بيدٍ مرتعشة، قرأتها ثم رفعت رأسها بصدمة ورفض في نبرة صارمة:ـ أنا لا أثق في الحكومة.نظر إليها راين بثبات وحنانٍ معاكسٍ لبرودته، وقال:ـ أعدك أن ألتزم بما يوجد هنا. سأساعدك على أن تختفي للأبد.تنهدت إريسا طويلاً، فكررت كلماتها وهي تزن الخطر والأمل ثم رفعت القلم وقالت بهدوءٍ حازم:ـ أنا سأوقع لأنني أثق بك.وقعت إريسا على الورقة. نظر راين إلى الورقة وهو يقول بهدوءٍ عملي:ـ هذه ستحميك. هذا اتفاق بين حريتك وتعاونك معنا.بعد توقيع الورقة، نظر راين إليها بنبرةٍ غريبةٍ بين الجدية والحنان وقال:ـ هل أستطيع حضنك؟حركت رأسها بخفّة وردت بابتسامة ممتنة:ـ أشكرك على كل ما فعلته معي، أنت شخص رائع.اقترب راين قليلاً ونطق بحذرٍ شديد:ـ انتبهي لنفسك، إن حدث لك شيء لن أسامح نفسي.ابتسمت إريسا وردّت بثقة مصطنعة لتخفي القلق:ـ لا تقلق، كل شيء سيكون على ما يرام.في السجن، بقيت نورا درعًا ثابتًا إلى جانب أختها. السجينات
قالت إريسا بصوت منخفض لكنها حازمة:ـ يجب أن تختفي الحارسة من الواجهة، لا نريد أن يعرف الملثمون أننا نصدهم. إنهم يهاجمون من كل اتجاه…ثم تنهدت وأضافت:ـ مرّ فقط على وجودي هنا خمسة عشر يومًا، وانظر ما حدث… نورا طُعنت، وأنا كدت أُقتل. إن انتظرنا حتى تمر الشهرين، سيبعثون شخصًا آخر بالتأكيد.أجابها راين وهو يضع الملف على الطاولة:ـ بعد ما حدث مع الحارسة، سيتحركون بسرعة… وغدًا سيصدر القرار الرسمي بنقلك.ابتسمت إريسا ابتسامة خفيفة فيها بعض الألم وقالت:ـ يجب أن يستعجلوا… لم أعد أحتمل البقاء هنا وحدي.ثم رفعت عينيها نحوه وسألته بقلق واضح:ـ أخبرني، ما أخبار نورا؟أجاب راين بنبرة مطمئنة:ـ استيقظت اليوم… الأطباء قالوا إنها ستعود إلى زنزانتها بعد يومين.أغمضت إريسا عينيها براحة، وقالت بصوت متأثر:ـ حقًا؟ كنت مرعوبة عليها. دخلت السجن لتحميني، وحياتها انقلبت بسبب ذلك… والآن تأذت بسببي.نظر راين إليها بهدوء وقال:ـ من الواضح أنها مستعدة لفعل أي شيء من أجلك.ابتسمت إريسا والدمع يلمع في عينيها:ـ كلما أراها، أشكر الله على وجودها.
لم يجرؤ الحراس على الاقتراب، لكن الظل لم يتقبل الصمت استدعى خبير حواسيب من الخارج، رجلاً نحيل الملامح، عيناه تجمعان صرامة الآلات. جلس الخبير أمام الجهاز وأعاد المحاولة. راقب الشاشات، أعاد وصلات، فحص منافذ، حتى أخطأ قدمه في وقعٍ واحدٍ فابتسم ابتسامة صغيرة ثم ارتاح.أخيرًا رفع رأسه وهو ينظر إلى الحشد وقال بصوتٍ عملي:ـ ما يقوله صحيح... هذا الجهاز مصمَّم بطريقة خاصة. أي إدخال اتصال من هذا النوع سيؤدّي إلى تعطّل متعمد حماية مدمَّجة. إذا حاول أي شخص دخول تلك الغرفة من شبكة عامة أو جهاز عادي، سيتعطّل الحاسوب أو يتلف تمامًا.سابقًا صمتت الغرفة، ثم قذفت كلمات تياجو بنفَسٍ ضعيفٍ لكن مصمّم:ـ أنا أيضاً تعبت من تعذيبك لي. لكن جهز نفسك... سنذهب إلى إسبانيا هناك.طوَّق رجل الظل وجهه بيدٍ قاسية، وغضب يزدحم في صدره:ـ كيف أصدقك؟ لماذا تركت الحاسوب هناك ولم تأخذه معك إلى هولندا أو تحتجزه هنا إن كان يوصلنا إلى الكنز؟أجاب تياجو بصوتٍ حادٍّ كأنه يُعدُّ جواب الفراق:ـ لأن نقله معي قد يصيبه خلل أو قد يُعثر عليه من قبلكم. وجوده هناك يضمن سلامته ويضمن أن لا تصلوا إليه بسهو
أومأ راين:ـ نعم، جئت لأقول هذا لأنك على حق. كما أنه من حقك أن تعرف أنها حامل.كانت دهشة على وجه أندريس كان مصدوم وفرح بسماعه الامرغادر راين بصمتٍ أثقل من الكلمات. رغم برودته الظاهرة، كان قلبه يتكسر كل خطوة يخطوها. في المساء طرق باب شقتهِ أحدهم فتحت أناستازيا بهدوءٍ، دخلت، وقفت أمامه تقرأ عليه أثر التعب في ملامحه. قالت بلا تزييف:ـ تبدو أكثر بؤساً من آخر مرة رأيتك بها.مدّ راين لها ملفاً رقيقاً من الأوراق، ورقة أو اثنتان ملفوفة بعناية كان في عينيه قرار ونبلٌ لا يملك التعبير عنه:ـ هذه الأوراق ستساعدك. ابتعدي عن المشاكل.أخذت أناستازيا الأوراق بيدين ترتجفان قليلاً، شكرتَه وهمست:ـ شكراً.ردّ عليها راين بصوتٍ مكسور لكنه رزين:ـ أتمنى لكِ التوفيق.ابتسمت بخفة ثم غادرت، تاركةً وراءها باباً موارباً وصدى خطواتها يتلاشى في الممر. بقي راين واقفاً لثوانٍ يطالعه الظلام، ثم أغلق الباب على نفسه وترك القلب ينزف بصمت.في السجن، كان التوتر يغلي تحت القرميد المحكم. وقت الوجبة كان امتحاناً يومياً للصرعات وللساعات التي تخبئ مفاجآت. حدث الشجار فجأة، كسه