Home / التاريخ الافتراضي / تاج من نار / الفصل الأول: سقوط ماري

Share

تاج من نار
تاج من نار
Author: Hani

الفصل الأول: سقوط ماري

Author: Hani
last update publish date: 2026-10-17 16:42:24

وقفت زمرد فوق السور الشرقي لمدينة «ماري»، والريح تعبث بطرف وشاحها الأخضر، وعيناها معلّقتان بالأفق الذي اسودّ فجأة. لم يكن غيمًا ذلك الذي يزحف نحو المدينة، بل غبارُ آلاف الحوافر وهي تدكّ الأرض على ضفاف الفرات.

قال أيهم، وقد وقف خلفها بخطوتين كعادته: «يا مولاتي، الأفضل أن تنزلي إلى القصر. السهام لا تعرف الأميرات.»

التفتت إليه بحدّة: «وأبي؟ أيعرف الملك أن يختبئ؟ سأبقى حتى أرى ما يصنعه رجالنا.»

لم يجادلها. كان في الثالثة والعشرين، عريض المنكبين، في وجهه سمرةُ من أطال الوقوف تحت الشمس، وفي عينيه رزانةٌ لا تناسب سنّه. أحنى رأسه قليلًا وتقدّم ليسدّ بجسده جهة الرماة.

من علوّ السور بدت ماري كما عرفتها منذ طفولتها: بيوتٌ طينية متلاصقة تنحدر نحو النهر، ومعبدٌ ذو مدرجاتٍ يلمع في الشمس، وسوقٌ تعلو منه أصوات الباعة قبل أن يخرسهم الذعر. وعلى مقربةٍ منها كان الرماة يشدّون أوتار أقواسهم بأصابع ترتعش، وفتىً لا يتجاوز الخامسة عشرة يمسح العرق عن جبينه ويحاول أن يبتسم لرفيقه. سمعت قائدًا يصيح بالرجال أن يثبتوا في أماكنهم، لكنّ صوته بدا واهنًا. وتذكّرت أن أباها وعد هؤلاء الصبية بأن الجدران العالية ستحميهم، وأن الوعود تُختبر عادةً في أول ساعةٍ من القتال.

دوّت أبواق الآشوريين فارتجّ الحجر تحت قدميها. انفتحت صفوفهم عن فارسٍ يمتطي جوادًا أدهم، تعلو رأسه خوذةٌ مذهّبة، وتتدلى من كتفيه عباءةٌ قانية كأنها جرحٌ مفتوح. همس أحد الجنود بذعر: «إنه فهد... ملك آشور بنفسه.»

رفع الفارس يده، فانطلقت الأسهم كالجراد. صرخ القادة على السور، وسقط الجنود يتدحرجون، وتناثر الدم على الحجارة الصفراء. أمسك أيهم بذراع زمرد وسحبها إلى الخلف في اللحظة التي اخترق فيها سهمٌ موضع رأسها وانغرس في الخشب.

قالت وأنفاسها تتقطع: «لقد... أنقذتني.»

«لم أفعل سوى واجبي. والآن انزلي، أرجوك.»

هذه المرة أطاعت، لا لأنها خافت، بل لأنها رأت ما لم تحتمل رؤيته: أبواب المدينة الغربية تتهاوى تحت كبشٍ خشبيّ ضخم، وجنودها يتراجعون بلا نظام.

ركضت في الأزقة بين النساء الباكيات والأطفال المذعورين، ودخلت قاعة العرش لتجد أباها السلطان واقفًا بدرعه الملطخة، تسيل من كتفه خيطُ دمٍ قانٍ، وحوله قادته الباقون ينظرون إلى الأرض.

صاح بها: «زمرد! ما الذي أتى بك؟»

«جئتُ لأرى كيف تسقط مملكتنا يا أبي.»

أغمض السلطان عينيه كمن تلقّى طعنة جديدة. قال بصوتٍ خفيض: «الجناح الأيمن انهار. أرسلتُ نجدةً إلى «إبلا» ولم يصلني ردّ. ربما غدروا بنا.»

اقترب منه القائد «حمدان الكبير»، شيخٌ أبيض اللحية مشقوق الجبين، وقال: «مولاي، الأبواب سقطت. أمامنا ساعةٌ واحدة قبل أن تُباد المدينة عن آخرها. إما أن نستسلم الآن، وإما أن نموت جميعًا على عتبة القصر.»

حدّق السلطان في ابنته ثم في الرجال. لم يكن يريد أن يرى النساء يُساقن أسيرات، ولا الأطفال تحت الحوافر. ارتجفت لحيته الرمادية وهو يقول: «ارفعوا الراية البيضاء.»

انتفضت زمرد: «لا! يمكننا الصمود في القلعة العليا. لدينا مؤونةٌ تكفي شهرًا.»

«ولدينا خمسمئة جندي فقط يا ابنتي، وهم ألفان وخمسمئة. اللعنة على غروري الذي ظنّ أننا نقوى عليهم.»

حين رُفعت الراية البيضاء فوق برج القصر، ساد صمتٌ ثقيل، ثم دوّى هتافُ الآشوريين من الخارج كالرعد. أمسكت زمرد بحافة العمود الحجري حتى ابيضّت أصابعها، وارتجفت شفتاها وهي تكتم صرخة.

لم يمضِ وقتٌ طويل حتى فُتحت أبواب القاعة بعنف، ودخل ثلاثون جنديًا بدروعٍ سوداء، يتقدمهم رجلٌ طويل القامة، واسع الكتفين، حليق الذقن إلا من لحيةٍ قصيرة مشذبة. نزع خوذته المذهّبة ورماها إلى مرافقٍ له، فبدا وجهه صارمًا وسيمًا قاسيَ الملامح، وعيناه كعيني صقرٍ يعاين فريسته.

قال بصوتٍ هادئ مخيف: «أنت إذن السلطان صاحب ماري.»

رفع السلطان رأسه رغم الدم الذي يسيل من كتفه: «وأنت فهد بن ناصر، ملك آشور. جئتَ بجيشك إلى أرضٍ لم تُسِئ إليك.»

ابتسم فهد ابتسامةً باردة: «لقد أسأتَ إليّ حين حميتَ قبائل التمرد التي تغزو تخومي. وأنا لا أنسى.»

مرّت نظرته بالحاضرين كمن يعدّ بضاعة، ثم استقرّت على زمرد. ظلّ بصره عليها لحظةً أطول من اللائق، ثم التفت إلى السلطان وقال: «من هذه؟»

خطت زمرد خطوةً إلى الأمام قبل أن يجيب أبوها، وقالت بصوتٍ أقسى مما شعرت به: «أنا زمرد بنت سلطان، وريثة هذا العرش.»

ضحك فهد ضحكةً قصيرة جافة، وتقدّم نحوها حتى صارت المسافة بينهما قدمين. تفحّص وجهها المرفوع، وشعرها الأسود المنسدل، وعينيها الخضراوين اللتين سمّاها أبوها باسمهما. ثم قال بصوتٍ خفيض لا يسمعه سواها:

«لهذا الاسم وقعٌ جميل... سنرى كم يبقى جميلًا حين تتعلمين الطاعة.»

شعرت بدمها يغلي في عروقها. رفعت يدها لتصفعه، لكن يدًا قوية أمسكت بمعصمها من الخلف. كان أيهم، وقد انسلّ إلى جانبها بلا صوت، يهمس: «لا يا مولاتي. ليس الآن.»

ابتسم فهد وهو ينظر إلى يد الحارس: «حارسٌ وفيّ، يعرف متى يوقف سيدته عن حماقتها. احتفظوا به. قد أحتاجه.»

ثم استدار إلى السلطان، وكانت تلك الكلمة التي ستغيّر حياتها كلها على وشك أن تُقال.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • تاج من نار   الفصل العشرون: على سطح القصر

    لم تكلّم زمرد أحدًا ثلاثة أيام. جلست في جناحها تحدّق في الفراغ، تتناول ما يُدفع إليها من طعام كأنه ترابٌ في فمها. حين كانت شمخة تحاول مواساتها، كانت تهزّ رأسها دون أن تلتفت، وتغمغم بجملةٍ واحدة لا تفهمها العجوز: «لقد أُغلقت كل الأبواب.»كانت الأيام تتشابه أمامها كحبات مسبحةٍ ثقيلة. حلمت بحمدان يبتسم لها وهو يقول: «الزمرد لا يتعفن في الماء»، وبأبيها يناديها من وراء ستارٍ من الدخان فلا تصل إليه. وفي كل صباحٍ كانت تستيقظ على عطشٍ غريب لا يرويه الماء، عطشٍ إلى عدلٍ لا تراه في هذا القصر ولا في سماء الآلهة.في الليلة الرابعة، عند منتصفها، سمعت نقرةً خفيفة على الباب. فتحت شمخة بإيماءةٍ خاطفة، وظهر أيهم على العتبة، متعبًا شاحبًا، وبيده عباءة. قال بخفوت: «غيّري ثوبك. أريدك أن تأتي معي.» «إلى أين؟» «لا أعرف مكانًا أفضل لحديثٍ كهذا من السماء.»صعدا درجًا حلزونيًّا ضيقًا يفضي إلى سطح البرج الغربي، حيث لا يسمعهما أحد إلا الريح. كان القمر نصف مكتمل يتدلى فوق دجلة كفضةٍ مثلومة، وتحتهما المدينة نائمة، تتناثر فيها أضواء المشاعل الصغيرة. جلست زمرد على حافة الجدار وضمّت العباءة حولها، وجلس هو على بعد خط

  • تاج من نار   الفصل التاسع عشر: الباب المائي

    في اليوم السادس من المهلة وصلها الأمل بصورة جرّةٍ أخرى. كانت شمخة هي التي تسلمت من حمدون دلو الزيت الصغير المخصص لمصابيح القصر، وفي قاعه رقاقةٌ مغلّفة بالشمع. قرأتها زمرد على ضوء شمعةٍ واحدة: «ليلة الهلال الرقيق. الباب المائي عند ضفة دجلة. أربعون رجلًا في قوارب الصيد. حمدان.»وكان ذلك أول يومٍ منذ أسابيع تنام فيه بلا كوابيس؛ فقد أحسّت أن قراراتها تعود إليها بعد أن أفلتت منها طويلًا. ومع ذلك لم تفارقها فكرةٌ مزعجة: إن كان الأمل قد عاد، فما أرخص أن يُسحق مرةً أخرى تحت قدمٍ تعرف طريقه.ترددت زمرد. لم يغب عن بالها ما قاله القائد عن «الأصعب»، لكنها رأت في هذا العرض فرصةً أخيرة لتنجو دون دم. همست عبر شقّ الباب لأيهم، الذي سمع كل كلمة وهو ممسكٌ بسيفه: «لدينا ليلتان لنتحضّر. أنت قائد الحرس، فهل تستطيع أن تفتح الباب؟»كانت الليالي الفاصلة بين الرسالة والموعد ثقيلةً كالأرض المبتلة. حاول أيهم أن يقيس الأوقات: الحرس يتبدل بعد الجرس الثالث، والرجلان اللذان وعد بوضعهما عند الباب المائي ينتميان إلى فرقته القديمة التي قاتلت معه في ماري. زار الباب نهارًا بحجة تفقّد الحراس، وفحص قفله وحجارة ممرّه، ورسم

  • تاج من نار   الفصل الثامن عشر: مهلة الملك

    لم تدم عزلتها في المطبخ أكثر مما أراد فهد لها. في مساء اليوم التالي، استدعاها ماهر وأمرها بغسل وجهها وارتداء ثوبٍ نظيف. حين دخلت القاعة الكبرى وجدتها مكتظة بالأعيان، وقد جلس الملك على عرشه بثيابه الرسمية، يرفع كأسه ويبتسم ابتسامةً لم تعجبها.سألها ماهر وهما يعبران الباحة: «هل تعلمين لماذا هذه المفاجأة؟» لم تجب. ابتسم بخبث: «لأن الملك لا يحب أن يقتسم متاعه مع الخدم، حتى لو كانوا من خدم قلبه.» ثم انحنى انحناءةً ساخرة، وتركها تفسّر الجملة كما تشاء، فقد كان يدرك أن الألغاز أحدّ من الصراحة.«أيها الأشراف! لقد صبرتُ على زوجتي شهورًا، وعلّمتها ما يليق بالعرش. وها هي تعود اليوم إلى جناحها.» ثم أضاف ببطء ليتذوق وقع كلماته: «وعند اكتمال القمر بعد ثلاثة أسابيع نُتمّ زواجنا أمام الآلهة، فتحمل وريثي قبل أن يموت أبوها.» دوّى هتاف النبلاء، وتجمدت زمرد في مكانها كأن ماءً جليديًّا صُبّ على رأسها.ومرّ في ذهنها ما كتبه حمدان: «أعطيني علامةً وأخرجك»؛ ثم تحسّرت، فهي لا تملك علامةً ولا مخرجًا. رأت وجوه الأمراء من حولها: بعضهم يصفّق بحماسةٍ حقيقية، وبعضهم يتصنّع الابتسام مخافة الملك، وبعضهم يتجنب نظرتها بخ

  • تاج من نار   الفصل السابع عشر: ما لا يُقال

    بعد عودة الموكب إلى آشور بأسبوعين تماثل أيهم للشفاء، وأقام الملك احتفالًا كبيرًا في القاعة الكبرى لتكريم من أنقذه. اصطفّ النبلاء والقادة تحت المشاعل، ووقفت زمرد في الصف الخلفي بين الخدم تحمل إبريقها، وعيناها تتتبعان الفارس الذي ارتدى لأول مرة درعًا مذهّبًا ومعطفًا أزرق. بدا في هذا الثوب غريبًا عنها، كأنما صارت بينهما مسافةٌ من حرير.قال فهد وهو يرفع كأسه: «أيها الأشراف! هذا الرجل وضع جسده بيني وبين مخالب الموت. بأمري يصير قائد حرس السيف، ويقيم في الجناح الملاصق لجناحي، وينال أجر ثلاثة قادة.» دوّى التصفيق وعلت الهتافات، أما ماهر، الواقف عند العمود، فزمّ شفتيه كمن ابتلع عودًا مرًّا وحدّق في الأرض.وبعد التصفيق تقدّم الأمراء واحدًا واحدًا لتهنئة أيهم، وانحنى بعضهم له انحناءةً متملقة كانوا يحتفظون بها للأقوياء. لاحظت زمرد أنه يتلقى كل ذلك بنظرةٍ جامدة، وعينين تبحثان عن زاويةٍ يختبئ فيها من الضجيج. كان رجلًا لا يعرف كيف يتقبل مجدًا لا يرى فيه إلا قيدًا جديدًا.ثم أضاف الملك بنبرة من يمزح وهو لا يمزح: «ولا يليق بقائدٍ مثله أن يعيش وحيدًا. سأزوّجه ريمة، ابنة وزيري حزقيل.» التفتت الرؤوس إلى ف

  • تاج من نار   الفصل السادس عشر: الأسد

    اشتعلت عند الفجر مشاعل الموكب الملكي المتجه نحو جبال زاغروس للصيد، وكان في صفوفه ستون فارسًا وعشرات الخدم والكلاب والصقارين. حُملت زمرد مع الخدم على عربة المؤن، تلفّ كتفيها بعباءةٍ بالية، وقد أمر فهد أن تقوم بخدمته في خيمته كما تُخدم الأمراء في المعسكرات.لم تخفِ عن نفسها فرحتها المكتومة بالخروج. فالمعسكر في الجبال لا أسوار فيه، والخيام تُنصب على سفوحٍ مكشوفة، وحرّاسه يغفون على ضوء النار. همست لأيهم في الطريق، وقد ركب بجوار العربة بأمر الملك: «هنا. الليلة الثالثة. حين ينشغلون بوليمة الصيد.» لم يردّ بكلمة، لكن قبضته على اللجام اشتدّت.أخذت تدرس الوجوه من حولها: أحد الحرّاس يتثاءب كلما أُطفئت المشاعل، وآخر يغيب عن نوبته ليشرب مع الصقارين. وفي الليلة الأولى انسلّت إلى حافة المعسكر تتفقد الطريق، فتلمّست جذوع الأشجار وصخور الوادي، وقدّرت المسافة إلى أقرب قريةٍ بليلة كاملة سيرًا. كانت تحفظ الأرض كما تحفظ عظامها.نُصبت الخيام عند سفحٍ مشرف على وادٍ ضيق تكسوه الغابات الكثيفة، ويجري في قاعه جدولٌ يلمع كشريطٍ من الفضة بين الصخور. كانت الرياح هناك باردة تحمل رائحة الصنوبر والتراب الندي، فاستنشقت

  • تاج من نار   الفصل الخامس عشر: جرّة الزيت

    جاءت القافلة من ماري في الأسبوع الرابع من خدمتها في المطبخ. كانت تحمل جرارًا من زيت الزيتون وأقفاصًا من الدجاج، يقودها تاجرٌ نحيل يُدعى حمدون، عرفته زمرد من الوهلة الأولى: كان يزوّد قصر أبيها بالزيت منذ أن كانت طفلة، وطالما ناولها قطعة حلوى من سلّته.كان حمدون شيخًا هرِمًا حين رأته آخر مرة، أما اليوم فبدا أنحل وأصغر حجمًا، وقد غارت عيناه من السهر والخوف. وضع كيسًا من الحبوب على كتفه وسار ببطءٍ يتظاهر بالعرج، ولم يكفّ عن إلقاء نظراتٍ خاطفة نحو مداخل الباحة كأنه يعدّ العيون التي تراقبه.حين التقت عيناه بعينيها وهي تفرغ جرةً في الوعاء، توقف قلبها. لم يُظهر شيئًا، لكنه مال فوق الجرة التالية وقال بصوتٍ جافّ كأنه يتحدث عن الزيت: «الجرة الثالثة صافيةٌ جدًا يا بنت الخادمات، فاحتفظي بغطائها لنفسك.»وبينما كانت القافلة تفرغ حمولتها، مرّ ماهر بين الجرار يتفقد. رفع غطاء جرتين وأمر الجنود بشمّ الزيت، ثم وصل إلى الجرة الثالثة. شعرت زمرد أن الدم يتجمد في عروقها وهي تحمل الصحن بيدين ثابتتين ظاهريًّا. مدّ ماهر يده إلى الغطاء، فناداه جندي من الباب: «الملك يريدك فورًا!» تردّد لحظة ثم انصرف، وتنفست هي كم

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status