LOGINلم يكن في الصوت سوى خوف أب، ورعب رجل بدأ يشعر أن أخطاء الماضي بدأت تطارد أبناءه.
كان صوت أندريس لا يزال يتردد في أذن ميغيل حين خرج، صوته المرتجف وهو يقول: "أبي... لقد خطفوا إريسا." لم يتردد ميغيل للحظة. صرخ على أحد رجاله: — ابحثوا عن موقع أندريس فورًا! كان يعرف أنهما يحملان أجهزة تتبع خفية منذ مدة، كإجراء أمني لا يُناقش لان ميغيل يعرف ان لديه أعداء في معصم أندريس، كانت هناك أساور جلدية أنيقة، تخفي في داخلها جهاز تعقّب دقيق. أما إريسا، فقد كانت ترتدي أقراطًا فاخرة، لا يعلم أحد أنها مُجهزة بذات التقنية. لم تمضِ دقائق حتى ظهرت الإشارة. تأكد الفريق من موقع أندريس أولًا، وبعث ميغيل مجموعة مسلحة لاستعادته. وحين وصلوا إليه واطمأن أنه بخير، قال وهو يتأمل النقطة الحمراء تتحرك على الخريطة الإلكترونية: — الآن... لنتبع إريسا. كانت السيارة التي تحمل الطفلة تتجه بسرعة نحو أطراف المدينة، على طريق مهجور تحيطه الأشجار من الجانبين، وكأن الخاطفين يعرفون تمامًا كيف يتفادون نقاط التفتيش. لم يكونوا يدركون أن ميغيل، حين يتعلق الأمر بمثل هذه الاشياء لا يعرف الرحمة. قاد ميغيل موكبه بنفسه، تتبعه عربات مدججة بالسلاح، رجال بملامح قاسية وقلوب ميتة إلا لأوامره كانوا يعرفون أن أي مهمة يُشارك فيها بنفسه تعني شيئًا واحدًا: الدم. كانت المطاردة أشبه بسباق موت. سيارتان فقط في الأمام، تتأرجحان على الطريق، تحاولان الإفلات من جيشٍ كامل قادم من الخلف. الرصاص بدأ يُطلق من كلا الجانبين، طلقات سريعة تقطع الهواء وتكسر الصمت. استهدفت رصاصات ميغيل إطارات السيارات بدقة مرعبة، حتى لم تمضِ دقائق حتى انفجرت عجلات المركبتين الأماميتين واحدة تلو الأخرى، فتوقفتا بحدة وارتجت الأرض تحت الإطارات الممزقة. في لحظة توقف مشحونة، خرج رجال ميغيل من سياراتهم، يتجهون نحو الخاطفين بأسلحتهم مرفوعة، أصابعهم على الزناد. لكن المشهد لم يكن قد انتهى بعد. أحد الخاطفين خرج من السيارة، يحمل إريسا بين ذراعيه وسلاحه مصوّب نحو رأسها. كانت تبكي، تصرخ، وتغرق وجهها بدموع أشار ميغيل بيده بهدوء لكل رجاله أن يضعوا أسلحتهم أرضًا. رفع كفه كمن يوقف زحف الموت، ثم تقدم بخطوات ثابتة، يواجه الرجل وجها لوجه وقال: — سأدعك تعيش… فقط إن تركت الطفلة. نظر إليه الخاطف بعينين زائغتين وقال: — لست أملك خيارًا… مهمتي أن أسلم الفتاة لرئيسي، إن لم أفعل… سيقتلونني. ميغيل بصوتٍ بارد، وكأن الدم لا يسري في عروقه: — هذا… إن لم أقتلك أنا أولًا. هذه الفتاة لن تذهب لأي مكان… ستبقى معي أخبر رئيسك بذلك، عندما أخذك إليه... هذا ان لم .. اقترب خطوة أخرى، وصوته يزداد قسوة: — .. ميتًا. ضع الفتاة. توتر الخاطف، صار فكه يرتعش. نظر حوله، لم يرَ مهربًا. قال محذرًا: — إن اقتربت أكثر… سأقتلها. صرخت إريسا بخوف، تحركت يداه ليُمسك بها أكثر، لكنها فجأة، ومن حيث لم يتوقع، عضّته في يده بشراسة، بأسنان الطفلة الصغيرة التي رفضت أن تكون ضحية. صرخ الرجل من الألم، وتركها. ركضت إريسا بكل قوتها نحو ميغيل وهي تبكي، تمد ذراعيها نحوه كمن يطلب النجاة. احتضنها بشدة، لكنه في اللحظة ذاتها، انطلقت رصاصة. جسده اهتز. تلقّى الرصاصة في ظهره وهو يحميها بجسده. لم يشعر بشيء سوى حرارة مفاجئة تسري فيه، كأن جمرة نار انفجرت في عموده الفقري. انطلقت رشقات النار من رجال ميغيل، أفرغوا كل ما في بنادقهم على الخاطف الذي حاول إطلاق الرصاصة. سقط الرجل، لكنه لم يمت بعد كان يحتضر. أما ميغيل، فقد سقط على الأرض، ممسكًا بإريسا التي لم تتوقف عن البكاء. دماؤه لطّخت فستانها ويدها ووجهها. فتحت عينيها تنظر إليه، تنكمش في حضنه، ثم همست بصوتٍ متهدج: — أرجوك… لا تمت… لأني… أنا من أريد أن أقتلك. ضحك ميغيل، رغم الدم والألم، رغم أن أنفاسه بدأت تضيق: — أريدك… أن تحتفظي بهذا الكره… وأن تحاولي بكل قوتك… قتلي عندما تكبرين... ثم أغلق عينيه، وهمس لرجلٍ بجانبه: — خذونا إلى المنزل. وصلوا إلى القصر. كانت إسبرنزا تنتظرهم عند المدخل، تركض نحو السيارة وهي ترى الدم على يده، على قميصه، على وجهه الشاحب. صرخت باسمه، لكنهم لم يتركوها تقترب. كان الحرس يسرعون بنقله عبر الممرات السرية إلى العيادة الموجودة أسفل القصر، مجهزة فقط لحالات الطوارئ. أما أندريس، فكان واقفًا عند السلالم، يراقب رجالًا يحملون والده المغطى بالدماء. رأى وجهه، رآه ضعيفًا للمرة الأولى. لم يكن البطل الذي لا يُهزم، بل كان أبًا مصابًا، يئن بصمت. أحس أندريس بشيء غريب ينهض في قلبه. مزيج من الخوف والخذلان، والرهبة من عالمٍ صار فيه الصمت أثقل من الكلام. أمام عينيه... كل شيء تغيّر. في زاوية من الحديقة الخلفية للقصر، بعد ساعات من حادثة الخطف وإصابة ميغيل، جلس أندريس على درجات السلم الحجري، يراقب شجرة برتقال جافة. كان الصمت يلف المكان، إلا من صوت إريسا وهي تمشي ببطء، تجر خطواتها، وعينيها لا تزالا متورمتين من البكاء. اقترب منها بهدوء، وجلس إلى جوارها. نظر أمامه وقال بصوتٍ منخفض، فيه تساؤل يشبه الهمس: — هل سيموت… قبل أن تفعليها أنت؟ نظرت إليه إريسا نظرة مشحونة بالدموع والمرارة، ثم ردّت ببرود لا يشبه سنها: — وأنت أيضًا تقول هذا ... انتظر فقط أن أكبر… سأقتله ألست خائفًا على فقدانه؟ هزّ أندريس رأسه ببطء، وقال بثقة طفولية تشبه كبرياء الكبار: — أبي قوي. علّمني ألا أخاف عليه… لأنني أعرف جيدًا من هو. ثم التفت إليها وسأل: — وأنتِ… هل أنتِ بخير؟ أطرقت برأسها للحظات، ثم قالت بنبرة خافتة: — أكره حياتي هنا… أكرهكم جميعًا لا أعرف كم يجب أن أنتظر… حتى أكبر… وأهرب من هذا المكان. ابتسم أندريس بسخرية خفيفة، ثم قال: — وهل نسيتي؟… نحن عائلة. رفعت حاجبيها بانزعاج، وحركت عينيها ببطء كأنها تودّ أن تدفع بجملته بعيدًا عنها، ثم تمتمت بازدراء: — تبا لهذه العائلة أنتم تختطفونني منذ أن مات والداي ، ووالدك قتل أمي… سأبلغ الشرطة يومًا ما. أندريس لم يتأثر، نظر إليها ببرود وكأنه يعيد تكرار درس تلقاه جيدًا، و قال: — عندما تكبرين… ستكرهين الشرطة ، سنكون جميعًا مثل ميغيل.أشار بإصبعه وقال:ـ الفرسان الأربعة... هل تبحث عنهم ؟أجاب تياجو دون أن يرفع رأسه، لكن نبرته كانت حادّة:ـ نعم. واضح أنك تعرف شيئًا عنهم... أخبرني.توترت ملامح جيرون، وتردد لحظة قبل أن يقول:ـ قبل أن أدخل السجن، كنت أعمل مع والدتك... ومعهم. لكن بعد خروجي، انقطع كل شيء. فجأة سمعت أن والدتك تريد الزواج، وتترك زعيمة منذ ذلك الحين لم أسمع شيئًا عن الفرسان الأربعة.رفع تياجو نظره أخيرًا، نظرته ثاقبة، تشكك في كل كلمة حدق في جيرون ، لكن جيرون انحرف عن النظر للحظة، ثم قال كأنه يريد تغيير الموضوع:ـ وصلني خبر من أندريس.تياجو نهض ببطء من كرسيه، اقترب خطوة وقال بنبرةٍ مهتمة:ـ وماذا قال؟أجاب جيرون:ـ قال إن رينا أخبرته بأن إريسا في روسيا.ظهرت على وجه تياجو ابتسامة خفيفة، مزيج من الأمل والدهاء:ـ جيد... هذا سيسهّل عليّ البحث كثيرًا.هز جيرون رأسه بالموافقة، لكنه أضاف بقلقٍ واضح:ـ صحيح، لكن ماذا عن نورا؟ أندريس قادم إلى هولندا، ولا يعرف من هي بعد.توقّف تياجو عن الحركة، عيناه تجمدتا للحظة وكأن كلمة نورا أعادت فتح بابٍ كان مغلقًا
قلب رينا سقط معها في حلقها وهي لا تفهم كيف تحوّل الهدوء إلى جحيم بهذه السرعة. لم تكن هناك سيارة الزبون الذي كانت تتوقعه، لم يكن هناك تحالفٌ مفاجئ كان هناك فخ، وسكينُ الليل انغرس في ظهرها.صرخت رينا بغضبٍ محروق:ـ كنت أعلم منذ البداية أن هذه المهمة فخ! إياك وأندريس أن تستغباني!رد أندريس ببرودةٍ قطعية، دون أن يلوح في صوته أي رحمة:ـ إلى الآن ما زلت أعاملك كزوجة أبي، لا كقاتلة له.صدمت رينا ،تذكرت وجوه، مذكرات، أحاديث لها طعم الدم فيها. هدأ قلبها لحظة ثم ثار في صدرها كعاصفةٍ مفجعة.ـ «مستحيل... لم أقتله.» همست بصوت لا يملكه المرء في تلك اللحظة.ابتسم أندريس ابتسامة باردة، نالت من كل دفءٍ فيها. قبل أن تفيق، كان رومان إلى جانبها، قبضته قوية على المسدس الذي كانت تظن أنه في يدها، وسرعان ما استوليا على سلاحها بغفلةٍ منها. الحركة كانت سريعة، محسوبة، كالوحش البارد الذي يلتقط فريسته قبل أن تعرف أنها فريسة.دفعا الشاحنة إلى الأمام مجددًا، هذه المرة كانت الشاحنة تسير إلى داخل منطقة مهجورة بين التلال، يمينها البحر، وعلى الجانب الآخر تلّات صخرية توشك أن تبتلعها.
وقالت بنبرةٍ تفيض غضبًا وضبطًا للنفس:ـ عندما أحاول أن أعطيكِ فرصة، تبرهنين أنكِ لا تستحقينها. لكن... سأسامحكِ هذه المرة، لحسن سلوكك مع الزبون. غير ذلك، لا تتوقعي مني أن أكون لطيفة.ثم غادرت، تاركة الباب يُغلق بصوتٍ معدنيّ بارد.جلست إريسا على السرير، تلمس خدّها المحمر وتهمس بغضبٍ مكتوم:ـ لماذا تأخرتم في إيجادي، أيها الأغبياء؟ عندما ألتقي بكم... سأجعلكم تندمون.كان في عينيها بريق حادّ، مزيج من الألم والعزم، وكأنها تخطط بصمت للهروب مهما كلفها الأمر.في مكانٍ آخر...داخل غرفةٍ مظلمة لا تضيئها سوى شاشة ضخمة أمام رجل الظل، يدخل أحد رجاله بخطواتٍ مترددة ويقول:ـ سيدي، هناك من بدأ بالبحث حول أليكسا، كما طلبتُ أعددت الملف الكامل عنها.استدار رجل الظل ببطء وقال بصوتٍ منخفضٍ لكنه حازم:ـ ومن هو؟ـ إنه تياجو، يا سيدي.ساد صمت لثوانٍ، ثم ارتسمت على وجه رجل الظل ابتسامة خفيفة وباردة، وقال:ـ إذن... حان الوقت. جهّزوا لي خطةً لتياجو.في المزرعة...كان أندريس يقف بجانب الشاحنتين وسط ظلام الليل، يراجع الحمولات ويعطي التعليمات. اقتربت رينا
رفعت أليكسا حاجبها، وقالت بحدة مستوعبة:ـ وما هو هذا العمل؟بهدوءٍ صارمٍ نظر لها جيرون دون إجابة، ففهمت ما يريد قوله وقالت بنبرةٍ شبه مستسلمة:ـ حسنًا، فهمت. يجب ألا نتحدث عن عملك، لأنك لا تريدني أن أتدخل. كما تريد... لكن حقًا يا جيرون، هذا كثير.وقفت من مكانها بانزعاج، بينما لم يرد جيرون ان يتركها منزعجه اقترب منها فجأة وضمّها من الخلف قائلاً:ـ هذه الأيام، ألم تلاحظي أنك كثيرة المزاج؟ هل هناك شيء يزعجك؟همست أليكسا وهي تضع يديها على ذراعيه:ـ الكثير، لكنك لا تراه... ولا أريد أن أتحدث عن هذا لكي لا تحدث مشاكل بيننا.التفت له وهو مازال يعانقها ابتسم لها جيرون، وقبلها بعمقٍ، لكن فجأة رنّ هاتفه. حاولت أليكسا معرفة من المتصل، لكنه رفع الهاتف وخرج من الغرفة، وعاد بعد دقائق وقال:ـ أعتذر، لدي عمل يجب أن أذهب إليه.قبلها مرةً سريعة، تبادلا نظرة قصيرة، ثم غادر وهو يتركها واقفةً، ملامحها تختلط فيها الدهشة والانزعاج والقلق.في روسيا، كانت الأجواء أكثر توترًا. جلست إريسا أمام راين وهي قد تأثرت بالشراب، تحاول أن تجد كلماتها بين ارتعاش الصوت وإرهاق ال
عاد تياجو إلى الحاضر، وشاشة الحاسوب ما زالت تعرض لحظة خروج الرجل الملثم من المحل وهمس تياجو لنفسه:ـ من تجرأ على دخول هناك... ومن تجرأ على لمس صورها؟كانت نورا قد أغلقت على نفسها باب غرفتها منذ ساعات، تجلس أمام حاسوبها تشاهد الفيديوهات القديمة التي تركتها لها والدتها، تعيدها مرة تلو الأخرى، تحلل كلماتها ونظراتها، وكأنها تبحث في كل ثانيةٍ عن إجابةٍ ضائعة.كانت ملامحها شاحبة، وصوت أنفاسها متسارعًا، حين فُتح الباب ببطءٍ، ودخل تياجو دون أن يطرق. نظر إليها مطولًا، ثم قال بنبرةٍ خفيفةٍ تحمل شيئًا من السخرية المبطنة بالقلق:ـ يبدو أنك ستجنين بسبب هذا، أليس كذلك؟رفعت نورا رأسها ببطءٍ نحوه، قالت نورا بجدية :ـ يجب أن نجد الكنز... لننقذ إريسا أختي، ونحمي أنفسنا من كل هذا الجحيم.اقترب تياجو منها ببطءٍ ونظر إلى اللوح الذي كانت تكتب عليه الملاحظات ، ثم قال بنبرةٍ متفكّرةٍ وهو يتتبع بعينيه الخطوط:ـ والدتي كانت تعمل مع أربعة رجال أطلقت عليهم اسم الفرسان الأربعة. كل واحدٍ منهم كان يحمل وشمًا صغيرًا خلف أذنه، على شكل عقرب. هذا الوشم كان رمزًا للولاء والصمت. أظن أن
في مكانٍ مظلمٍ آخر، تلقى رجل الظل ملفًا مطوياً بعناية. فتحه وعيناه تجوبان الصفحات تقارير عن شامرا أنها عملت مع أربعة رجال كانوا مقربين منها كانوا «الفرسان الأربعة» لكنهم الآن اختفوا، أخرج من الملف صورة قديمة شامرا مع رجال الأربعة في محل الوشوم، يضحكون كما لو أن العالم ملكهم همس الرجل بصوت يفيض إصرارًا:ـ يجب أن أجدهم... كانوا يعملون معها، وهم مفتاح الوصول إلى الكنز.في مقر أندريس، جلس هو أمام لوحة خشبية يحاول ترتيب أفكاره. عيونٌ متعبة تنقّب في جملتين مكتوبتين والدته مريضة، وإريسا مخطوفة. دخل رومـان المكتب، توقف عند النافذة، حدّق في السيارات مصطفى امام باب المزرعة ، ثم قال:ـ رينا وصلت. أريتُها غرفتها... ومنعت رجالها من الدخول إلى المنزل. ماذا الآن؟ابتلع أندريس ريقه، ثم قال ببرودٍ متحكم:ـ ندخلها وسط النار ونخرجها. لتعرف مع من تتعامل أنا لست ميغيل لأغفر من يخطئ معي.في صالةٍ كبيرة، على طاولةٍ مجهزةٍ بالطعام، جلست رينا تتناول طعامها وكأن فعل الأكل تصريحٌ بالثقة لمن حولها ، جلسوا جميعًا ليتشاركوا الوجبة لحظة جمعٍ مشحونةٍ بالمكائد.رفعت رينا رأسها، ونبرة فضو







