LOGINشقت السيارة الرياضية الفاخرة ضباب الجبال الشمالية الكثيف مع اقتراب ساعات الفجر الأولى. كان المطر الغزير الذي رافقهما طوال الليلة الماضية قد بدأ يخف تدريجياً، ليفسح المجال للنور الفضي الخافت ليشِع وينبعث بجمال ساحر من بين الغيوم الدكناء المبتعدة. كان الطريق الجبلي الوعر يتصاعد بحدة ونقاط خطرة نحو قمة الجبل الشاهقة، حيث تقف قلعة أثرية قديمة ومجهولة، شُيدت حجارتها السوداء منذ عقود طويلة لتقف شاهدة على أسرار دُفنت في القمم. أخيرًا، توقفت السيارة عند نقطة مرتفعة ومطلة على الوادي الفسيح والساحر، حيث تتشابك أشجار الصنوبر المبتلة مع الضباب. خفت صوت المحرك القوي ليحل محله هدوء الليل الأخير، وساد السكون المحيط بالكوخ الجبلي القريب، ذلك المكان الذي ألمح إليه والده بوضوح في المذكرات المذهبة.ترجل أحمد وسارين بهدوء من السيارة. كان أحمد ينفض قطرات المطر العالقة عن شعره المتمرد بلمسة عفوية، ويمسك بيده بثبات الجهاز الكريستالي الذي بدأ ينبض وينبعث منه ضوء فضي دافئ وساحر. كان هذا الضوء يتفاعل بشكل مذهل مع القلادة الفضية الأثرية التي ترتديها سارين حول عنقها، ومع الرمز المحفور بدقة على كتفه الأيسر، وكأ
تطاير الغبار العالق والحجارة الصغيرة من سقف الغرفة السرية نتيجة شدة الانفجار المفاجئ الذي هز المكان بأكمله وأربك لحظة اكتشافهما للسر. انقبضت ملامح سارين بسرعة وسحبت خنجرها الفضي بقوة وهي تلتفت يمنة ويسرة، قائلة بصوت مرتفع يحمل القلق والتحذير: "لقد وجدوا المكان بأسرع مما توقعت! رجال المنظمة تتبعوا أثرنا بالتأكيد عبر شفرة التتبع الإلكترونية الدقيقة التي كانت مدمجة بذكاء شديد داخل مقبض المظلة السوداء!" التفت أحمد بسرعة ونظرة حادة كالشفرة نحو المظلة الملقاة عند الباب المفتوح، ودرك بذكائه الفطري وسرعة بداهته فوراً أن المقبض العاجي الفاخر لم يكن مجرد نقش جمالي عابر، بل كان يحوي جهاز تتبع صغير ودقيق أدى بخصومهم المطاردين مباشرة إلى هذا المكان السري والمخفي تحت الأرض. لكن بدلاً من الشعور بالخوف أو التراجع للخلف كما يفعل الآخرون، ارتسمت على وجه أحمد المتمرد ابتسامة تحدٍ واسعة ومستفزة، وكانت عينيه تشتعلان حماساً وإثارة وكأنه يخوض منتصف سباق حاسم لا مجال فيه للخسارة."ممتاز جداً..." قال أحمد بنبرة واثقة ورجولية وهو يمتد بيده يمسك المذكرات الجلدية والجهاز الكريستالي ويضعهما داخل سترته الجلدية
لم ينتظر أحمد كثيراً ليقبل هذا التحدي الجديد والمثير، بل كان قلبه يبتسم حماساً قبل شفتيه. التقط الخنجر الفضي الصغير من على الطاولة الخشبية ونظر إلى نصله الصقيل بفضول ودقة، ثم رفعه بثبات ونظر إلى سارين بنظرة ملؤها الجرأة الاستثنائية التي طالما واجه بها أصعب السباقات والمواقف: "أنا لا أتظاهر بالشجاعة يا سارين... أنا أعيشها في كل لحظة من حياتي اليومية. دليلي الآن إلى هذا الصندوق الخشبي المغلق، وستتأكدين بنفسكِ من صدق قولي وصحة ثقتي." خرج كلاهما فوراً من المنزل القديم تحت العاصفة المطرية الشديدة التي زادت حدتها وقوتها في تلك اللحظات. قادتهما سارين بخطوات سريعة وحذرة عبر زقاق ضيق وخلفي يقع خلف الدار العتيقة، يؤدي مباشرة إلى سرداب سفلي قديم ومستتر تحت الأرض. كان السرداب مظلماً ورطباً للغاية، وتفوح من جنباته الحجرية رائحة الطين والنعناع البري المبتل بقطرات المطر.نزلا الدرج الحجري المتهدم والمتآكل بحذر، وكان أحمد يسير أمامها بثبات ليتقصى الطريق ويضمن لها الحماية الكاملة بجسده الرياضي القوي دون أن يعترف بذلك صراحة أو يتكلم برومانسية مكشوفة. في نهاية السرداب المظلم، وصلا إلى باب حديدي ضخم لل
اخترق أحمد حبات المطر المترامية والغزيرة وهو يسير بهدوء بين جدران الحي العتيق المتآكلة. كان الصوت الوحيد الذي يسمعه في هذا الظلام الدامس هو وقع خطوات حذائه الجلدي على الحصى المبتل والأرضية الحجرية. وصل أخيراً إلى منزل قديم ومتهدم ذي باب خشبي ضخم مزين بنقوش نحاسية عتيقة. كانت الإشارات والبيانات الموجودة على الخريطة الحرارية تؤكد بوضوح أن هذا المبنى بالذات هو المكان المطلوب الوصول إليه. لم يتردد أحمد أو ينتظر طويلاً؛ دفع الباب الخشبي بكتفه القوي والصلب، فانفتح الباب فوراً بصرير حاد ومزعج هز سكون المكان الموحش. دخل ببطء إلى باحة الدار الداخلية المفتوحة. كانت الرائحة الزكية تفوح بعبق الياسمين المبتل الممزوج برائحة الخشب القديم والتراب المبلل، وعلى عكس الظلام الذي يلف الشارع الخارجي بالكامل، كان هناك ضوء قنديل زيتي خافت ينبعث بوضوح من غرفة جانبية تقع في الطابق الأرضي.توجه أحمد نحو مصدر الضوء بخطوات هادئة وحذرة تشبه حركات الفهد المنتظر. أخرج يده اليسرى من جيب سترته الجلدية وقبض بثبات على القفل النحاسي للمظلة السوداء ليستخدمه كأداة صلبة للدفاع عن نفسه إن تطلب الأمر ذلك. وقف بثبات عند باب
كان السكون الذي خيّم على الشارع المظلم أشبه بالعدم. صوت المطر وهو يضرب الأرضية الأسفلتية بانتظام صاخب كان الصوت الوحيد الذي يخترق الذهول الذي أصاب أحمد في تلك اللحظة المفاجئة. وقف مكانه لثوانٍ معدودة، وعيناه تتنقلان بدهشة بين الزقاق الخالي تماماً والمظلة السوداء الملقاة عند قدميه، والتي بدأت حبات المطر الممتدة تمسح الآثار الطفيفة لأقدامها بسرعة فائقة. لم يكن أحمد من النوع الذي يتجمد أو يتردد أمام المفاجآت، بل كان تمرده وطبعه الجريء يغذيان الغضب والتحدي داخل قلبه كلما حاول أحدهم ممارسة الألغاز عليه أو استدراجه. انحنى ببطء وثبات، والتقط المظلة السوداء بيده القوية المبتلة. كان المقبض العاجي الفاخر للمظلة يلتف حوله نقش يدوية ناعم وصغير لم يلاحظه في البداية تحت قطرات المطر الشديدة: حرفان متداخلان باللغة اللاتينية تم نحتهما بدقة متناهية (S.A)."تبخرتِ؟" همس لنفسه بابتسامة سخرية حادة ارتسمت على شفتيه الجذابتين، بينما كانت عينيه تشتعلان برغبة عارمة في الكشف عن هويتها الحقيقية وطبيعة سرها. "حيلة جيدة ومتقنة يا حلوة... لكنكِ لا تعرفين مطلقاً مع من تلعبين." قبض بحزم على المغلف الجلدي بيده الأخرى
كانت السماء تصب جام غضبها على المدينة، والمطر يغسل الشوارع بانتظام صاخب. لكن في أحد المنعطفات النائية، لم يكن صوت المطر هو الأعلى، بل كان زئير المحركات. وسط الضباب، وقفت سيارته السوداء كالفهد المستعد للانقضاض. وفي الداخل، كان أحمد يجلس بخلفية مسترخية لا تشبه خطورة الموقف. ملامحه الحادة، وعيناه اللتان تحملان مزيجاً من الذكاء الحاد والجرأة، كانت تلمع مع انعكاس أضواء لوحة القيادة. وسامته لم تكن من النوع الهادئ، بل كانت وسامة واثقة، مستفزة، تجعل كل من حوله يلتفت إليه رغماً عنه. "أحمد، الرهان خطير هذه المرة، والشرطة ليست بعيدة،" جاء الصوت عبر اللاسلكي من صديقه المقرب. ابتسم أحمد ابتسامة جانبية ساخرة، وعدّل مرآة الرؤية الخلفية وخصلات شعره المبتلة بالطبع تمرداً على خوذة السباق التي رفض ارتداءها. قال بنبرة هادئة ومليئة بالتحدي: "الخطر هو الجزء الممتع في الليلة يا صديقي. ألم تحفظ درسي بعد؟ القواعد وُجدت لتُكسر." ومع إشارة البدء، انطلق كالسهم، يتلاعب بالمنعطفات الخطرة وسط المطر وكأنه يراقص الموت. لكن، في نهاية السباق، وبعد أن حسم الفوز لصالحه وسط حماس الحشود، لفت انتباهه شيء غير متوقع. خلف ا







