LOGIN"الفصل الثالث عشر بعد المئتين"..... ظل مالك واقفاً في مكانه لفترة طويلة بعد رحيل الجميع، كانت يده لا تزال تلامس وجنته التي بدأت حرارتها تهدأ، لكن الضجيج داخل رأسه كان يزداد صخباً. سار ببطء نحو سيارته، ركبها وأغلق الباب بقوة أحدثت صوتاً مدوياً في المكان، ثم ألقى برأسه على المقعد وأغمض عينيه. شعر بضيق يتسلل إلى صدره، كان يحاول أن يتنفس بعمق لكن الهواء بدا ثقيلاً. بدأ يتساءل في نفسه: لماذا أشعر بهذا التشتت؟ أنا أكره تلك المرأة، أكره برودها، وأكره الطريقة التي تنظر بها إليّ وكأنني لا شيء. فتح عينيه ونظر إلى سقف السيارة بجمود، وقال في سره: هذا مجرد كبرياء. نعم، أنا منزعج لأنها صفعتني أمام الناس، ومنزعج لأنها تجرأت على تجاهلي. أنا رجل لا يقبل الإهانة، وهذا هو السبب الوحيد. لكنه تذكر فجأة نظرتها وهي تبتسم لآدم، وتذكر تلك الرقة التي ظهرت في صوتها عندما اعتذرت له. شعر بنغزة حادة في قلبه، وكأن هناك خنجراً غير مرئي انغرس في صدره. قبض يده بقوة على المقعد الجلدي حتى ابيضت مفاصله، وهمس لنفسه: لماذا أهتم؟ لماذا ينتابني هذا الشعور المزعج عندما أراها تبتعد؟ مالك لم يختبر مشاعر الحب في حياته،
" الفصل الثاني عشر بعد المئتين" ..... توقفت ماريا عن السير، ونظرت إلى مالك بنظرة تقطر بروداً وتقززاً، وكأنها تنظر إلى حشرة مقززة تحاول التحدث. ساد صمت قصير، لم يقطعه سوى أنفاس مالك الغاضبة، وفجأة، وبحركة سريعة وخاطفة، تقدمت ماريا نحوه وهوت بكفها على وجهه بصفعة قوية دوت في المكان، مما جعل رأس مالك يميل بقوة إلى الجانب. اقتربت منه أكثر، وهمست في أذنه بصوت حاد وهادئ: "هذه لأنك ناديتني بالمجنونة". وقبل أن يستوعب مالك ما حدث، رفعت ماريا يدها وأمسكت ذقنه بقوة، وأجبرته على رفع رأسه لكي تلتقي نظراتهما. كانت عيناها في تلك اللحظة باردتين جداً، تشبهان قطع الثلج التي لا تعرف الرحمة. قالت له بنبرة واثقة وجامدة: "ثانياً، عائلتك القذرة هذه لم تعد تهمني أبداً. ومن اليوم فصاعداً، إذا تجرأ أي شخص منكم على إهانتي مرة واحدة، سأردها له أضعافاً مضاعفة، ولن أكتفي بصفعة". أفلتت ذقنه بدفعة خفيفة ومستحقرة، ثم استدارت ببرود وتقدمت نحو السيارة. كان آدم قد دخل السيارة بالفعل وجلس في المقعد الخلفي. في تلك اللحظة، شعرت ماريا بنغزة من القلق في قلبها، ودعت في سرها ألا يذهب آدم ويتركها هنا في هذا الموقف المحر
*الفصل الحادي عشر بعد المئتين* .... ساد صمت ثقيل في تلك الزاوية من القاعة، صمت جعل صوت أنفاس ميليسا المتسارعة مسموعاً بوضوح. بقيت ميليسا على الأرض، تضغط بيدها على خدها الذي اشتعل باللون الأحمر، وعيناها مفتوحتان على وسعهما وهي تنظر لماريا بذهول تام. كانت الصدمة واضحة على وجهها، فهي ترى أمامها ماريا التي اعتادت أن تقضي يومها في الاعتذار لها وتلبية طلباتها حتى في أتفه الأمور. نظرت ماريا إلى يدها التي كانت ترتجف قليلاً من قوة الصفعة. شعرت بتفريغ غضب مكبوت لسنوات طويلة. تذكرت في تلك اللحظة رائحة المطبخ التي كانت تلازمها لساعات وهي تحضر لميليسا أطباقاً معينة بدقة، فقط لكي تتجنب الأخيرة افتعال مشكلة وإخبار مالك. تذكرت كيف كانت تقف بصمت بينما تصرخ ميليسا في وجهها وتصفها بالغباء والفقر. فكرت ماريا في سرها: "كم كنت ساذجة.. ظننت أن إرضاءها سيحمي كرامتي، بينما كنت أدفنها بيدي في كل مرة أعتذر فيها عن خطأ لم أرتكبه". بدأت ميليسا تستوعب ما حدث، فصرخت بصوت حاد ومزعج: "أنتِ.. كيف تجرئين؟! هل فقدتِ عقلك؟ من تظنين نفسكِ الآن؟!". ظلت ماريا واقفة في مكانها، تنظر إليها ببرود، ثم قالت بنبرة هادئة
" الفصل العاشر بعد المئتين" ...... نظرت ماريا إلى مالك الذي كان يقف على بعد خطوات منها، وجهه محتقن وعروق رقبته بارزة من شدة الغضب. لم تظهر على وجهها أي علامة من علامات الخوف أو التردد، بل على العكس، استدارت نحوه ببطء شديد وهي ترسم على شفتيها ابتسامة مستفزة. رفعت يدها إلى شفتيها، ثم ألقت إليه بقبلة في الهواء بكل خفة ودلال، وكأنها تودعه في رحلة طويلة. صعدت ماريا إلى السيارة وأغلقت الباب خلفها بهدوء، مما عزل صراخ مالك في الخارج. التفتت إلى آدم الذي كان يراقب المشهد بصمت مريب، ونظرت إليه بابتسامة رقيقة مصطنعة وقالت بنبرة ناعمة: "من فضلك سيد آدم، هيا نذهب، لا نريد أن نتأخر عن الموعد". ضغط السائق على دواسة الوقود بعد ان اشار له آدم، وانطلقت السيارة بسرعة تاركة مالك خلفها يغلي في مكانه. لم تلتفت ماريا للخلف فوراً، بل ظلت تنظر من خلال النافذة الجانبية وهي تتبع صورة مالك التي بدأت تصغر تدريجياً في الأفق. تلاشت ابتسامتها الرقيقة وحلت محلها ابتسامة باردة، خالية من أي مشاعر، تعكس رغبتها في رؤيته محطماً كما فعل بها. أخرجت ماريا التابلت الخاص بها من حقيبتها الصغيرة، وبدأت تمرر أصابعها على
"الفصل التاسع بعد المئتين"...... انتهت ساعات العمل، وخرجت ماريا من مبنى الشركة . بمجرد أن وطأت قدماها الرصيف، لمحت من طرف عينها تلك السيارة التي تلاحقها كظلها؛ مالك كان هناك، يراقبها بصمت خلف زجاج سيارته المظلل. رسمت ماريا على وجهها ابتسامة سخرية خفيفة، وفكرت في نفسها أن هذا الرجل لا يمل أبداً من دور المطارد الفاشل. ركبت سيارتها وانطلقت بسرعة، وبدأت تزيد من سرعتها تدريجياً، وتنعطف في الشوارع ببراعة، ظناً منها أن مالك سيفقد أثرها كما حدث في المرات السابقة. لكنها تفاجأت عندما نظرت في المرآة الجانبية ووجدت سيارته لا تزال خلفها مباشرة، بل إنه كان يلحق بها بإصرار غريب لأول مرة. وصلت ماريا إلى مجمعها السكني الفاخر، وأبطأت سرعتها لتدخل من البوابة الرئيسية. وبمجرد أن توقفت سيارتها ونزلت منها، كان مالك قد توقف خلفها مباشرة. ترجل من سيارته بسرعة، ووجهه يحمل تعابير الغضب، ثم نادى عليها بزمجرة عالية هزت سكون المكان: "ماريا! توقفي عن تجاهلي وتحدثي معي!". لم تلتفت ماريا إليه، بل استمرت في السير نحو مدخل البناية ببرود تام، وكأنه مجرد هواء يمر بجانبها. استشاط مالك غضباً وتقدم نحو البوابة بخطوات
**"الفصل الثامن بعد المئتين"** مر اليومان الأول والثاني في الشركة برتابة مدروسة. كانت ماريا تؤدي دورها كـ "سكرتيرة صغيرة" بدقة متناهية؛ تكتفي بتنظيم المواعيد البسيطة، أرشفة بعض الملفات، والقيام بالمهام الإدارية التي لا تتطلب صلاحيات واسعة. كانت تدرك أن منصبها المتواضع هو أفضل غطاء لها، حيث لا يلتفت إليها أحد، وتتحرك في أروقة الشركة كظِل لا يثير الريبة. أما آدم، فقد كان يتعامل معها بجدية صارمة تكاد تكون قاسية. كانت أوامره مقتضبة، مباشرة، وخالية من أي مجاملة. لم يكن يتحدث معها إلا في حدود العمل الضيقة، وكان يتجنب إطالة النظر في عينيها. بدا و كانه غاضب منها لكنها لم تهتم له مادام لا يزعجها. في استراحة الغداء، وبينما كانت ماريا تجلس في زاوية منعزلة، أخرجت هاتفها لتجري اتصالاً كانت تنتظره بفارغ الصبر. كانت تسنيم على الطرف الآخر، وبصوت يملؤه التفاؤل الحذر، أخبرتها بالجديد: "لقد انتهيت من تقديم كافة الأوراق المطلوبة يا ماريا، الملف الآن بين يدي القضاء والمحكمة تدرسه بعناية. الأمر مسألة وقت فقط قبل أن يبدأ التنفيذ". ولم تكتفِ ماريا بالجانب القانوني، بل استمرت في مراقبة "أثينا". كانت







