Masukتمتم وهو يمرر يده على وجهه: "هل يعرف نديم شيئًا لا أعرفه؟"لم يجب أحد عن سؤاله، وبقيت الغرفة ساكنة من حوله، إلا من صوت الساعة الذي بدا أكثر وضوحًا مع تقدم الليل. حاول أن يستعيد تفاصيل الحفل مرة أخرى، فظهرت أمامه إيلين وهي تشرح مشروع إيثر 9، ثم صورة أخرى لها وهي تصغي إلى أحد الحاضرين وتجيبه بثقة، ثم لحظة وقوفها أمام الجمهور، هادئة ومتماسكة، لا تبدو عليها أي علامة من علامات المرأة التي طالما تخيل أنه فهمها تمامًا.وللمرة الأولى منذ وقت طويل، لم يستطع مراد أن يطرد صورتها من ذهنه بمجرد أن يقرر ذلك. كانت ملامحها في الحفل مختلفة عن الصورة التي احتفظ بها في ذاكرته، أو ربما كانت الصورة القديمة هي التي بدأت تتصدع، تاركة وراءها أسئلة لم يعد يستطيع تجاهلها. كان يذكر أناقتها، وثباتها، وطريقتها في الحديث، لكنه كلما حاول أن يحصر تفكيره في مظهرها، عاد ذهنه إلى ما هو أبعد من ذلك؛ إلى معرفتها، وإلى نظرات الاحترام التي أحاطها بها بعض الحاضرين، وإلى الطريقة التي تعامل بها كبار المسؤولين معها، وكأنهم يعرفون عنها ما لم يعرفه هو طوال سنوات زواجهما.استند إلى ظهر الأريكة وأغمض ع
لم تكد الذكرى الأولى تنتهي حتى لحقتها أخرى. تذكر إيلين في مناسبة مختلفة، وهي تتحدث عن أنظمة شديدة التعقيد مع أحد ضيوف عائلتها ، وكان مجموعة من العلماء والبروفيسور كاظم حاضرين في المكان. لم يكن مراد قد فهم كل ما دار في الحديث، لكنه لاحظ أن الضيف كان يستمع إليها باهتمام، ثم طرح عليها سؤالًا بدا وكأنه يريد اختبار مدى فهمها لما تقوله، فأجابته من دون تردد، واستطاعت أن توضح نقطة لم تكن ظاهرة في بداية النقاش. يومها لم يتوقف مراد كثيرًا عند الأمر، فقد كانت إيلين طفلة ذكية في نظره، وكان من الطبيعي أن تتأثر بعمل والديها في المجال البحثي، لكنه لم يتخيل أن تلك اللحظات قد تكون أكثر من مجرد فضول مبكر أو معرفة اكتسبتها من الاستماع إلى الكبار.غير أن تلك الذكريات لم تتوقف عند هذا الحد. فقد ظهرت أمامه صورة أخرى من الفترة نفسها، عندما كان أحد ضيوف جده يتحدث عن مجموعة من المواد الكيميائية شديدة التعقيد واستخداماتها المحتملة في مجال بحثي متخصص. كان النقاش يدور بين عدد من البالغين، وكان والد إيلين والبروفيسور كاظم حاضرين، بينما جلست إيلين الصغيرة على مقعد قريب تستمع إلى الحديث دون أن
كان تخصص آدم ويوسف معروفًا لمن يتابع أعمالهما، وعلى الرغم من قدرتهما العلمية الواضحة، فإن معرفتهما لم تكن كافية لتفسير ذلك الاتساع الذي ظهر في حديث إيلين. يمكنهما أن يكونا على دراية عامة بمجالات كثيرة بحكم عملهما في أوريون نوفا، وأن يفهما المبادئ التي يحتاجان إليها للتعاون مع فرق البحث المختلفة، لكن ذلك يختلف تمامًا عن امتلاك المعرفة المتخصصة التي تسمح للمرء بالتحدث بتلك الدقة والثقة عن مجالات متباعدة إلى هذا الحد.أما البروفيسور كاظم النويهي، فكان رجلًا مثقلًا بالمسؤوليات، يشغل موقعًا مهمًا في معهد الأبحاث الوطني، ويشرف على مشروعات عديدة، فضلًا عن التزاماته العلمية والإدارية. لم يكن لديه، وفق ما يعرفه مراد، الوقت الكافي ليجلس مع إيلين ويعلمها كل هذه التخصصات من البداية، ولا سيما أن بعضها يحتاج إلى سنوات من الدراسة والتجربة حتى يستطيع المرء فهمه بعمق. فكيف تمكنت من اكتساب هذه المعرفة كلها؟ ومتى فعلت ذلك؟ ولماذا لم يلحظ شيئًا منها خلال السنوات التي عاشاها تحت سقف واحد؟انقبضت أصابعه فوق ذراع الأريكة، بينما حاول أن يعثر على إجابة مقنعة. لم يكن من السهل عليه الاع
لمس نديم رأس أخته وتابع "لكنني واثق من أن إيلين قادرة على الفصل بين الأمور، وأنها لا تحكم على الناس جميعًا من خلال علاقاتهم السابقة أو خلافاتهم الشخصية. لقد رأينا الليلة كيف تعاملت مع الحاضرين، وكيف حافظت على احترافيتها رغم اختلاف المواقف والآراء. وهي تبدو من النوع الذي يقدّر الموهبة والاستعداد الحقيقي للتعلم" تنفست نرمين بارتياح، وكأن كلماته أزاحت جزءًا من القلق الذي كانت تحمله، لكنها قالت إنها لا تزال تخشى أن تكون العلاقة السابقة بين إيلين ومراد سببًا يجعلها ترفض اللقاء من البداية. لم يطلب منها نديم تجاهل هذا الاحتمال، بل أوضح أن من حق إيلين أن تختار الأشخاص الذين ترغب في التعامل معهم، وأنه لا ينبغي لأحد أن يتوقع منها قبول أي طلب لمجرد أن صاحبه ينتمي إلى عائلة تعرفها.ثم أضاف أن أفضل طريقة للتعامل مع الأمر هي أن يُطلب اللقاء بصورة طبيعية ومحترمة، دون ضغط أو افتراضات مسبقة، وأن تُترك لها حرية الموافقة أو الاعتذار. فإذا رحبت إيلين بالفكرة، فسيكون ذلك بداية جيدة، وإذا لم ترغب في اللقاء، فلن يكون هناك ما يستدعي الإلحاح عليها.ارتاحت ملامح نرمين قليلًا، ثم عادت إليها
استمع نديم إليها باهتمام، بينما ظهرت على وجهه ابتسامة رضا هادئة، فقد كان يتوقع أن تترك إيلين هذا الانطباع لديها، خصوصًا أن نرمين لا تنبهر بسهولة بالمظاهر أو بالكلمات المنمقة، بل تهتم بما يقف خلفها من معرفة حقيقية وقدرة على الفهم.تابعت نرمين حديثها وقد ازدادت دهشتها كلما استرجعت تفاصيل الحفل، ثم أضافت: "لم تكن تبدو كمن يحاول استعراض معرفته أمام الحضور، بل كانت تتحدث بصورة طبيعية للغاية، وكأن هذه التفاصيل جزء من طريقة تفكيرها. أتساءل كيف استطاعت الإحاطة بكل تلك المجالات إلى هذا الحد. لقد بدا الأمر وكأنها درستها جميعًا، وربما تعمقت فيها أكثر مما نتخيل."كان نديم يستمع إليها بابتسامة رضا هادئة، وقد أسعده أن أخته بدأت تلاحظ بنفسها ما حاول هو فهمه منذ فترة. لم يكن يريد أن يلقنها استنتاجات جاهزة، ولا أن يدفعها إلى تبني رأيه لمجرد أنه أخوها الأكبر، بل كان يفضل أن تكتشف بنفسها أن الصورة التي رسمها بعض الناس عن إيلين لم تكن بالضرورة الحقيقة كاملة. تابعت نرمين حديثها قائلة: "ما أدهشني أكثر لم يكن مجرد قدرتها على استخدام المصطلحات المتخصصة، بل الطريقة التي شرحت بها العلاقات ب
بعد خروجهم من غرفة تيم، توقف مراد في الممر، والتفت نحو نديم الذي كان يسير بجوار نرمين، وقد بدا على ملامحه أنه لم يعد يرغب في تأجيلء الحديث الذي ظل يشغله منذ عودتهم إلى القصر.ثم قال بنبرة حاسمة: "لنجتمع قليلًا، هناك أمور أريد أن نتحدث بشأنها."أبطأ نديم خطواته، ألقى نظرة سريعة نحو باب غرفة تيم المغلق، ثم نظر إلى ابن عمه قبل أن يجيبه بهدوء: "ليس الآن، نحن جميعًا متعبون، وأعتقد أن الأفضل أن نرتاح هذه الليلة، ثم نجتمع عندما يعود زين ويستعيد تيم عافيته، لكن..." كاد نديم يستأنف سيره، لكنه توقف فجأة، وكأن فكرة طرأت إلى ذهنه جعلته يعيد النظر في قراره. بقي صامتًا لحظات، وعيناه تستقران على مراد، بينما بدا أنه يرتب الكلمات التي يريد قولها قبل أن ينطق بها. توقف للحظة، وكأن الكلمات التي يريد قولها لم تكن سهلة الترتيب في ذهنه، ثم أخذ نفسًا طويلًا، واستدار نحو مراد ليواجهه مباشرة. "أخي الأكبر، أريد أن أقول لك أمرًا مهمًا، وأتمنى أن تفكر فيه بتمعن، بعيدًا عن أي انفعال أو حكم مسبق."عقد مراد حاجبيه، منتظرًا أن يكمل، بينما تابع نديم بنبرة لم تحمل اتهامًا بقدر ما حملت رجاءً صادق
“إيلين؟” توقّف يوسف في مكانه، وعيناه متسعتان بوضوح كأنه غير مصدق لما يراه. “أأنتِ حقًا؟” أومأت بهدوء: “نعم.” تحرّك نحوها بسرعة، لكنه توقّف فجأة قبل أن يقترب أكثر. ملامحه تغيّرت؛ الدهشة لم تختفِ… لكنها تحوّلت إلى شيء أثقل: “متى عدتِ؟” “اليوم.” سكت لحظة… ثم ضحك ضحكة قصيرة لم تكن مريحة: “
لم يكن الصباح مختلفًا في شكله… لكنه كان مختلفًا في معناه. جلست إيلين الشهاب أمام مكتب خشبي أنيق داخل غرفة هادئة، تتوسطها طاولة زجاجية واسعة. أمامها وُضعت عدة أوراق مرتبة بعناية، كل صفحة تحمل بنودًا واضحة، محددة… ونهائية. لم تمد يدها فورًا. فقط نظرت اسمها لم يكن في الأعلى هذه المرة… بل في الأسف
أما آدم، فظل يراقب إيلين فقط.لأنه الوحيد الذي يعرف الحقيقة كاملة.يعرف أن فتاة في الخامسة عشرة من عمرها جلست يومًا داخل غرفة مغلقة… وصممت نظامًا جعل جهات كاملة تعيد بناء أنظمتها الأمنية من الصفر.ويعرف أيضًا أن الدولة نفسها أخفت اسمها عمدًا بعد ذلك.بموجب الاتفاقية السرية واخفاء
لم يكن في العودة من المقابر ما يشبه الرجوع العادي.الطريق نفسه بدا أطول، أو ربما كانت المسافة هذه المرة تُقاس بما تُرك خلفهم لا بما ينتظرهم. جلست إيلين في المقعد الخلفي، ساكنة على نحو لا يُفسَّر بالهدوء، بل بشيء أقرب إلى الحسم. لم تكن تنظر إلى الخارج بقدر ما كانت تنظر إلى الداخل، إلى نقط







