FAZER LOGINليراأخرج اليوم.العالم في الخارج يبدو شاسعًا جدًّا. مضيئًا جدًّا. كأنّه يريد تذويبي. إضعافي. الشمس فوقي، حادّة، تجرح عينَيّ بعد كلّ هذه الأسابيع في الظلمة. أليكس هناك، حقيبة في يده، العينان مليئتان بارتياح لا يعرف كيف يسمّيه. لا يعرف كيف يصفه. يؤمن بالشفاء. يؤمن بالعودة. المسكين. لا يعرف أن لا عودة. لا عودة من ما عشته.آخذ يده. أنا من يأخذ يده.— أريد أن نعود إلى منزل والديّ، أقول بهدوء. بصوت لا يشبهني. بصوت امرأة أخرى.يقطّب حاجبيه. يتساءل. يحاول أن يفهم.— ليرا... هل أنت متأكّدة؟ كنت أعتقد... كنت أعتقد أنّك تفضّلين أن نكون وحدنا. في بيتنا.— نعم. هذا أفضل هكذا. أحتاج إليهم. إلى أمّي، إلى أبي، إلى لوكاس... وأنت أيضًا، تحتاج إلى الراحة. لن تضطرّ للاعتناء بي وحدك. سأتعبك.أقول ذلك بصوت هادئ. رزين. شبه حنون. يومئ برأسه، على مضض. دون أن يعرف أنّه بإطاعته، يفعل بالضبط ما يجب. ما أريد. ما خطّطت له.في الخارج، الريح تنزلق على بشرتي كملامسة غريبة. أجنبيّة. كلّ خطوة نحو السيّارة تبدو لي كخطوة خارج العالم السابق. خطوة في جلد جديد. في حياة جديدة. أحسّ تحت معطفي بالارتعاش الخفيف للهاتف. هذا الق
ليرانعم... وأنا أتقدّم.وصلت.إنّه لي الآن.لي وحدي.الضوء، في الأعلى، ينبض بخفّة. شيء ما ينتهي. أو يبدأ. لا أعرف. الحدود غير واضحة. الخطوط الفاصلة بين الماضي والحاضر، بين ما كنته وما أصبحته، لم تعد موجودة.ثلاثة أيّام تمرّ. تنساب كالماء. المستشفى يصبح بين-بين، فاترًا وبلا أفق. عالم معلّق بين الحياة والموت. ألكسندر يسهر. يرفض في البداية أن تقترب الشرطة. كلّ مرّة يدخلون فيها، رجلان أو ثلاثة بوجوه جادّة وأسئلة جاهزة، يبعدهم بكلمة ناعمة، بنظرة قلقة:— اتركوها ترتاح، من فضلكم. ليس الآن. إنّها منهكة. لا ترون حالتها؟صوته حازم لكنّه متوسّل. يرتجف من الغضب والحبّ معًا.لكن يأتي صباح حيث أومئ برأسي. أريد أن أتكلّم. يجب أن أتكلّم. جزء من الخطّة. العملاء يقتربون. يطرحون الأسئلة بتلك الأصوات البطيئة، كما يُمشى على أرض متشقّقة. كأنّهم يخشون أن يثقُلوا أكثر من اللازم، أن يكسروني.إنّهم هناك، من جديد، في الغرفة التي صارت انعكاسًا أبيض وباردًا. غرفة المستشفى. لكنّني لا أرى الجدران البيضاء. أرى القبو. نصف ذكرى للقبو الذي لم أعد أريد تسميته، والذي مع ذلك يلاحقني. أحسّ بهم قبل أن أراهم. كحضور يتسلّل إ
ليراأليكس يتحرّك، ينشغل. أراه، دون أن أنظر إليه حقًّا، من زاوية عيني.Arerاه ترتعشان قليلاً عندما يرتّب الطبق الأوّل، عندما يغلق الكيس بحذر سخيف، كما لو أن ضجيج البلاستيك يمكن أن يجرحني أكثر. كما لو أن هشاشتي وصلت إلى هذا الحدّ.— لا يهمّ، يتمتم، سأذهب للبحث عن شيء آخر. شيء تحبّينه. شيء يفتح شهيّتك.صوته يريد أن يكون خفيفًا، مطمئنًا، لكنّه يتشقّق. يتكسّر من الداخل. أسمع التوتّر خلف الكلمات، أسمع اليأس الذي يحاول إخفاءه.أومئ برأسي. أنا سعيدة لأنّه يهتمّ بي. سعيدة لأنّه هنا، إلى جانبي، منحنٍ عليّ بهذا الحنان الذي لا ينضب. وهو يتشبّث بذلك، بإيماءتي الصغيرة، كعلامة حياة. كوعد. كدليل أنّه ما زال يستطيع فعل شيء.ينتصب. نظراته تنزلق نحو الباب. أصابعه تتردّد على المقبض. يلتفت، يرمقني بنظرة أخيرة. نظرة مليئة بأمل سخيف. سخيف ومؤثّر. كطفل يعتقد أن مجهودًا واحدًا سيكفي لإصلاح الكون. لإصلاحنا.— سأعود. سأعود بسرعة. أعدك.لا أُجيب. مرّة أخرى. لا أستطيع أن أعدّه بشيء.الباب ينغلق خلفه. وفورًا، تعود الغرفة للانقباض. تنغلق عليّ كحلق، كفكّي فخّ. الجدران تقترب. الصمت يرجع، ثقيلاً، حشويًّا. أحسّ بكلّ نب
ليراالغرفة فرغت شيئًا فشيئًا. مثل ساعة رملية تتسرّب حبّاتها. الخطوات ابتعدت في الممرّ، تلاها صمت، ثمّ خطوات أخرى، ثمّ لا شيء. الأصوات خفتت، تلك الهمهمات التي كانت تصلني مشوّهة، ثمّ سكتت. لم يعد هناك سوى طنين الآلات، ذلك الطنين المنتظم، وضوء النيون القاسي فوق رأسي. إنّه يرتعش أحيانًا، يومض، كما لو كان هو أيضًا يتردّد في البقاء. في الصمود.أليكس خرج، "لحظة فقط"، كما قال، ليذهب ليبحث لي عن شيء آكله. رأيت في عينيه تلك الحاجة المحمومة لفعل شيء، أيّ شيء، ليكون مفيدًا. أومأت برأسي دون أن أنظر إليه حقًّا. دون أن أرفع عينَيّ عن الغطاء الأبيض. عن النسيج الخشن تحت أصابعي. وحالما اجتاز الباب، حالما سمعت النقرة الناعمة، تغيّر كلّ هواء الغرفة. كما لو أن تيّارًا خفيًّا عبر المكان. صمت غريب استقرّ، ليس صمت الراحة. لا. ليس ذلك الصمت الهادئ الذي يسبق النوم. إنّه صمت ينتظر شيئًا. صمت مشحون، متوتّر. صمت يحبس أنفاسه. وأنا أيضًا.أبقى بلا حراك طويلاً. أستمع. أتأكّد أن لا أحد في الممرّ، أن لا ممرّضة على وشك الدخول. الأغطية تلتصق ببشرتي، ثقيلة، لزجة. رائحة الغرفة المعقّمة تقزّزني، تملأ فمي، أنفي، رئتيّ. كلّ
ليراانسلخ النهار دون أن ننتبه. دون أن نشعر به يتسرّب من بين أصابعنا كحبات رمل ناعمة. ضوء المساء يتمدّد على الجدران البيضاء، ذهبيّ، هشّ، شبه خجول. كأنّه هو أيضًا لا يجرؤ على البقاء. كأنّه يعرف أن هذه الغرفة لم تعد تحتمل المزيد من الضوء، المزيد من الحقيقة. أمّي لم تترك يدي منذ ساعات. منذ اللحظة التي دخلت فيها هذه الغرفة، لم تفصل أصابعها عن أصابعي. متشابكة، متشبّثة، كما لو كانت تخشى أن أختفي من جديد إذا أفلتتني. كما لو كانت يدي هي الحبل الوحيد الذي يربطني بهذا العالم. أحسّ بنبضها في راحتها، سريعًا، غير منتظم، ينبض بالخوف والحبّ معًا.أبي يجول ذهابًا وإيابًا قرب النافذة. خطواته منتظمة، ثقيلة، تتردّد على البلاط في إيقاع بطيء. الوجه منغلق، الفكّ مشدود. يحاول احتواء العالم كلّه في صمته، أحسّ بذلك. يحاول أن يبقى قويًّا، الصخرة التي لا تتزعزع، بينما في داخله كلّ شيء ينهار. لوكاس غفا على المقعد، الرأس منحنٍ على ركبتيه، الجفنان ترتعشان، ترفّان، تحلمان. حتّى في نومه، لا يجد السلام. حتّى في أحلامه، يطاردنا ما حدث.أليكس، هو، لم يتحرّك. لم يتحرّك منذ البداية. يبقى جالسًا قربي، بلا حراك، كتمثال منح
ليرا لم أعد أعرف كيف عدنا إلى الغرفة. كلّ شيء يبدو ضبابيًّا. غير واقعيّ. كما لو أن كلّ خطوة، كلّ حركة، تُمحى مع تقدّمنا. أليكس يمسكني من خصري، ذراعه حولي، قويّة، ثابتة. يده ما زالت ترتعش. أشعر بارتعاشات أصابعه على وركي. لكنّها لا تفلتني. تمسك بي كما لو كنت قد أختفي من جديد إذا تركني. ماء الحمّام ترك آثارًا علينا. على ملابسنا المبلّلة، على بشرتنا اللزجة، على أرواحنا المثقلة. شعري يقطر، قميصي يلتصق بجروحي المضمّدة. أشعر بالبرد. أشعر بالحرارة. لا أعرف. لديّ انطباع بأنّني عبرت عاصفة بدون مظلّة، بدون ملجأ، بدون نهاية. الغرفة تنتظرنا، صامتة. كما تركناها. كما لو لم يحدث شيء. الغطاء الأبيض غير مرتّب، ما زال يحمل طيّات جسدي. الآلات تومض بعد، صبورة، منتظمة. كلّ شيء مماثل. كلّ شيء في مكانه. ومع ذلك، لم يعد أيّ شيء كما كان. لن يعود أيّ شيء كما كان أبدًا. هناك فراغ في هذا النظام. هناك صوت مفقود في هذا الصمت. أشعر على بشرتي بهذا التعب الغريب. تعب لا يشبه أيّ تعب آخر. ليس تعب الجسد فقط. ليس تعب الجهد أو المرض. بل تعب النجاة. تعب من نجوا من شيء لا يمكن تسميته. ليس تمامًا الموت. لا، الموت
ليراالطقطقة الجافة لمقبض الباب انتشلتني بعنف من تركيزي.المكتب مغمور في شبه ظلام ناعم. الضوء المرشح عبر الستائر يرسم خطوطًا شاحبة على الجدران، والرنين الخافت للساعة يزيد من إحساس الإلحاح. لوكاس وأنا منحنيان على كومة من الوثائق المبعثرة بشكل غير منظم على المكتب الرئاسي. أوراق ملطخة بالزمن، أختام غي
لييرامقصورة الطائرة الخاصة صامتة.ليست هادئة. فقط صامتة.أنا جالسة بجانب النافذة. لوكاس بجانبي، ذراعاه متشابكتان، نظراته قاسية. لم ينبس بكلمة منذ صعدنا سلالم الطائرة.في الأمام، ألكسندر. جالس. مستقيم الظهر. متوتر.وعلى يمينه... كاسندرا.مثا
ليرايوم المغادرة قد حان أخيرًا، والإثارة الممزوجة بالقلق تلف معدتي. هذه الرحلة حاسمة، ليس فقط للشركة، بل لي أيضًا. لدي الفرصة لأثبت قيمتي، لأظهر أنني أستطيع تنفيذ مشاريع كبرى. ولكن هناك أيضًا ألكسندر. العمل إلى جانبه هو تحدٍ وفرصة في آن واحد، لا يمكنني تفويتها.أنا في طور إنهاء أمت
كاساندرأحيانًا، لا يكاد الشيء يُذكر ليقلب الموازين.نظرة تطول أكثر من اللازم على شاشة فارغة، كأنها تبحث عن جواب في الفراغ.تنهيدة تُحبَس بين كلمتين، تختنق في الحنجرة قبل أن تولد.توترٌ في الكتفين، خفيٌّ كنسيج العنكبوت، لكنه دائم كنبض لا يهدأ.







