FAZER LOGINتانيالا يقول شيئًا في البداية. صمته أصبح لغة أفهمها تقريبًا أفضل من كلماته، أفهم تموجاته، أفهم سكوناته، أفهم الفراغ بين نفسين حيث تختفي الكلمات وتظهر الحقيقة. لكن هذه المرّة، لم يعد هناك انتظار، لم يعد هناك تلك اللعبة القاسية الجميلة حيث الوقت سلاح والمسافة مداعبة. هذه المرة، الصمت مختلف: إنه صمت مشحون، صمت يهتز، صمت على حافة الانفجار. إنّه ينحني نحوي بقوّة مكبوتة، بزلزال محتجز في جسد، ببركان خامد يستيقظ. أشعر بالفعل بحرق ما سيأتي، بالحرارة التي تشع من جسده قبل أن يلمسني، بالكهرباء في الهواء كما قبل عاصفة صيفية.شفتاه تنقضّان على شفتيّ، ليس كمداعبة، ليس كطلب، ليس كسؤال. كاستيلاء. كفتح. كاحتلال. فمه يلتهم، يطالب، يأمر، وفمي يترك نفسه، مخطوف، مستهلَك، مسلَّم. أئنّ في حلقه، متفاجئة بالعنف الحنون لقبلته، بالجوع الذي يفتح شفتي، باللسان الذي يغزو، بالأسنان التي تحتك بأسناني. كلّ تنفّس يصبح صراعًا، معركة صغيرة من أجل الهواء، كلّ تنهيدة، قربانًا أضعه على مذبح فمه. أشعر بنفسي أذوب من الداخل، عظامي تتحول إلى شمع، عضلاتي إلى ماء، إرادتي إلى دخان.يرفعني بحركة عنيفة وواثقة، كما لو كنت لا أزن شيئ
تانياأبقى بلا حراك، على ركبتيّ أمامه، الجسد محترق، الجلد حساس لدرجة أن الهواء نفسه يصبح لمسة، يصبح مادة تتحرك حولي وتحتكني وتذكرني بكل مسامي. العالم مختزل إلى الغرفة، إلى هذا الفضاء المغلق الذي أصبح كونًا كاملاً، إلى رائحة الجلد من المقعد خلفي، إلى رائحة القهوة الباردة في الكوب على الطاولة، إلى الإيقاع المنتظم لأنفاسه الذي أصبح بوصلتي وساعتي ودقات قلبي البديلة. كلّ تشنّج في فكّه، كلّ احتكاك رمش، كل حركة صغيرة في وجهه هي حدث، هي إشارة، هي رسالة أقرؤها وأترجمها وأحفظها. الصمت بيننا ليس فارغًا، ليس غيابًا للصوت: إنّه يهتزّ بالنوايا، بالوعود الممسوكة والقواعد غير المكتوبة، بالكلمات التي لا تُقال لأنها تُعرف، بالأوامر التي لا تُنطق لأن الهواء نفسه ينقلها. أشعر به كاملاً، ثقيلاً، كمغناطيس يجذبني ويثبّتني في مكاني، كجاذبية خاصة به هو وحده.— انتصبي.الكلمة تصلني كربتة على الظهر، كيد ترفعني من الأسفل. صوته لم يرتفع، لم يتغير، لا يزال ذلك الهدوء العميق الذي يجعلني أرتجف. يقول "انتصبي" ولا يقول "قفي". "انتصبي" تعني أكثر من مجرد تغيير وضعية الجسد. "انتصبي" تعني: عودي إلى داخلك، قفي في روحك، انت
تانياأبقى بلا حراك، على ركبتيّ أمامه، كما لو كنت متجمّدة في لوحة حيّة، شخصية أسطورية معلقة في لحظة استسلام أبدي. الصمت الذي يتمطّط بيننا يثقل عليّ بقدر ما يكهربني، يحوّل الهواء بين جسدينا إلى مادة كثيفة، شبه صلبة، أتنفسها بصعوبة وكأنها بخور مسكر. أشعر بالدمّ ينبض في صدغيّ، في معصميّ، في ذلك الفراغ السري في أسفل بطني الذي ينقبض ويتوسع بإيقاع مختلف عن قلبي. تنفّسي سريع جدًّا، سطحي، متقطّع، كل شهيق يحرق حلقي وكل زفير يرتعش بين شفتي. أصابعي تتشنّج على فخذيّ، أظافري تنغرز في راحة يدي، لئلّا أستسلم للدوخة التي تهدد بابتلاعي. الأرضية تحت ركبتيّ أصبحت باردة فجأة، أو ربما أنا من أصبحت شديدة الحرارة لدرجة أن كل ما يلامسني يبدو باردًا.لوكاس لا يتحرّك.لا يتحرك إطلاقًا، وهذا الثبات المطلق هو أكثر ما يرعبني ويغريني في آن. إنه كتمثال لإله قديم، إله لا يحتاج إلى الكلام لأن العالم كله ينحني لإرادته بصمت. عيناه الغارقتان في عينيّ هما سلسلتان تطوّقانني وتمنعانني من الهرب، سلسلتان غير مرئيتين لكنني أشعر بثقلهما على حلقي، على كتفيّ، على كياني كله. لا يقول شيئًا، وهذا الغياب للكلمات هو ما يجعلني أرتعش أ
تانياأبقى على ركبتيّ أمامه، أنفاسي قصيرة، متقطّعة، قلبي يخفق بعنف، بعنف لدرجة أنّني أسمعه يدقّ في أذنيّ، في جمجمتي. كلّ نظرة من لوكاس تجمّدني، تسحقني، تحرقني في آن. كلّ صمت، كلّ لحظة حيث لا يقول شيئًا، هو أداة تعذيب أكثر دقّة من أيّ كلمة. أشعر بأصابعي ترتعش على فخذيّ، عاجزة عن البقاء في مكانها. أجرؤ على لمس قماش ملابسي، تعديله قليلاً، ثمّ أسحب يدي فورًا، كما لو كنت قد لمست نارًا. كما لو أنّ حركة سيّئة الحساب، واحدة فقط، يمكن أن تدمّر كلّ شيء، أن تجعله ينهض ويغادر.— اقتربي أكثر، يتمتم، صوته ناعم كالحرير، لكن قاطع كالزجاج المكسور.ساقاي ترتعشان، لكنّني أتقدّم. أزحف تقريبًا. خطوة بعد خطوة على ركبتيّ، كلّ حركة مقاسة، كما على حبل مشدود فوق الهاوية. جسدي كله يخون خوفي، يخون ارتباكي: قشعريرة تسري فيّ، ترتعش على بشرتي العارية، يداي تتشنّجان، تفتحان وتغلقان. ومع ذلك، يجب أن أبقى... لا، يجب أن أستمرّ. معلّقة بنظراته، مغناطيسيّة. أعرف أنّه يحلّل كلّ شيء، يسجّل كلّ شيء: منحنى ظهري، توتّر كتفيّ، الطريقة التي يرتعش بها تنفّسي. كلّ حركة صغيرة، كلّ ارتعاشة، تصبح صدى، دليلاً على تخلّيي الطوعيّ، على
ليراأبقى متجمّدة في الرواق، في نفس المكان، عاجزة عن الحركة، عاجزة عن التنفّس بشكل صحيح. الهواء راكد، ثقيل، مشبع بكلّ ما حدث. أسمعهم. أسمعهم رغم الباب المغلق، رغم الخشب السميك. تنفّس تانيا غير المنتظم، اللاهث، أسمعه. خطوات لوكاس الهادئة، المحسوبة، الواثقة، أسمعها على الخشب. كلّ ضجيج، كلّ حفيف، كلّ همسة مكتومة، هو طرق مطرقة في صدري، مباشرة في قلبي.حفيف قماش. فستان يسقط؟ حركة خفيّة، انزلاق. ثمّ الصمت. صمت ثقيل. يثقل عليّ كالرصاص، على كتفيّ، على رئتيّ. أفاجأ بنفسي أحبس أنفاسي، يدي مضمومة على فمي، خائفة من سماع أدنى ردّ فعل، الكلمة التالية، الضحكة التالية.لا أجرؤ على تخيّل ما يحدث بالضبط خلف هذا الجدار، خلف هذا الباب الأبيض. لكنّني أعرف. أعرف بما فيه الكفاية. أعرف أنّ كلّ كلمة، كلّ صمت، كلّ تنفّس، كلّ بادرة هي سلاح. سلاح يستخدمه لوكاس بدقّة جراحيّة، ببرود عالم تشريح. وأعرف، بقلبي، أنّ تانيا، الهشّة، المرتعبة، العارية من كلّ كرامة، تحت رحمته تمامًا. تحت نصل مشرطه.تانياركبتاي لا تزالان ترتعشان، تؤلمانني، عندما أعبر أخيرًا عتبة الغرفة. إنّها غرفته. رائحته في كلّ مكان. لوكاس هناك، واقف، ب
ليرايتمطّط الصمت، يصبح أكثر كثافة، أكثر خانقًا، كما لو أنّ الجدران نفسها انغلقت، تقرّبت، لتشهد العذاب. تانيا على ركبتيها، في نفس المكان، لم تتحرّك، الجبهة تقريبًا موضوعة على جلد حذاء لوكاس، وجسدها الذي يهزّه النشيج، التشنجات، يجعل كلّ الهواء من حولنا يرتعش، يجعل الضوء يرتجف.لوكاس لا يتحرّك. لا يتحرّك أبدًا. إنّه يتأمّلها. يتأمّلها بذلك الجمود الجليديّ الذي يرعبني أكثر من الغضب، أكثر من الصراخ. ليس انفجارًا، ليس ثورة، ليس عنفًا جسديًّا. إنّها قسوة هادئة، صبورة، تأمّليّة تقريبًا. قسوة تعرف تمامًا، بدقّة جراحيّة، أين تضغط لتوجع أكثر، أين تلمس لتدمّر.تبقى ابتسامته ثابتة، قاطعة، لا ترحم. لم تختفِ أبدًا.— مثير للشفقة... يتمتم أخيرًا، صوته يحمل تقريبًا دهشة زائفة. إنّه يهزّ رأسه ببطء كما أمام مشهد بشع، أمام حشرة تحت عدسة. مثير للشفقة للغاية. لم أعتقد أنّك ستصلين إلى هذا الحدّ.كلماته تسقط كحكم. كحكم نهائيّ. لا حاجة للصراخ: إنّه يقطع بنبرة هادئة، بنبرة محادثة تقريبًا، كقاضٍ يصدر حكمًا نهائيًّا وهو ينظر إلى أظافره.خلفي، يفلت ألكسندر هديرًا مكتومًا، حيوانيًّا، أسمعه في صدره. تنقبض قبضتاه ب
لييرامقصورة الطائرة الخاصة صامتة.ليست هادئة. فقط صامتة.أنا جالسة بجانب النافذة. لوكاس بجانبي، ذراعاه متشابكتان، نظراته قاسية. لم ينبس بكلمة منذ صعدنا سلالم الطائرة.في الأمام، ألكسندر. جالس. مستقيم الظهر. متوتر.وعلى يمينه... كاسندرا.مثا
ألكسندركان من المفترض أن تكون أمسية النادي مجاملةً شكليةً بحتة، احتفالاً بشراكتنا. هذا على الأقل ما أحاول تكراره في ذهني. ولكن ما إن لمحت لييرا تعبر أبواب القاعة، حتى شعرت بسيطري يتصدع.كانت رائعة.فستان أسود مشقوق عند الفخذ، ظهر مكشوف، وتسريحة شعر بسيطة لكنها أنيقة. تتقدم بتلك الثقة الطبيعية التي
ليرايوم المغادرة قد حان أخيرًا، والإثارة الممزوجة بالقلق تلف معدتي. هذه الرحلة حاسمة، ليس فقط للشركة، بل لي أيضًا. لدي الفرصة لأثبت قيمتي، لأظهر أنني أستطيع تنفيذ مشاريع كبرى. ولكن هناك أيضًا ألكسندر. العمل إلى جانبه هو تحدٍ وفرصة في آن واحد، لا يمكنني تفويتها.أنا في طور إنهاء أمت
ليراالطقطقة الجافة لمقبض الباب انتشلتني بعنف من تركيزي.المكتب مغمور في شبه ظلام ناعم. الضوء المرشح عبر الستائر يرسم خطوطًا شاحبة على الجدران، والرنين الخافت للساعة يزيد من إحساس الإلحاح. لوكاس وأنا منحنيان على كومة من الوثائق المبعثرة بشكل غير منظم على المكتب الرئاسي. أوراق ملطخة بالزمن، أختام غي







